في الفيلم الوثائقي للمخرج والكاتب السوري محمد علي الأتاسي المعنون بـ”في انتظار أبو زيد”، والمصنوع بدرجة عالية من العذوبة والمشغول بحرفية، بدا الضجيج في قاعة تنتظر المفكر المصري نصر حامد أبو زيد مقصوداً بينما المنصة يغيب عنها حضوره. بدا ذلك مقصوداً وذكياً ليؤكد أن الضجيج الهاديء الذي تختلط فيه الأصوات في نقاش محموم، هو عبارة عن تبادل للأفكار وتداول لما تثيره القضايا والإشكاليات التي يطرحها صاحب: “التفكير في زمن التكفير”. ولهذا عند وصوله للمنصة، أي نصر حامد أبو زيد، كان الأتاسي يردد: “نعم الأمل معقود ما دمنا نستطيع أن نلتقي اليوم في بيروت لنحاور الدكتور نصر حامد أبو زيد لا لنطلب منه تزويدنا بالأجوبة ولكن لنطلب منه ألا يبخل علينا في التفكير وطرح الأسئلة”.

إذاً، ليس مطلوباً الحضور بمعنى إنهاء الأسئلة أو فض حالة الفكر وحيويته والجلبة التي تصنعها الجدالات والنقاشات. كما ليس مطلوباً الهدوء والارتخاء أو على وجه أدق الاستسلام والطاعة في محاضن السلطة، أي سلطة، بل البحث عن الأسئلة والانعتاق من ثقافة وذهنية التحريك.

فالانتظار المؤقت هنا، بخلاف الغياب وعدم التحقق أو الوصول لشيء كما “في انتظار غودو” وهي مسرحية النرويجي هنريك إبسن، يعني أن الأطروحات التي فجرها وتسببت في “تكفير” أبو زيد في تسعينات القرن الماضي، والتشهير به ودفع ثمنها ألماً ووجعاً وحسرة، هو لتحريك الرأي العام والمجتمع ليمضي نحو التقدم والخروج نحو المستقبل، الأكثر عقلانية وأقل استبداداً في الدين والسياسة، وتخفيف العنف والكراهية، وحكم المرجعيات التي تقوم على احتكار الحديث باسم المقدس لصالح الإمساك برقاب الناس والعباد.

بالتالي، كان حضور أبو زيد للقاعة وظهور على المنصة بعد فترة وجيزة في ظل هذا الضجيج الممتع والنشاط الفكري المرغوب، تأكيداً على منهجه الذي يرفع فيه الوساطة بينه وبين أفكاره، وبعبارة أخرى، رغبته في أن تكون تلك الأفكار لها حيزها الخاص بين الناس لمراجعتها ونقدها وتطويرها من دون أن يملك أمامها سلطة على أي مستوى أو إدارة الهيمنة على الآخرين لفرض الطاعة. فهذه الأفكار بالأساس كانت لدحض سلطة المؤسسات الدينية والقوى الأصولية وجماعات الإسلام السياسي ورفع إكراهاتها الغليظة والمتشددة.

سير نصر حامد أبو زيد

في ذكرى وفاة المفكر المصري نصر حامد أبو زيد الذي يتصادف اليوم 5 تموز/ يوليو، وقد رحل عام 2010، يتعين مراجعة بعض من سيرة الرجل، الفكرية والشخصية، لا سيما أن مراحله المختلفة تكشف بجلاء ووضوح شديدين التناقض بين المفكر الذي قاد ثورة في الدراسات الإسلامية أمام توحش التيارات الإسلاموية، وهذه التيارات التي كانت تنهش فيه حياً وميتاً من دون أدنى قيمة وبمستويات تشي بانحطاط أخلاقي وديني.

المفكر المصري، نصر حامد أبو زيد يلقي محاضرة-“الصورة ارشيفية من موقع الدستور المصري”

ففي الفيلم الوثائقي مع نصر حامد أبو زيد، ورغم تمالك أعصابه وقدرته الفذه على الهدوء، عرج على وقائع قضية “الحسبة” التي رفعها ضده أحد رموز التيار الإسلاموي وتسببت في التفريق بينه وبين زوجته الدكتورة ابتهال يونس الأكاديمية المصرية وأستاذ الأدب الفرنسي بجامعة القاهرة، بدعوى “كفره” و”ارتداده عن الإسلام”، وروى أنها “جرح نازف ومسألة ما تزال مؤلمة وكلما أتذكر ما قاله عبد الصبور شاهين، الجريمة التي لم يعاقب عليها وهي ليست لأنه كفرني أو رفع دعوى ضدي، إنما لسخريته من ابتهال يونس لما قالت هذا زوجي وأنا أعرفه وأنا لست مستعدة لتركه، إذا عايزين تفرقوا بينا لازم تقتلونا إحنا الاتنين.. لم أغفر لعبد الصبور شاهين ولم أغفر لهؤلاء الإسلاميين الشماتة بأن القضية هي قضية الست خايفة أنه في قضية زواج ومستعد أزوجها”.

الامتعاض والجرح الذي ظل يأكل بحسرة ضمير نصر حامد أبو زيد، يكمن في السخرية أو على حد توصيفه “الشماتة” في زوجته باعتبارها مجرد أداة متعة، ولا إرادة لها بل هو مجرد وعاء لتحقيق الرغبة الرجولية كما في أذهان هذه الجماعات الماضوية، ويتم نقل تبعيتها من رجل إلى آخر. وكان موقفها وجسارتها على رفض دعوى التفريق بينهما واتهام أبو زيد بالكفر مفاجئاً لمن اعتادوا الطاعة والإذعان، ولم يكن موقفها بأقل شجاعة من رفض المفكر المصري عند امتثاله أمام القاضي في المحكمة أن يردد “الشهادتين” لتأكيد عدم كفره، واعتبر قبوله بهذا الأمر توطئة جديدة لعصر من “محاكم التفتيش” والبحث في عقائد الناس والحكم عليهم بـ”الإيمان” و”الكفر”. فرفض أن يمنح القوى الأصولية والسلفية فرصة أو شرعية لممارسة الحكم الإلهي.

تعرض أبو زيد لأفخاخ كثيرة، ففي برنامج فيصل القاسم على قناة الجزيرة القطرية “الاتجاه المعاكس”، واجه الداعية الإسلامي المعروف بآراءه المتشددة محمد عمارة، وبدا المفكر المصري بين شقي الرحى في ظل طبيعة البرنامج الذي يتولى مديره تسخين الحلقة والوقوف أحياناً في صف طرف على حساب آخر ويؤدي دوراً على طريقة “محامي الشيطان”، وقاد عماره هجوماً على أبو زيد في الحلقة بأنه ضمن “مؤامرة” صهيوأميركية وغربية لإضعاف الإسلام أو تمييعه، وجعله ضعيفاً، وأنه في المقابل يخلط بين الأفكار الماركسية ويضعها في ثوب إسلامي.

ولم يكن هذا هو الهجوم الأول على نصر أبو زيد، فالهجمة كانت شرسة في الإعلام وعلى منابر المساجد، وفي الصحف التابعة للإسلام السياسي. فأبو زيد الذي انتقل أو بالأحرى انفصل من انتمائه لجماعة الإسلام في بواكير حياته، ورفض أن يكون مثل “القطيع” يقبل بـ”الجماعة” وأفكارها ويعطل إرادته ويشل عقله عن التفكير، سعى إلى مواجهة المد الأصولي الإسلامي، وفضح أفكارهم وشعاراتهم، ومنها “الإسلام هو الحل”، واعتبر أن هذا الشعار يبدو ظاهرياً له حمولة دينية إنما يخفي أغراض سياسية وأيديولوجية، ويجعل من الدين ممارسة نفعية، ولهذا يتم الترويج للدين بنمط تقليدي ليس فيه نقاش إنما طاعة ويرفض السؤال والتشكيك.

بالتالي، فإن التكفير وفق أبو زيد يبدو حتمياً في ظل هذا النمط الديني الأيديولوجي والسياسي البراغماتي، وهو نمط قائم على فكرة “الحاكمية” التي تتبناها الجماعات الإسلامية كإطار حاكم للوصول إلى الحكم والتمكين السياسي.

هدد الإسلامويون، الأكاديميين الذين منحو نصر أبو زيد الأستاذية، وقال شاهين: “ثم بدأت ألاعيب في داخل المستويات العليا، حتى صنعوا له حيلة فرقوه إلى درجة أستاذ وأتصور أن هذا لن يمر بخير على كل الذين شاركوا فيه”.

ولأن أبو زيد وقف صداً منيعاً ضد شعارات هذا التيار الذي يجعل الدين وسيلة للسياسة، وفضح أغراضهم، بل رفع القداسة عن خطاباتهم لتظهر الحقائق التي تسلب منهم أي استحقاق، لم يتوان محمد عمارة وهو ضيف الإعلامي السوري أن بتهم أبو زيد بأنه يهدم “الثوابت الأساسية للإسلام”، بل تخدم “أهداف الغرب” ومنها “كسر شوكة الإسلام والمسلمين”. وأجاب أبو زيد: “لا أريد وضعي في إطار مؤامرة غربية، وأنني جزء من هذه المؤامرة، ففكرة استخدامي هذه لا تعنى سوى نعتي بالأبله”.

نصر أبو زيد في مرمى الإسلامويين

عبد الصبور شاهين من على منبر المسجد الذي يخطب فيه بالقاهرة، منتصف التسعينات، هاجم أبو زيد وقال إنه “بدأ يطبع الكتب ويوزع والمغفلون يقبلون على كتبه ويوزعونها”. وتابع: “اجتمعت اللجنة (اللجنة المسؤولة عن تحكيم أبحاث نصر أبو زيد بالجامعة لمنحه الترقية) ورأت أن ما كتبته هو الحق، وتبنت التقرير الذي يحجب الترقية باعتبار أن ما كتبه الرجل مليء بالأخطاء وبالكفريات”. وبعيداً عما يرقى إلى “شتائم” وسباب في حق المفكر المصري مثل اعتبار ما يقوله “غثيان” فضلاً عن وصفه بمؤلفاته بأن “ليس له كتاب إلا وحشاه بالزبالة”، اتهمه بأنه “ضحية الماركسيين الذين ضخموا له ذاته”. ووصل الأمر بتهديد الأكاديميين الذين منحوه الأستاذية، وقال: “ثم بدأت ألاعيب في داخل المستويات العليا، حتى صنعوا له حيلة فرقوه إلى درجة أستاذ وأتصور أن هذا لن يمر بخير على كل الذين شاركوا فيه”.

ومن بين القضايا التي ألح على مواجهتها نصر حامد أبو زيد هي “مسألة الشريعة ومناداة حركات الإسلام السياسي بالإسراع بتطبيقها بعثَتا الكثير من الجدالات والنزاعات في أنحاء العالم الإسلامي”. فيقول في كتابه: “إصلاح الفكر الإسلامي”: “وقد وصلت هذه الجدالات لذروتها عقب إنشاء الجمهورية الإسلامية في إيران ومحاولة الكثير من حكومات الدول ذات الأغلبية المسلمة أن تباري مطالبات الإسلاميين بتطبيق الشريعة بتعديل التشريعات القائمة. أما مسألة الديمقراطية، فقد اختصرها خطاب الإسلاميين الموجه للشريعة في المفهوم الكلاسيكي للشورى. لقد نشأ الإسلام في بيئة تقليدية، وهو ما انعكس في الكثير من سماته. واليوم، يعيش الناس في أوروبا، والشرق الأوسط، والكثير من المجتمعات الإسلامية الأخرى، في بيئات حديثة أو في سبيلها للتحديث وهي تختلف كثيراً عن البيئة التي ظهر فيها القرآن. إن مجتمعاتها تتسم بتنوع الرؤى والهويات والاهتمامات. والسبيل لمواكبة التعددية في مجال السياسة هو إحدى المشكلات الرئيسية في العالم الحديث”.

كاتب “نقد الخطاب الديني” لنصر حامد أبو زيد- “إنترنت”

ويتسائل: “كيف يمكن رأب الفجوة بين المفاهيم القديمة والعالم الحديث بتعدُّديته وطابعه السياسي؟” ويقول: “ما أقصده هو أن الشورى كانت ممارسة من قبل الإسلام والمجتمع الإسلامي. فقد كانت وسيلة للأخلاق الاجتماعية انطوت على التداول بين شيوخ القبائل فيما يخص العمل في موقف ما. علاوة على ذلك، رغم أن القرآن يخبرنا أن الرسول كان يتشاور في شؤون معينة، فهذا الأسلوب لم يأت به الإسلام. إنه ظاهرة تاريخية، وأنا أزعم أنها ممارسة تاريخية… وبناء على ذلك فإنه لا يوجد نظام سياسي في القرآن، ولا هو يذكر أي شيء عن الدولة أو حكمها. ومن ثم فإن المجال مفتوح أمام المسلمين ليختاروا ما يريدونه وبالتالي فليس الإسلام ما يقف ضد الديمقراطية أو التقدم أو الحداثة”.

ويوضح أن “العائق الحقيقي في سبيل التحديث هو الفكر المسلم، لا سيما الطريقة التي تعلم بها المسلمون التفكير منذ زمن طويل. إنهم خائفون. ويعتقدون أن الحداثة ستضعف دينهم وهويتهم، وذلك لأن الهوية كانت مرتبطة بالدين حصراً في الماضي”.

تبقى مسألة أخيرة ضمن التشهير الذي لاحق صاحب “نقد الخطاب الديني”، ويبدو منهجاً لا يفارق جماعات الإسلام السياسي، وهي الشماتة في الموت مع رحيل أي من خصومهم، فبمجرد وفاته، نصر حامد أبو زيد عام 2010، إثر فيروس غامض وقتها هاجم المخ، اعتبر التيار الإسلاموي تلك الوفاة تشبه قصة “النمرود” وهو بحسب القصص التاريخي ملك حكم بابل وزعم الألوهية حتى “أرسل الله جيشاً من الذباب” قتله.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
0 0 أصوات
قيم المقال
Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات