“طوفان الأقصى”، عملية شنّتها الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة على إسرائيل فجر يوم السبت، في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وشملت هجوما برّيا وبحريا وجويا وتسلّلا إلى عدة مستوطنات في غلاف غزة، وأعلن عن العملية “محمد الضيف”، قائد الأركان في كتائب “عز الدين القسام”، الجناح العسكرية لحركة “حماس”، لتُعتبر هذه العملية أكبر هجوم على إسرائيل منذ عقود.

لكن منذ بدء العملية العسكرية التي شنّتها حركة “حماس” ضد إسرائيل، تشهد المنطقة تصعيدا خطيرا في العنف والصراع، وفي ظل هذه الظروف، يواجه “حزب الله” اللبناني، تحدّيا كبيرا في تحديد موقفه المتواري ودوره في الأزمة، وبات يتردد داخل حاضنته الشعبية، أن قيادة الحزب تلعب على الحبلَين، بين دعم “حماس” وتجنّب الحرب مع إسرائيل، وعليه يُثار التساؤل: كيف نفهم موقف “حزب الله” من الحرب في غزة؟

خيانة لـ”المقاومة”؟

استيقظ اللبنانيون في عدد من المناطق على أصوات تكبيرات صادرة من مكبرات الصوت الملحقة بالمساجد احتفاءً بعملية “حماس” داخل الأراضي المتاخمة لقطاع غزة، وما لبثت أن تعددت الاحتفالات التي أظهرت التضامن مع الشعب الفلسطيني، حيث تفاجؤوا باكتفاء “حزب الله” في اليوم الأول، بتهنئة الشعب الفلسطيني وقيادة “حماس” بإطلاق عملية “طوفان الأقصى”.

منذ ساعات صباح اليوم الاثنين، أعلن وزير الخارجية اللبناني، عبد الله بوحبيب، أن الحكومة اللبنانية تلقّت وعدا من “حزب الله” أنه لن يتدخل في حرب غزة إلا إذا تحرشت إسرائيل بلبنان، وهنا اعتبر العديد من مناصري الحزب هذا التصريح بمثابة “خيانة للمقاومة” التي قام على أساسها الحزب.

تاريخيا، كان “حزب الله” يعتبر نفسه جزءا لا يتجزأ من “المقاومة الفلسطينية” ضد إسرائيل، حيث نشأ وازدهر في ظل صراع لبنان وإسرائيل الدائم، ومع تطور الأوضاع في فلسطين، وتحديدا في قطاع غزة، اعتبر الحزب نفسه بتصريحات مقتضبة أنه متضامنٌ مع حركة “حماس” دون تحديد نوع هذا التضامن.

وهنا يكمن التوتر الرئيسي، فـ “حزب الله” بنظر مؤيديه ليس مستعدا للمخاطرة بتصعيد عسكري كبير في غزة قد يؤدي إلى تصاعد الصراع بين لبنان وإسرائيل، وبات يعي أن تورّطه في صراع مباشر في غزة سيضعه في مأزق أمني وسياسي خطير، ولهذا السبب، اتخذ “حزب الله” موقفا حذرا.

موقف “حزب الله” من الصراع مع إسرائيل يتأثر بعدة عوامل، منها السياسية والعسكرية، لكن بشكل عام، ترى الصحفية اللبنانية، أية عويس، أن الحزب لن يدخل في صراع مسلح مع إسرائيل لأسباب عدة، منها أن الحزب يدرك أن الحرب مع إسرائيل ستكون مدمرة ومكلفة للغاية، لا سيما بعد سنوات من خسارة قوته البشرية في سوريا.

“حزب الله” بحسب عويس، بات سياسيا أكثر من فصيل عسكري “مقاوم”، فالآن تفرض قيادته على فصائلها احترام قواعد التفاهمات التي تم التوصل إليها بينه وبين إسرائيل بعد حرب تموز/يوليو عام 2006، والتي تضمنت وقفاً لإطلاق النار والامتناع عن استهداف المدنيين، فـ”حزب الله” يعتبر هذه التفاهمات ضمانة لحفظ استقرار لبنان وأمن حدوده، و”حزب الله” بات يفضل المواجهة المحدودة والرمزية مع إسرائيل، على المواجهة المفتوحة والشاملة.

هل تخلى “حزب الله” عن فكرة المقاومة؟

حاليا بحسب عويس، “حزب الله” يولي أولوية لدوره في سوريا، حيث يشارك في دعم حكومة دمشق ضد المعارضة المسلحة، فالحزب يعتبر سوريا حليفا استراتيجيا وجسرا لإيران، التي تُعتبر الممول الرئيسي والمستشار الأول لقيادة “حزب الله”، ولذلك يخشى أن تؤدي الحرب مع إسرائيل إلى تقويض مكاسبه في سوريا، أو إلى تشتيت جهوده بين جبهتين.

وطبقا لتقديرات الصحفية اللبنانية، فإن الحاضنة الشعبية لدى الحزب باتت على يقين أن قادة “حزب الله” تخلوا عن فكرة “المقاومة”، وأصبح يدعم فقط مظاهر المقاومة في فلسطين والعراق واليمن وغيرها من الدول التي تتناسب مع خطابات نصر الله لتأليب أتباعه، فيما هو حاليا لا يستعد لأي مواجهة محتملة مع إسرائيل، رغم أنه يمتلك قدرات عسكرية كبيرة.

ما يثبت ذلك، هو إعلان “حزب الله” في الساعة 7:30 من صباح الأحد، الهجوم على ثلاثة مواقع إسرائيلية في منطقة مزارع شبعا وهي: موقع ‏الرادار وموقع زبدين وموقع رويسات العلم بأعداد كبيرة من قذائف ‏المدفعية والصواريخ الموجهة، وبينما تعيدنا هذه المناوشات إلى سابقاتها في سنوات ماضية، وليست ضربة أو بداية لشن هجوم عسكري على إسرائيل.

ورغم تصريح “حزب الله” السبت الفائت، تأييده لعملية “حماس”، وقال إنه “على اتصال مباشر مع قيادة المقاومة الفلسطينية في الداخل والخارج”، إلا أن مبادرة الحزب باستهداف مواقع عسكرية لا تثير قلق إسرائيل، سيما أنها لا تزال تخوض اشتباكات مع مقاتلي “القسام”، الذراع العسكري لحركة حماس، في غلاف غزة.

“حزب الله” غير مقنع

من المعلوم أن “حزب الله” لا يملك في هذا الإطار ملفّا مُلحّا كملف الأسرى يمكن الاستناد عليه لشنّ حرب هجومية ضد إسرائيل، حيث حافظ الحزب على هدوء الجبهة اللبنانية طوال هذه السنوات بشكل لافت ولم ينجر في أي مرة إلى تسخين هذه الجبهة بموازاة أي حرب إسرائيلية على غزة مهما كانت مجرياتها قاسية ومؤلمة، وبالتالي فهو ليس مهتما اليوم بشنّ حرب على إسرائيل.

وبالاستناد على ذلك، يؤكد مركز “الأهرام” للدراسات، أنه لا يبدو أن اتساع الحرب الراهنة لتشمل جبهة لبنان، هو أمر وارد الحدوث، بل إن الأدعى بالنسبة للطرفين هو تثبيت قواعد الاشتباك كما هي، وما كان تراشق القذائف المتبادل بين “حزب الله” وإسرائيل، في اليوم التالي لعملية “طوفان الأقصى”؛ إلا تأكيدا على نفس هذه القواعد وليس تغييرا لها.

الجدير ذكره، أنه منذ عام 2000، وظّف  الأمين العام لـ”حزب الله”، حسن نصرالله، التكرار في خطاباته لتعزيز ودعم ايديولوجيته واستراتيجياته السياسية، إحدى تلك الاستراتيجيات، هي توليد الأمل من خلال الفعل المقنع المتمثل في تكرار العبارات الإيجابية والأزواج الدلالية، مما يخلق شعورا بالأمل والوطنية والانسجام بين الجمهور. 

لكن منذ انخراط الحزب اللبناني في الحرب السورية والعراقية واليمنية، واستغلال نصرالله، لأيّة مناسبة حتى لو كانت غير مهمة من أجل طرح خطابات، تبين أن الحزب الذي كان يدّعي المقاومة وكان يرفض الدخول في متاهات السياسة الداخلية اللبنانية، بات رأس حربة للمحور الإيراني– السوري في لبنان، وأن هدفه الأول والأخير خدمة أغراض هذا المحور وأهدافه عن طريق تكريس لبنان ساحة” للصراعات الإقليمية، إذ يستطيع النظامان في إيران وسوريا استخدامها لتحسين شروط التفاوض مع أميركا وإسرائيل.

لم تعد خُطب حسن نصرالله تنطلي على أحد مهما رفع صوته وأصبعه مهددا، حيث تحوّل حسن نصرالله، من خلال خطابه الأخير إلى زعيم ميليشيا لبنانية، يحاول عَبر سلاح هذه الميليشيا ابتزاز الدولة اللبنانية خصوصاً واللبنانيين عموما لتحقيق مكاسب تصب في خدمة النظامين السوري والإيراني، والتوصل إلى توازن سياسي مختلف في البلد.

التساؤل عن سبب تراجع شعبية حسن نصرالله بين أتباعه، والعوامل التي تؤثر على مقنعية خطاباته الأخيرة، بعد أن كان الملايين يرون في نصر الله قائدهم وزعيمهم وشخصيتهم المحورية، وبدأت تظهر بوادر تشقق في صفوف هذه الجماهير، الإجابة عنه بنظر الصحفية والباحثة في الشأن السياسي، أية عويس، باتت واضحة ولا تحتاج إلى البحث أو التحقيق.

وبحسب المتابعات الحالية، فإن تميُّز حسن نصرالله سابقا بشخصية قيادية وخطابية قوية، يجيد استخدام اللغة والمفردات والأمثلة والحجج لإيصال رسالته إلى جمهوره لم يعد يؤثر، فمع خروجه المتكرر بات المؤيد للحزب يشعر بالملل والضجر وحتى الإحباط من كثرة خطابات نصرالله، أو من تكرار مواضيعها أو عدم تطابقها مع تطلعاته أو احتياجاته، بل أصبح أكثرهم يشككون في بعض المعلومات أو المزاعم التي يطرحها، أو يخالفون رأيه في بعض المسائل، وهذا ما ينطبق على سياق الأحداث الآن في غزة.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
2 1 صوت
قيم المقال
Subscribe
نبّهني عن
1 تعليق
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات
sajed
9 شهور

ليت المخدوعين يعلمون هذه الحقيقة فيريحون أنفسهم من الأحلام المريضة و الآمال الكاذبة في نصرة هذه المليشيا للقضاية العادلة التي زعمت وتزعم أنّها تقف في صفّها.

الأكثر قراءة