مقتل هنية.. ليس للمفاوضات أفق في المديين القصير والمتوسط

فتح اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس”، إسماعيل هنية، من قبل الجيش الإسرائيلي، الباب واسعاً أمام الاحتمالات والسيناريوهات المتوقعة بخصوص الحرب في غزة، ومسار المفاوضات التي كان يسعى له الوسطاء في مصر وقطر، بينما تبدو مقاربة الولايات المتحدة وتحديداً خطة الرئيس جو بايدن والتي توافق عليها مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أمام لحظة فارقة ومنعطف صعب، قد ينسف الوصول إلى تهدئة وحل أزمة الرهائن، فضلاً عن بدء المراحل اللاحقة بخصوص اليوم التالي لبعد الحرب في ما يخص الترتيبات الأمنية لإدارة القطاع وكذا إعادة الإعمار، ناهيك عن مستوى آخر في لبنان والتسوية بشأن التموضع العسكري لـ”حزب الله” جنوب نهر الليطاني، ومسألة الترسيم البري.

إذاً يخيم مشهد غامض وملتبس إثر التصعيد الإسرائيلي باغتيال هنية في قلب العاصمة الإيرانية طهران، وقبلها بيوم تنفيذ عملية بالضاحية الجنوبية لبيروت معقل “حزب الله”، وقد طاول من يعرف بـ”الحاج محسن” واسمه الحقيقي فؤاد شكر، أحد أبرز قادة الحزب العسكريين والرجل الثاني في الهرم التنظيمي للجناح المسلح والعسكري في الحزب المدعوم من إيران.

وتبعاً لذلك، فإن مسار المفاوضات يقع تحت وطأة تعقيدات جمة في ظل بنك الأهداف الأمنية والعسكرية الذي لم تنته أرصدته بعد، ويحفز الطرف الآخر والوكلاء إلى البحث عن رد، بما لا يسفر عن لحظة تفاوض تستقر فيها السياسة والدبلوماسية بدلاً من الاستنزاف في الميادين المستعرة بالصراع. وبينما كان هنية أحد الأطراف المنخرطة في المفاوضات، فإن استهدافه وتصفيته يضع مسار المفاوضات حتماً في لحظة توقف وتتجمد (على الأقل مؤقتاً).

مقتل هنية ومعضلة المفاوضات

ثمة جملة من الاعتبارات الاستراتيجية في تلك اللحظة، تجعل اغتيال هنية في التوقيت والمكان المحددين، عملية غاية في الصعوبة، وتكاد تختلف عن سوابق عديدة، ترتبط بالحروب التي خاضتها إسرائيل ضد الشخصيات في “محور المقاومة”، كما حدث مع الحاج محسن أو صالح العاروري وغيرهما، حيث إنه بمقتل رئيس المكتب السياسي في قلب إحدى قواعد “الحرس الثوري الإيراني” بطهران بالتزامن مع التطورات الأخيرة، ومحاولات الوسطاء التهدئة لمنع الأقدام من الانزلاق في حرب إقليمية، تبدو أطراف الوساطة أمام معضلة تتمثل في عدم مقدرتها على وقف السيولة، وتهدئة الأعصاب التي بلغت حداً سيحتاج إلى وقت أطول لتعود إلى ما قبل لحظة الانفعال القصوى، بما يجعل الردود قد تبدو خارج السيطرة ونطاق التحكم، أو على الأقل تفلت بعض الأطراف والقوى الميلشياوية في مقابل حفظ ماء الوجه على الأقل.

إسماعيل هنية ونعيم قاسم نائب الأمين العام لـ«حزب الله» اللبناني ورئيس حركة “الجهاد الإسلامي” زياد نخالة ومحمد عبد السلام المتحدث باسم “الحوثيين” في الصف الأول للمشاركين في مراسم القسم الدستوري للرئيس الإيراني – “رويترز”

كما أن القدرات الإيرانية العسكرية هي الآن على المحك، ليس فقط لجهة إخفاقها في حماية هنية أو صمتها وعدم الرد التزاماً بـ”الصبر الاستراتيجي” الذي سبق وألمح له المرشد الإيراني علي خامنئي، إنما أيضاً للتلميحات الأخرى بخصوص وجود خرق استخباري وانكشاف بنيتها الأمنية والعسكرية.

ولهذا قال المحلل السياسي بوبي غوش، إن مقتل هنية يشكّل صدمة كبيرة، ليس فقط لـ”حماس”، بل لداعمها الرئيسي إيران، والتي لا بد من أنها تشعر بإحراج كبير لوقوع الحادث على أراضيها. وتابع لشبكة “سي إن إن” الأميركية: “لقد رأينا أن إسرائيل لديها القدرة على قصف أهداف في إيران؛ لكنها دائماً ما كانت تقصف أهدافاً أقل أهمية مقارنة بما حدث اليوم. هذه المرة هي الأكبر والأهم والأكثر تأثيراً حتى الآن. إنها ضربة كبيرة لـ(حماس) وأعتقد أنها ستؤثر سلباً على المفاوضات الخاصة بوقف إطلاق النار في غزة، وتحرير الرهائن الإسرائيليين، وتؤدي إلى تعطيلها لفترة طويلة”.

من ثم، ما جرى في مناطق نفوذ ما يعرف بـ”محور المقاومة”، فضلاً عن العملية النوعية في طهران وفي حيز “الحرس الثوري” كذلك، هي بمثابة بعثرة لأوراق التفاوض التي سعت “حماس” إلى أن تبدو وكأنها تتحكم بشروطها وتفرض المسارات المطلوبة كطرف منتصر.

وفي العملية الأخير بالضاحية الجنوبية كما في طهران، قلب نتانياهو الطاولة وبدد الثقة التي روجت لها حركة “حماس” والمحور المدعوم من إيران، وقد دفع الأقدام على الحافة.

دلالات اغتيال هنية

اغتيال هنية له رمزية حيث كان يمثل الجناح السياسي المفاوض، وذلك بخلاف يحيى السنوار المنتمي للجناح العسكري “كتائب القسام”، وبالتالي، فإن الحرب في غزة على ما يبدو لن تنتهي في اللحظة الراهنة أو المدى القريب والمتوسط، كما أن صفقة تبادل الرهائن لن تصل لنتيجة كذلك في ظل تعطل المفاوضات وفشل التوصل لهدنة.

ويمكن القول إن أفق الحرب في غزة لن تتجدد مساراته التفاوضية إلا مع الإدارة الجديدة بالولايات المتحدة، ووصول رئيس جديد. إذ إن إسرائيل على ما يبدو تمضي نحو أهدافها التي سبق وأكدت عليها، وهي استئصال شأفة “حماس” وقادتها وكل من شارك في “طوفان الأقصى”، وقد أكدت مراراً على “القضاء على حماس”.

من المرجح في ظل تراجع نفوذ الوسطاء أو عدم إمكانية توصلهم إلى تهدئة في ظل التصعيد اليومين الماضيين، مرة في ضاحية بيروت الجنوبية، ومرة أخرى بطهران، أن تندلع موجة تصعيد من قبل وكلاء طهران في عدة مناطق.

واتفقت في ذلك، وكالة “أسوشيتد برس” الأميركية، وقالت إن اغتيال هنية يأتى فى وقت حرج حيث تحاول إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن دفع جانبي الحرب فى غزة إلى الموافقة على وقف إطلاق نار مؤقت على الأقل واطلاق سراح الرهائن.

إذاً، ارتدادات العملية النوعية واضحة ومباشرة في مسار المفاوضات، الأمر الذي يبدو في تصريحات وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، وقال إن مقتل هنية “أمر لم نكن نعلم أو نشارك به”. وتابع لوكالة “فرانس برس”: “لم يكن لدينا علم ولم تكن لنا يد في مقتل هنية”، موضحاً: “من الصعب للغاية التكهن وتعلمنا ألا نتكهن، ومن المهم للغاية إطلاق سراح الرهائن ووقف إطلاق النار في غزة”. وتابع: “السبيل الأفضل لتهدئة التوترات هو وقف إطلاق النار” في غزة. ورغم ذلك قال باقتضاب أن الوصول لتهدئة وهدنة “ضرورة دائمة”.

كما حذر رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني الذي يضطلع بدور رئيسي في المفاوضات، من أن اغتيال هنية قد يتسبب في تقويض مسار المفاوضات وتأجيل وقف إطلاق النار بين إسرائيل والحركة في غزة. وقال عبر حسابه الرسمي في موقع التواصل الاجتماعي “إكس” (تويتر سابقاً) إن “نهج الاغتيالات السياسية والتصعيد المقصود ضد المدنيين في غزة في كل مرحلة من مراحل التفاوض، يدفع إلى التساؤل كيف يمكن أن تجري مفاوضات يقوم فيها طرف بقتل من يفاوضه في الوقت ذاته؟”. وتابع: “السلام الإقليمي والدولي بحاجة لشركاء جادين وموقف دولي ضد التصعيد والاستهتار بأرواح شعوب المنطقة”.

موجة تصعيد جديدة

ومن المرجح في ظل تراجع نفوذ الوسطاء أو عدم إمكانية توصلهم إلى تهدئة في ظل التصعيد اليومين الماضيين، مرة في ضاحية بيروت الجنوبية، ومرة أخرى بطهران، أن تندلع موجة تصعيد من قبل وكلاء طهران في عدة مناطق، منها قطاع غزة كما في جنوب لبنان، وربما يباشر “الحوثي” بتأزيم الوضع في البحر الأحمر.

صورة تجمع القائد العسكري الكبير في “حزب الله” فؤاد شكر ورئيس المكتب السياسي لحركة “حماس” إسماعيل هنية- “الشرق الأوسط

وبالتالي، فإن اندلاع الصراع واحتدام الوضع مع إسرائيل سيأخذ منعطف آخر، ويبقى التحكم في مسار الصراع وحدوده مشروطاً بهندسة إيران للرد بدرجة أولاً، ومدى الضوء الذي ستمنحه لوكلائها في لبنان، فضلاً عن ما ستقوم به “حماس” بقطاع غزة.

وبقدر ما يمكن القول إن “حماس” من الناحية العسكرية لم تتعرض لخسارة فادحة لكن الرسالة تبدو مؤثرة في استهداف القيادي إسماعيل هنية من مكتبها السياسي، على المستوى الأمني كما السياسي والإقليمي والتفاوضي، وهي رسالة مزدوجة لـ”حماس” كما لوكيلها الرعائي إيران، وتحديداً في ما يتصل بقدرة “حماس” على إدارة القطاع في اليوم التالي للحرب. فتلك الرسالة المزودجة اختبار عنيف لقدرات الأطراف كافة العسكرية الاستراتيجية.

سامح إسماعيل

سامح إسماعيل

أكاديمي مصري في العلوم السياسية وباحث متخصص في الإسلام السياسي

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم