حالة من الجدل شهدتها الأوساط الاقتصادية السورية بشأن إمكانية تدفق استثمارات ضخمة تصل إلى مئات المليارات من الدولارات، خاصة وأن البعض ذهب إلى حدّ التبشير باستثمارات قد تتجاوز التريليون دولار خلال فترة قصيرة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات.
هذا الطرح، الذي يتداول بكثرة، أُرفق بوعود بتحسن سريع في معيشة المواطنين، وتوفير فرص عمل ضخمة، وإعادة إعمار سريعة للبنية التحتية، وهو ما أثار التساؤلات حول مدى واقعيتها وإمكانية تحقيقها في ظل الظروف الراهنة بالبلاد.
تطلعات رسمية
تتطلع سوريا الجديدة لجذب استثمارات أكثر من تريليون دولار، بحسب ما أكد وزير الاقتصاد والصناعة السوري، الدكتور نضال الشعار، حيث قال في وقت سابق، إن الـ 400 مليار دولار التي يتم الحديث عنها كتكلفة أو فرص استثمارية لإعادة الإعمار ستصبح أكثر بكثير، ما يعني أن الفرص الاستثمارية في سوريا الجديدة هي أكثر بكثير من تريليون دولار وقد تبلغ تريليونات.

وبشأن قدرة الاقتصاد السوري، في وضعه الراهن، على امتصاص هذه الكتلة الاستثمارية الهائلة التي بشر بها الوزير السوري، رأى الخبير الاقتصادي مسلم عبد طالاس، خلال مقال له، أن غالبية الاتفاقيات الاستثمارية التي تُعلن حاليًا، وحتى إن كانت حقيقية، فإنها غالبًا ما ترتبط بشروط زمنية وتشغيلية معقدة، وقد تمتد سنوات طويلة قبل أن تظهر نتائجها على الأرض.
وأكد أنه حتى في حال تدفق الأموال فعليًا، فإن التحدي الحقيقي يكمن في قدرة الاقتصاد على تحويل هذه الأموال إلى نمو فعلي، لا إلى تضخم أو هدر أو فساد.
استثمارات تفوق قدرة الاقتصاد
الاقتصاد، كما يصفه طالاس، يشبه الجسد البشري في حاجته إلى التوازن، فلا يمكن تحميله فوق طاقته دون أن يُصاب بالوهن، وكما أن الإفراط في الطعام يضر بالصحة، كذلك فإن ضخ استثمارات تفوق قدرة الاقتصاد على استيعابها قد يؤدي إلى نتائج عكسية، أبرزها التضخم النقدي، وارتفاع الأسعار، وتضخم قطاع العقارات، وزيادة في الفجوة الاجتماعية.
من خلال تحليل بيانات الاقتصاد السوري بين عامي 1960 و2010، نجد أن متوسط نسبة الاستثمار إلى الناتج المحلي بلغت نحو 17.7 بالمئة، وسجلت في أفضل حالاتها قرابة 25 بالمئة، بالمقارنة، يتراوح هذا المعدل عالميًا بين 23 و25 بالمئة، بينما بلغت ذروته في الصين بنسبة تجاوزت 48 بالمئة في بعض السنوات، وهي استثناء نادر لاقتصاد يتمتع بقدرات إنتاجية هائلة وبنية مؤسسية متينة.
وأوضح أن سقف الطاقة الامتصاصية لأي اقتصاد، حتى في أفضل الظروف، لا يتجاوز 50 بالمئة من ناتجه المحلي، وهذا بشرط توافر بيئة مستقرة، مشيرًا إلى أن الناتج المحلي الإجمالي السوري لا يتجاوز حاليًا عشرة مليارات دولار في أفضل التقديرات، وأن طاقته القصوى على استيعاب الاستثمارات لا تتجاوز خمسة مليارات دولار سنويًا، وقد ترتفع تدريجيًا مع مرور الوقت.
وبحسب هذا السيناريو، فإن الاقتصاد السوري سيحتاج إلى نحو سبع سنوات لامتصاص أول مئة مليار دولار من الاستثمارات، في حال تحقق أفضل الشروط، أما الحديث عن تريليون دولار، فهو خارج أي إطار علمي واقعي، إذ أن ذلك يتطلب عقودًا من الاستقرار والنمو التدريجي، وفق طالاس.
تقديرات متشائمة
أشار طالاس إلى أن بعض التقديرات المتشائمة تذهب إلى أن الطاقة الامتصاصية للاقتصاد السوري، بالنظر إلى حجم السوق، والبنية التحتية المدمّرة، ونقص الموارد البشرية، لا تتجاوز مليار دولار سنويًا، وهو ما يعني أن استيعاب 100 مليار دولار يتطلب نحو قرن من الزمن.

هذه المقاربة الواقعية تتقاطع مع تحذيرات من أن ضخ أموال تفوق الطاقة الاستيعابية قد يدفع المستثمرين والمؤسسات إلى اللجوء إلى الإنفاق على مشروعات صورية، أو التورط في تضخيم فواتير النفقات، أو حتى تحويل الأموال إلى حسابات خارجية عبر صفقات فاسدة، ما يؤدي إلى تآكل الأثر التنموي المفترض لتلك الاستثمارات، وهكذا تتحول الأموال من محفّز للنمو إلى وقود للفساد، ومن فرصة للنهوض إلى عبء اقتصادي واجتماعي يزيد من تعقيد الأزمة.
وفي مقابل تلك النظرة المتشائمة، يبرز رأي مغاير تبناه المستشار التنفيذي لشؤون السيولة والنقد في وزارة الاقتصاد والصناعة السورية، جورج خزام، الذي يرفض تحديد الطاقة الامتصاصية بنسبة 50 بالمئة، معتبرًا أن هذا المنطق لا يُناسب واقع دولة خارجة من حرب مدمّرة تحتاج إلى إعادة إعمار شاملة.
نظرة متفائلة
يرى خزام أن مرحلة إعادة البناء تخلق طلبًا متزايدًا في كل القطاعات، من مواد البناء إلى الصناعات الغذائية، ومن النقل إلى الاتصالات، ما يشكل بيئة خصبة لنمو متسارع في الاستثمار، وفق منشور له على موقع التواصل “فيسبوك“.
ضخ تريليون دولار ليس بالضرورة على شكل سيولة نقدية، بل يتجسد عبر إنشاء مصانع، واستيراد آلات ومعدات، وتطوير البنية التحتية، وإنشاء مصارف واستثمارات سياحية وزراعية وصناعية وتجارية، ما يُنتج دينامية اقتصادية متكاملة تخلق الطلب والعرض في آن واحد.
المستشار التنفيذي لشؤون السيولة والنقد في وزارة الاقتصاد والصناعة السورية، جورج خزام
من وجهة نظره، فإن كل زيادة في الاستثمار ستخلق فرص عمل جديدة، ترفع الطلب على السلع والخدمات، ما يدفع عجلة الإنتاج إلى الأمام ويُقلل من الاعتماد على الواردات، وهو ما يُسهم في السيطرة على التضخم، لا في زيادته.
التوسع الاستثماري
يؤكد خزام أن الدولة التي تعجز عن استيعاب تريليون دولار من الاستثمارات هي دولة وصلت حدّ الاكتفاء في كل القطاعات، وهو ما لا ينطبق على سوريا، التي تعاني من تراجع مزمن في الاستثمارات والبنية التحتية وسوق العمل.

ويرى أن التوسع الاستثماري في هذه المرحلة من شأنه أن يزيد من دخل المواطنين من خلال خلق وظائف جديدة، وهو ما يعزز الاستهلاك المحلي ويدفع المنتجين إلى توسيع نشاطهم لتلبية الطلب المتزايد.
ويُشير إلى أن زيادة الإنتاج المحلي من خلال هذه الاستثمارات، خاصة في القطاعات الحيوية، يُمثل الحافز الأكبر لاستقرار الأسعار، بعكس ما يروج له بعض الخبراء بأن الأموال الضخمة تعني بالضرورة تضخماً نقدياً.
- الأمين العام للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني لـ”الحل نت”: لا نتحالف مع دعاة المركزية.. وأسس إيران الديمقراطية يجب أن تُرسى قبل سقوط النظام
- هجوم متعدد المحاور يستهدف منشآت عسكرية وأمنية في صنعاء.. ما القصة؟
- ضربات جوية تستهدف مواقع وتعزيزات “الحوثي” في البيضاء
- من المال والنووي إلى الطيران والنقل.. وثيقة روسية تكشف خطة لتعميق التعاون مع إيران
- تعز.. معارك لمنع “الحوثيين” من تثبيت مكاسب الساحل

