تعيش سوريا منذ أيام على وقع أزمة بنزين حادة دفعت آلاف السائقين إلى الاصطفاف في طوابير طويلة أمام محطات الوقود، فيما أغلقت محطات عديدة أبوابها أو توقفت عن استجرار كميات جديدة من المادة، وسط شلل أصاب جزءاً من قطاع النقل وعودة السوق السوداء إلى النشاط في عدد من المحافظات. وتأتي الأزمة بعد أيام من قرار حكومي بخفض أسعار المشتقات النفطية، في وقت كانت السلطات تتحدث فيه عن تحسن في سعر صرف الليرة وتوافر الظروف اللازمة لاستقرار السوق.
وبينما تعزو وزارة الطاقة الأزمة إلى ارتفاع الطلب وتغيرات مفاجئة في سلوك السوق عقب خفض الأسعار، يرى كثير من المراقبين أن ما حدث يكشف عن اختلالات أعمق في إدارة قطاع المحروقات وآليات التسعير والتوزيع، خصوصاً بعد تسلم الحكومة الانتقالية إدارة جميع الحقول النفطية في شمال وشرق سوريا ورفع العقوبات المرتبطة بقانون قيصر.
طوابير تمتد بين المحافظات
شهدت دمشق وحلب واللاذقية وطرطوس ومحافظات أخرى طوابير طويلة امتدت لمئات الأمتار أمام المحطات القليلة التي استمرت بالعمل، فيما أغلقت غالبية المحطات الخاصة أبوابها أو توقفت عن استجرار كميات جديدة من البنزين. وفي دمشق تركز الضغط على عدد محدود جداً من المحطات الحكومية، بينما أغلقت معظم المحطات الخاصة داخل الأحياء وعلى الطرق الرئيسية.
أما في اللاذقية، فتوقفت جميع المحطات تقريباً عن البيع لفترات متقطعة، في حين شهدت طرطوس وحلب ازدحاماً مماثلاً دفع بعض السائقين إلى الانتظار ساعات للحصول على كميات محدودة من الوقود.
وتحوّلت الأزمة سريعاً إلى عبء مباشر على السكان وقطاع النقل، مع اضطرار السائقين للانتظار لأيام من أجل الحصول على بنزين وارتفاع أجور سيارات الأجرة والنقل الداخلي بشكل كبير، واضطرار العديد من السائقين إلى تقليص ساعات العمل بسبب محدودية المخصصات المتاحة.
كما انعكس النقص على التنقلات اليومية والأنشطة الاجتماعية والخدمية، وسط شكاوى متزايدة من صعوبة الوصول إلى أماكن العمل أو المؤسسات العامة، في وقت بدأت فيه بعض الشوارع تشهد انخفاضاً ملحوظاً في حركة المركبات نتيجة نقص الوقود.
خفض الأسعار يفجّر أزمة جديدة
وبحسب التقديرات تعود الأزمة الحالية إلى القرارات التي اتخذتها وزارة الطاقة في 23 حزيران/يونيو، حين أعلنت اعتماد آلية جديدة لمراجعة أسعار المشتقات النفطية وربطها بالتكاليف الفعلية والأسعار العالمية، قبل أن تعلن لاحقاً خفض أسعار البنزين والمازوت. وبلغ سعر ليتر البنزين أوكتان 95 نحو 13 ألف ليرة سورية، وأوكتان 90 نحو 12 ألفاً و500 ليرة، فيما بلغ سعر ليتر المازوت 10 آلاف و700 ليرة.
إلا أن خفض الأسعار كشف عن ثغرات واضحة في آلية إدارة السوق، إذ امتنع العديد من أصحاب المحطات الخاصة عن شراء كميات جديدة من البنزين خشية تكبد خسائر مرتبطة بالمخزون الذي كان قد تم شراؤه بالأسعار السابقة الأعلى.
ومع غياب آليات تعويض واضحة أو نظام تنظيمي يضمن معالجة فروقات الأسعار، بدأت الكميات المتوافرة لدى المحطات الخاصة بالنفاد تدريجياً، ما أدى إلى انتقال الطلب بشكل شبه كامل إلى المحطات الحكومية.
وتقول وزارة الطاقة إن الازدحام نتج عن ارتفاع الطلب وانتهاء كميات بعض المحطات بصورة مؤقتة إلى حين وصول الصهاريج الجديدة، إلا أن استمرار الأزمة لأيام عدة أثار انتقادات واسعة، خصوصاً مع غياب توضيحات تفصيلية منذ البداية حول أسباب النقص والإجراءات المتخذة لتفاديه.
اتهامات بالفساد
بالتزامن مع أزمة الينزين، ظهرت انتقادات ربطت أزمة المحروقات الحالية بفساد مرتبطة بالحكومة الانتقالية وخلافٍ على قطاع المحروقات بين قتيبة بدوي وهو رئيس الهيئة العامة للموانى والمنافذ البحرية ومرهف أبو قصرة وزير الدفاع السوري الحالي. وبحسب ماتم تداوله فإن قتيبة بدوي يحاول الحصول على جزء من أرباح الوقود والذي يديره شقيق وزير الدفاع ومدير معبر جرابلس الحدودي أيمن أبو قصرة.
سوق سوداء وسوء إدارة
بالتوازي مع تراجع الكميات المتاحة في السوق النظامية، عادت السوق السوداء إلى النشاط بشكل ملحوظ، حيث تجاوز سعر ليتر البنزين 25 ألف ليرة سورية في دمشق، فيما تخطى 35 ألف ليرة في بعض المناطق مثل حلب واللاذقية. كما انتشرت عمليات بيع الوقود عبر الغالونات بأسعار تفوق السعر الرسمي بأضعاف، رغم وجود قرارات تمنع هذه الممارسات.
وترافق ذلك مع شكاوى متكررة من استمرار الرشاوى والمحسوبيات داخل بعض محطات الوقود، سواء لتجاوز الدور أو للحصول على كميات أكبر من المخصصات المحددة، الأمر الذي زاد من شعور المواطنين بعدم المساواة في الوصول إلى المادة.
ويرى مختصون بالشأن الاقتصادي أن الأزمة الحالية لا ترتبط فقط بنقص مؤقت في الإمدادات، بل تعكس مشكلات أوسع في إدارة قطاع المحروقات وغياب أدوات فعالة لتنظيم السوق عند اتخاذ قرارات اقتصادية حساسة.
وتكتسب هذه الانتقادات أهمية إضافية في ظل استمرار التدهور المعيشي وعيش نحو 90% من السوريين تحت خط الفقر وفق تقديرات دولية، ما يجعل أي اضطراب في توفر المحروقات ينعكس مباشرة على تكاليف النقل وأسعار السلع والخدمات. وبينما تؤكد الحكومة أن الأزمة ستنحسر مع زيادة التوزيع خلال الأيام المقبلة، تتزايد المطالب بمراجعة آليات اتخاذ القرار الاقتصادي وتطوير أنظمة أكثر مرونة تمنع تحول أي تعديل في الأسعار إلى أزمة معيشية جديدة يدفع المواطن كلفتها أولاً وأخيراً.
- تمويل أميركي محتمل لمشاريع في سوريا.. ما علاقة قانون العمل؟
- جدل استقبال محافظ طرطوس بـ”السجادة الحمراء”.. بروتوكول رسمي أم مظاهر ترف؟
- “ذا تايمز”: ترهيب النساء الرافضات لأفكار “داعش” في مخيم روج بسوريا
- فاتورة استضافة الوفود الأجنبية في سوريا.. كم تبلغ تكلفتها؟
- غارة إسرائيلية قرب حدود سوريا ولبنان.. من هو يوسف الحسون ولماذا استهدف؟

