تداولت منصات التواصل الاجتماعي خلال الفترة الماضية معلومات متفرقة عن نفوق جماعي في قطعان الدواجن في عدة محافظات سورية، بينها ريف دمشق وحمص وحماة واللاذقية وأجزاء من حلب وإدلب، وارتبطت هذه الحالات سريعًا بمسميات مرضية شعبية مثل “طاعون الدجاج” أو “نيوكاسل”، أي أن هناك أزمة وبائية تضرب قطاع الدواجن، أحد أهم ركائز الأمن الغذائي المتبقية للسوريين.
هذا المشهد القاتم الذي تناقلته منصات التواصل الاجتماعي مرفقًا بصور ومقاطع فيديو لآلاف الطيور النافقة، ألقى بظلاله الثقيلة على المربين والمستهلكين على حد سواء، كما دفع بأسعار بعض منتجات الدواجن إلى القفز في أسواق محلية محددة.
خسائر مادية فادحة للمربين
في قلب هذه العاصفة، يروي أصحاب المداجن في ريف دمشق قصصًا مفجعة عن خسائر مادية قاصمة، حيث أكد بعضهم أن نسبة النفوق في صغار الدجاج تجاوزت عتبة الـ 60 بالمئة، بينما فقد الدجاج البياض نحو 55 بالمئة من قوامه، في موجة مرضية مستمرة منذ ما يقارب الشهر، آخذة في الاتساع والانتشار رغم محاولات الحجر والتحصين المتاحة.

ينذر ذلك الحديث بكارثة اقتصادية قد تطيح بما تبقى من قدرة شرائية للمواطن الذي بات يراقب أسعار الفروج والبيض وهي تقفز بزيادات غير مبررة، وصلت في بعض المناطق مثل درعا وريف العاصمة إلى مئة ليرة للكيلو الواحد في غضون أيام قليلة.
وبينما كانت قصص المربين تعكس واقعًا مأزومًا، جاء الرد الرسمي من وزارة الزراعة والمؤسسة العامة للدواجن ليحمل نبرة مغايرة تمامًا، اتسمت بالنفي القاطع والتهوين من شأن الأنباء المتداولة.
طمأنة وتأكيدات رسمية
خرج مدير عام مؤسسة الدواجن، فاضل حاج هاشم، بتصريحات حازمة عبر وكالة الأنباء الرسمية “سانا”، مؤكدًا خلو القطاع من أي إصابات خطرة أو أمراض وبائية غير معتادة، واصفًا ما ينشر على منصات التواصل بأنه معلومات عارية عن الصحة تهدف إلى إثارة الهلع، ومشددًا على أن الوضع الصحي لقطعان الدواجن مستقر ويقع ضمن الحدود الطبيعية المتعارف عليها في الدورات التربوية،
من جانبه، عزز نقيب الأطباء البيطريين، حسين البلان، هذا الموقف بالتأكيد على أن الأمراض التي يجري الحديث عنها، مثل التهاب الكبد ذو الأجسام الاحتوائية أو “النيوكاسل” و”الجمبورو”، هي أمراض فيروسية تخصصية تصيب الطيور فقط ولا تمتلك القدرة على الانتقال إلى البشر، محاولًا بذلك فصل الذعر الصحي عن الأزمة الاقتصادية.
ولفت البلان إلى أن المرض الوحيد المشترك عالميًا بين الإنسان والطيور هو “إنفلونزا الطيور” بسلالاتها المعروفة مثل H7 وH9، وهي سلالات لم يتم رصد أي منها في المخابر السورية حتى اللحظة، مما يجعل استهلاك الدواجن آمنًا تمامًا من الناحية الصحية البشرية.
تخبط إداري يثير الريبة
إلا أن حالة الطمأنينة الرسمية تعرضت لاهتزاز عنيف، أمس الاثنين، حينما وقعت الجهات الحكومية في سقطة تواصلية أثارت المزيد من الريبة، فقد أصدرت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث تحذيرًا صحيًا عاجلًا حول مرض “طاعون الدجاج”، مشيرة إلى أنه صادر بالتنسيق مع وزارة الصحة ودائرة الإنذار المبكر، معلنة تسجيل عدد من الإصابات خلال الفترة الأخيرة.

هذا التحذير الذي تضمن إرشادات وقائية صارمة، مثل ضرورة طهي الدجاج في درجة حرارة تتجاوز 70 مئوية وفصل أدوات التقطيع وغسل الأيدي جيدًا، لم يدم طويلًا على المنصات الرسمية، إذ قامت الوزارة بحذفه بعد نحو ساعتين فقط، مبررة ذلك بوقوع “لبس في المعلومات” واعتبرت التحذير لاغيًا كأنه لم يكن.
فتح هذا التخبط الإداري بين إصدار التحذير وسحبه السريع الباب على مصراعيه أمام التساؤلات حول حقيقة ما يجري في المزارع، هل كان التحذير زلة لسان كشفت المستور؟، أم أنه كان خطأً فنيًا بالفعل؟، وفي كلتا الحالتين، فإن الصمت الذي تلاه من قبل وزارة الصحة، التي لم تنشر التنبيه على معرفاتها، زاد من ضبابية المشهد وجعل المستهلك السوري في حيرة من أمره بين “نفي” الزراعة و”تراجع” الطوارئ.
الخطر الحقيقي
في محاولة لترميم الثقة المتصدعة، برز صوت اتحاد غرف الزراعة السورية عبر نزار سعد الدين، رئيس لجنة مربي الدواجن، الذي قاد حملة طمأنة ميدانية أكد فيها أن الجولات التقنية على الحظائر أظهرت سير الأوضاع بشكل طبيعي تحت رقابة دائرة الصحة الحيوانية.
سعد الدين لم يكتفِ بالنفي، بل نقل المعركة إلى مربع آخر، وهو جودة المنتج، محذرًا من أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الدجاج الطازج المعروف المصدر الذي يخضع لرقابة بيطرية صارمة، بل في “الفروج المجمد” مجهول المنشأ الذي يتسلل إلى الأسواق عبر سلاسل تبريد غير موثوقة ومخازن قد تفتقر لأدنى معايير السلامة.
واعتبر أن الشائعات التي تستهدف المنتج المحلي الطازج قد تدفع المستهلك نحو بدائل أكثر خطورة لا يُعرف تاريخ ذبحها أو عدد مرات إعادة تجميدها، مؤكدًا أن سلامة الغذاء في سوريا اليوم تعتمد على وعي المواطن بضرورة تتبع مصدر طعامه والابتعاد عن البضائع الغامضة.
الأسعار تقضم القدرة الشرائية
أشار سعد الدين إلى أن منظمة الصحة العالمية لم تصنف الوضع في سوريا كجائحة أو وباء مؤثر على الصحة العامة، مما يجعل الحديث عن “طاعون” بمفهومه الشامل مبالغة غير دقيقة علميًا، وإن كانت تعبر عن ألم المربين الذين فقدوا أجزاء كبيرة من أرزاقهم.

إن القصة الكاملة لما يحدث في قطاع الدواجن السوري اليوم، هي انعكاس لأزمة تتعلق بالشفافية في تداول المعلومات والقدرة على إدارة الأزمات في توقيتات حساسة، فبين صرخات المربين الذين يلمسون الموت في مداجنهم يوميًا، وبين التقارير الرسمية التي تؤكد أن كل شيء “تحت السيطرة”، تضيع الحقيقة في فجوة انعدام الثقة.
ومع استمرار غلاء الأسعار الذي ينهش جيوب المواطنين، يظل السؤال معلقًا حول قدرة القطاع على الصمود أمام هذه الموجة، سواء كانت ناتجة عن أمراض موسمية طبيعية كما تقول الجهات الرسمية، أو عن وباء مستفحل يحاول الجميع التكتم عليه خوفًا من تبعاته الاقتصادية والسياسية.
- ما بعد الانسحاب الأميركي.. العراق ولبنان أمام مسار الانتقال من نفوذ الفصائل إلى سيادة الدولة
- قيادي “حوثي” بارز يتولى ملف التحشيد في مأرب والجوف.. من هو؟
- هجوم “حوثي” يستهدف محطة كهرباء في المدينة المنورة
- فيضانات في مخيمات الشمال السوري وسط تحذيرات من تفاقم الأضرار
- خفض وقود السيارات الحكومية 30%.. هل ينقذ الخزينة السورية؟

