أصدرت وزارة العدل السورية أمس الأربعاء بياناً تحدثت فيه عن مباشرة الوزارة باستلام ملفات بعض الموقوفين الذين يُشتبه بتورطهم في ارتكاب انتهاكات جسيمة، تمهيداً لتحريك الدعوى العامة بحقهم، ما أعتبره حقوقيون أن هذه الخطوة تخالف الإعلان الدستوري.
وفي بيان أخر للوزارة صادر عن النائب العام للجمهورية، كشف عن إحالة وزارة الداخلية عددا من الملفات، وتم تحريك دعاوى حق عام بحق عاطف نجيب، وأحمد بدر الدين حسون ومحمد الشّعار وإبراهيم حويجة.
كما دعا البيان المتضررين وأسرهم، والمنضمات الحقوقية، أو من لديهم شهادات حول الانتهاكات، لتقديمها للنيابة العامة، “لكشف الحقيقة”.
خرق للإعلان الدستوري
لكن خلف العبارات المطمئنة في البيان، برزت إشارات تعد خرقاً واضحاً للإعلان الدستوري لعام 2025، وتعدياً مباشراً على اختصاصات هيئة العدالة الانتقالية التي أنشأها رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع، بصلاحيات حصرية تتعلق بهذا النوع من الملفات.

ففي خطوة لم يُعلن عنها رسمياً قبل البيان، باشر النائب العام للجمهورية دراسة ملفات الموقوفين وإعداد لوائح اتهام، في تجاوز لافت لصلاحياته واختصاصاته.
ويرى قانونيون أن بيان الوزارة يشرعن عملياً تقويض الهيئة، من خلال القفز فوقها، ووضع النيابة العامة، في واجهة المشهد القضائي للعدالة الانتقالية، وهو ما يتعارض مع الأسس التي أُنشئت عليها الهيئة.
يرى الخبير في القانون الجنائي الدولي، المعتصم الكيلاني، أن بيان وزارة العدل الصادر في 30 تموز 2025، يطرح إشكالات قانونية خطيرة، أبرزها تجاوز الوزارة والنائب العام لاختصاصات هيئة العدالة الانتقالية، خلافاً لما ينص عليه الإعلان الدستوري المؤقت ومرسوم تشكيل الهيئة.
الهيئة أنشئت بقرار رئاسي لتكون الجهة الوحيدة المخوّلة بمعالجة انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب، ومهمتها تشمل أيضاً إصلاح القضاء وإعادة هيكلته، مما يجعل تدخل وزارة العدل ونيابتها العامة في هذا النوع من القضايا تعدياً دستورياً صريحاً.
الخبير في القانون الجنائي الدولي، معتصم الكيلاني
ويحذّر الكيلاني من أن هذا النهج يُفرغ العدالة الانتقالية من مضمونها الحقيقي، ويقوّض مبدأ المساءلة، مؤكداً أن القضاء الذي كان جزءاً من منظومة الانتهاكات لا يمكن أن يكون الطرف المسؤول عن محاسبتها.
لم يعد حاجة للهيئة الوطنية للعدالة
في السياق ذاته، قال المحامي والناشط في الدفاع عن حقوق الإنسان ميشال شماس “ما عاد فيه داعي للهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، النائب العام للجمهورية في تجاوز غريب لصلاحياته وخلافا للإعلان الدستوري ومرسوم تشكيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية يقرر إحالة متهمين للقضاء”.

وشدّد شماس على أن التحقيق في جرائم الحرب وجرائم ضد الانسانية وجرائم الابادة الجماعية ليست من اختصاص وزارة العدل ولا النائب العام للجمهورية.
وأوضح شماس الأسباب بالقول: إن البيان يخالف ما نص عليه الإعلان الدستوري في المادة 49 منه لجهة أن مسؤولية تحقيق العدالة الانتقالية تقع على عاتق الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية.
الإعلان الدستوري نص على استقلالية هيئة العدالة الانتقالية حيث نص وخصها حصريا بالنظر في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان ووضع أسس وأليات معالجة انتهاكات حقوق الإنسان، ومحاسبة المرتكبين وكشف الحقائق، وتحقيق المساءلة، والمصالحة الوطنية، إضافة إلى إعادة هيكلة المؤسسات، وعلى رأسها الجهاز القضائي.
المحامي والناشط في الدفاع عن حقوق الإنسان ميشال شماس
وأشار شماس إلى أن القضاء السوري يعاني من الترهل والفساد وليس قادرا على إجراء محاكمات من هذا النوع لجرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية، وأن قانون العقوبات السوري لا يتضمن أية نصوص قانونية تعاقب على جرائم الحرب وجرائم ضد الانسانية والابادة الجماعية.
وأضاف شماس أن بيان وزارة العدل القاضي بدراسة ملفات الموقوفين أو المشتبه بهم بارتكاب جرائم خطيرة وبيان النائب العام للجمهورية بإحالتهم للقضاء يعتبر تعدياً وتجاوزاً خطيراً على صلاحيات الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية خطيرا ومخالفة صريحة لما نص عليه الاعلان الدستوري ومرسوم انشاء الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية.
- بعد سقوط الأسد.. مبادرة سورية تطالب بمواصلة دعوى التعذيب أمام “العدل الدولية”
- الغش والتهديدات في امتحانات سوريا.. ماذا تكشف شهادات عن نزاهة الدورة 2026؟
- 831 مليون دولار شهرياً.. لماذا تعاني سوريا فجوة كبيرة في النفط والغاز؟
- استهدافات ومداهمات وقتلى.. لماذا تتصاعد الحوادث الأمنية في درعا؟
- من 20 إلى 200 مليار دولار.. هل تعكس أرقام الشرع نمواً فعلياً في الاقتصاد السوري؟

