شهدت بداية شهر تموز/يوليو الجاري أحداث وأعمال عنف ضد اللاجئين السوريين في العديد من المناطق التركية، بدءا من مدينة قيصري ومن ثم انتقالها إلى باقي المدن التركية. واندلعت هذه الاشتباكات على خلفية اتهام شخص سوري باغتصاب طفلة.

بعد تخريب وحرق ممتلكات ومنازل اللاجئين السوريين بتركيا، شهدت مناطق شمال وغرب سوريا غضباً شعبياً واسعاً، وطالبوا بانسحاب القوات التركية من مناطق الشمال التي تسيطر عليها بالتعاون مع “فصائل المعارضة السورية”. ولامتصاص غضب الشارع السوري، أصدرت وزارة الخارجية التركية خبراً عن اعتقال 474 شخصاً شاركوا في أعمال عنف ضد السوريين بتركيا، إلا أن بعض المؤسسات الإعلامية نفت أمر هذا الاعتقال وقالت إن الاعتقال استمر لمدة 24 ساعة فقط ومن ثم تم إطلاق سراحهم.

وتزايدت أعمال العنف ضد اللاجئين السوريين في تركيا، ووصلت إلى حد القتل، حيث تعرض شاب سوري يبلغ من العمر 17 عاماً، ويعمل عاملاً يدوياً في مدينة أنطاليا التركية، ويدعى أحمد النايف، للاعتداء. وكانت عملية مدبرة ضد الطفل، حيث توقفت دراجة نارية وترجل منها ثلاثة أشخاص وقاموا بطعنه حتى الموت، وتم القبض على أحدهم. ومن بين هؤلاء الثلاثة، هرب الاثنان الآخران.

خطر العنصرية التركية على العرب

في الواقع، لم تكن هذه الأحداث وليدة اليوم فحسب، فقبل أيام، انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي فيديو لرجل تركي يهدد سائحاً سعودياً في تركيا وبحوزته سكين. وأصدرت السلطات التركية مذكرة توقيف بحق هذا الشخص بعد إخطار رسمي من السائح وانتشار الفيديو.

وكانت هناك العديد من حوادث التهديد والضرب والقتل أحياناً من المواطنين التركيين تجاه السائحين العرب، ففي أيلول/ سبتمبر الماضي قام مواطن تركي بضرب سائح كويتي بأحد المطاعم بولاية طرابزون، وبعدها بأيام تم الاعتداء على سائحين مصريين في منطقة تقسيم باسطنبول، وذلك لاختلافهم حول الأطباق المسجلة، وإدارة المطعم ترغب في إضافة طبق لم ينزل على الطاولة.

وفيما يتعلق بالحوادث التي يتعرض لها اللاجئون السوريون بتركيا، فإن أعمال العنف ضدهم ليست بجديدة، بل القتل أيضاً. وقُتل العديد من اللاجئين السوريين في السنوات الماضية، وقللت هذه المحاولات والمضايقات ضد اللاجئين السوريين، بعد عامين من الترحيل القسري للسوريين صوب شمال سوريا، وقد قامت الحكومة التركية بترحيل 600 ألف شخص خلال العامين الماضيين من اللاجئين السوريين، إلا أنها زعمت أنهم عادوا “طوعاً” وليس “قسرا”، وفق العديد من التقارير الحقوقية.

وقد صرح الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، العام الماضي، أن نحو 600 ألف سوري عادوا إلى وطنهم حتى الآن، “ومع إتمام بناء المساكن الدائمة في شمال غربي سوريا سيضاف إليهم مليون شخص”.

وبالسؤال عن تأثير هذه العنصرية والاعتداءات على السياح العرب وخاصة الخليجيين في تركيا، أجاب الصحفي السوري روج موسى المختص بملف اللاجئين السوريين لـ “الحل نت” قائلاً: “بالتأكيد سيكون هناك تأثير كبير على السياحة وخاصة السياحة العربية، وقد لاحظنا ذلك كصحفيين ومحللين يتابعون الشأن التركي، بأن هناك عنصرية تركية واضحة ضد السياح، وأنا هنا لا أعمم كامل الشعب التركي، ولكن الغالبية العظمى عنصرية أمام أي شخص عربي ويعتبرونه تابعاً لهم”. ولذلك يعتقد المختص بشؤون اللاجئين السوريين، أن السياحة بتركيا أصبحت مغامرة لا تعرف منها هل ستعود أم لا، هل ستصاب أو تقتل أو تسرق، بمعنى آخر يمكن القول إن: “تركيا ليست آمنة للسياح العرب”.

وأضاف روج أن “هناك حالات كثيرة من العنصرية نجدها على الإنترنت ضد السعوديين والكويتيين والمصريين وضد العرب عموماً، حتى في أوروبا وخارج بلدانهم. هناك عنصرية ضد العرب وقد رأيتها بوضوح، فالمسألة هي عقلية نشأت عليها أجيال في تركيا، وهي ليست لحظية أو عابرة. أبناء تركيا يتربون على أن شمال سوريا وشمال العراق وشمال إفريقيا وأرمينيا والجزر اليونانية حتى نصل إلى أجزاء من بلغاريا، هي أجزاء من تركيا والأراضي العثمانية التي يجب أن تتكلم اللغة التركية فقط”.

وعن أوضاع اللاجئين السوريين بتركيا، قال سوري مقيم في مدينة إسطنبول، رفض الكشف عن هويته، لـ”الحل نت”، إن الأهالي هنا يعيشون حالة من الرعب ولا يستطيعون مغادرة منازلهم. هناك تضامن من بعض الجيران الأتراك في بعض المناطق، لكنه ضعيف جداً وقد يكون نادراً. ولا أحد منا يستطيع أن يتحدث عن هذه الأوضاع الصعبة، فأي شكوى تأتي من أي سوري لاجئ، يتم ترحيله “قسراً”، سواء كان مذنباً أم لا.

تواطؤ الحكومة التركية

رغم أن هؤلاء اللاجئين السوريين يقعون ضمن قانون اللجوء الذي أقرته الأمم المتحدة، ومن الضروري أن يتمتعوا بالحماية القانونية التي توفرها الدولة التركية، إلا أننا نجد أن ثمة تخاذل من جانب الحكومة التركية في الحد من هذه الأحداث، بل ويصل إلى حد التلفيق والكذب، وربما تكون هناك يد للسلطات التركية في تأجيج هذه الصراعات، لاسيما وأنه تم تسريب بيانات ومستندات خاصة بالسوريين في تركيا على قناة بمنصة “تيلغرام” قبل أيام، وعلى إثره اعتذرت وزارة الداخلية التركية وزعمت أن طفل يبلغ من العمر 14 عاماً قد اخترق موقع الوزارة وسرب هذه البيانات.

وفي هذا الخصوص يقول روج موسى لـ”الحل نت”: السلطات التركية تعاملت مع الحدث بشكل سطحي، والبيان الداخلي باعتقال 450 شخصاً، وفق اعتقاد روج أنه بيان سطحي أيضاً، إذ لم يكن هناك أي اعتقال على أرض الواقع، ووسائل الإعلام التركية القومية المتطرفة أظهرت أن الاعتقال كان مجرد احتجاز لمدة 24 ساعة وأخرجوهم جميعاً في وقت لاحق، يضيف روج.

وتابع روج متسائلاً: “هل من المعقول أن يتمتع طفل بهذه القدرة الخارقة على اختراق موقع وزارة الداخلية بالكامل وهي تقتحم شمال سوريا وشمال العراق وتساعد أذربيجان على غزو أرمينيا وتدعم إسرائيل بالمساعدات؟ هل من المعقول أن الطفل اخترقها وقام بتسريب بيانات ملايين السوريين على التلغرام!، فحادثة التسريب وبيان الوزارة لا تعبر سوى عن السطحية التي تتعامل بها الحكومة التركية مع المسألة.

وفي الواقع، فإن تواطؤ الحكومة التركية في الترحيل القسري الذي قامت به عمداً على مدى العامين الماضيين، يعبر عن أن هذه العنصرية وأعمال العنف تساهم فيها الحكومة التركية بشكل أو بآخر، وذلك من أجل وضع اللاجئين السوريين كمشكلة سياسية يعملون على حلها، ويتخلصون منهم، وهذا ما أكده روج موسى بقوله: هناك وسائل إعلامية تركية ناطقة بالعربية، ووسائل إعلام عربية مؤيدة بشكلٍ مباشر أو غير مباشر للنظام التركي الحالي الذي يرأسه رجب طيب أردوغان، تحاول تمييع الأمور، ولكن من المؤكد أن الذي يحدث الآن في تركيا أعمال عنصرية بالدرجة الأولى؛ كما يصنفها القانون الدولي، وكما تصنفها مواثيق حقوق الإنسان، لأنها ضد جنسية أو طرف أو مجموعة لاجئة معينة حسب القوانين الموجودة بالفعل في نفس البلد.

وأضاف أنه بما أن الثلاثة ملايين من السوريين الموجودين في تركيا مسجلين حسب المفوضية السامية للأمم المتحدة، كلاجئين، فهي بالتأكيد أعمال عنصرية بالدرجة الأولى، وأكد روج على هذه النقطة، نظراً لأنها حوادث عنصرية ليست بعيدة عن الأحداث التي وقعت بحق اليهود في محارق “الهولوكوست” بألمانيا في القرن الماضي. وأنا هنا لا أشبه بين القضيتين أو بين الشعبين، لكنه تشبيه على مدى بشاعة ما يحدث هناك الآن، وهذا ما أريد التأكيد عليه، أن “الموضوع عنصري بالدرجة الأولى”، يقول روج.

ويبقى السؤال عما ستؤول إليه الأمور في تركيا مفتوحاً في ظل التعاملات السطحية التي تتعامل بها السلطات مع الحوادث وحملات العنصرية سواء ضد اللاجئين السوريين أو السياح العرب ككل، وقد يتطور الأمر إلى عمليات قتل جماعي، خاصة أن السلطة التركية لا تعمل بشكل جدي للحد من هذه الأعمال العدائية، ولا تستخدم القانون الرادع، فكل ما تسعى إليه، تمييع الأمور والمشاكل وعدم الاهتمام بالتأمين الكافي لكل هؤلاء.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى الحل نت واشترك بنشرتنا البريدية.
0 0 أصوات
قيم المقال
Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات