مع احتدام الحرب بين إسرائيل وإيران، باتت منشأة فوردو النووية، أُسّ الصراع بالنسبة لتل أبيب، فضربها يعني حسم الحرب، لكن هذا الأمر ليس بتلك السهولة، فالمنشأة تقع في قلب جبل بنيت تحته بعمق كبير لحمايتها من أي هجوم، فهل يمكن لإسرائيل تدمير الموقع الحصين بمفردها؟
فوردو وأهميتها
فوردو، هي منشأة نووية إيرانية لتخصيب اليورانيوم، وهي ثاني أبرز موقع نووي في البلاد، لكنها الأكثر تحصينا، واكتشفت مؤخرا فقط رغم تشييدها منذ سنوات، وتقع المنشأة المحصنة في أعماق الجبال، ولا يعرف عمقها بدقة، إلا أن بعض التقديرات تشير إلى أنه يتراوح بين 80 و90 مترا تحت الأرض.
هذه المنشأة التي تقع ضمن حدود محافظة قم، على بعد 30 كم من المدينة، وتحديدا في جبال منطقة فوردو، تشكل تحديا كبيرا أمام إسرائيل التي تسعى بكل الطرق لإنهاء البرنامج النووي الإيراني، لكن ما يجعل تل أبيب عاجزة عن تدميرها، هو أنها عصية على التدمير عبر الهجمات الجوية التقليدية بل وحتى غير التقليدية.
اليوم، نقلت صحيفة “وول ستريت جورنال” عن مسؤول إسرائيلي، تأكيده أن لدى تل أبيب خطة لمهاجمة محطة فوردو النووية، وأنها قادرة على ذلك بمفردها، لكن جل الخبراء يشككون بذلك، قائلين إنه لو بإمكان إسرائيل فعل ذلك حقا، لما تأخرت بضربها حتى الآن، بل كانت ستقصفها منذ أول يوم عندما شنت الحرب على إيران.

تأسست المنشأة في أواخر العقد الأول من القرن الحالي، وبحسب تقارير “الوكالة الدولية للطاقة الذرية”، تضم فوردو أكثر من ألف جهاز طرد مركزي متقدّم، وتستخدم لتخصيب اليورانيوم بدرجات نقاء عالية، وبمستويات قريبة من تلك المطلوبة لصناعة سلاح نووي، وعمقها الجيولوجي والتحصينات الخرسانية التي تغلف المنشأة، تجعلتها هدفا بالغ الصعوبة لأي هجوم.
في مارس 2023، قالت “الوكالة الدولية للطاقة الذرية”، إنها اكتشفت يورانيوم مُخصّبا بنسبة نقاء 83.7 % في فوردو، وهو ما يقارب مستوى التخصيب اللازم لصنع الأسلحة النووية، أي 90 %، علما أن إيران دائما ما تؤكد أنها لا تنوي استخدام التكنولوجيا النووية لصنع أسلحة بل لأغراض سلمية. ويعد ضرب فوردو أمرا أساسيا في أي جهد لتدمير قدرة إيران على صنع أسلحة نووية.
لماذا إسرائيل بحاجة أميركا؟
السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة، يحيئيل لايتر، قال قبل يومين، خلال مقابلة صحفية، إن “الدولة الوحيدة التي تمتلك قنبلة جوية قادرة على تدمير فوردو هي الولايات المتحدة، وهذا قرار يتعين على واشنطن أن تتخذه، سواء اختارت أن تسلك هذا الطريق أم لا”.
مع ذلك، أكد لايتر، أن هذا ليس الخيار الوحيد المتاح، مشيرا إلى وجود “طرق أخرى للتعامل مع فوردو”، دون أن يذكر تفاصيل إضافية، مُلمّحا إلى احتمال تنفيذ عملية عسكرية وشيكة ضد إيران، إذ قال: “عندما تهدأ الأمور، سترون مفاجآت ليلة الخميس والجمعة، ستجعل من عملية أجهزة النداء (البيجر) تبدو وكأنها عملية بسيطة”.
في السياق، نشرت صحيفة “نيويورك تايمز”، تقريرا تحليليا عن منشأة فوردو الإيرانية، جاء فيه، أن الجيش الأميركي وحده هو من يمتلك القنبلة التي تزن 30 ألف رطل والقادرة على الوصول إلى المنشأة النووية وضربها.
القنبلة تعرف باسم “القنبلة الخارقة للتحصينات” (bunker buster)، وتعرف أيضا باسم “GBU-57″، وهي مصممة لتدمير المخابئ العميقة تحت الأرض، أو الأسلحة المدفونة في منشآت شديدة الحماية، ويُعتقد أنها السلاح الوحيد الذي يُطلَق جوا والذي يمكنه تدمير موقع فوردو.
تتميز القنبلة بغلاف فولاذي سميك، وتحتوي على كمية أقل من المتفجرات مقارنة بالقنابل متعددة الأغراض ذات الحجم المماثل، وتسمح الأغلفة الثقيلة للذخيرة بالبقاء سليمة في أثناء اختراقها للتربة أو الصخور أو الخرسانة قبل أن تنفجر. ويعني حجمها (طولها 20 قدما، ووزنها 30 ألف رطل)، أن قاذفة الشبح الأميركية “B – 2″، وحدها هي القادرة على حملها.
ترامب والقرار الأخير
عمليا، فإن إسرائيل لا تستطيع تدمير فوردو وحدها؛ فقد رفضت الولايات المتحدة تزويدها بالقنبلة الخارقة للتحصينات، كما أن إسرائيل لا تملك قاذفات “الشبح” الثقيلة القادرة على حمل القنبلة، وبالتالي، فإنها تحتاج إلى واشنطن، لتحقيق هدفها بضرب وتدمير المحطة الإيرانية.
بما أن القرار النهائي بيد واشنطن، فالرئيس الأميركي دونالد ترامب، يجد نفسه الآن أمام مفترق طرق، فمن جهة، يضغط عليه نتنياهو للانضمام إلى الهجوم وضرب فوردو، معتبرا أن بقاء المنشأة يعني بقاء الخطر النووي الإيراني، ومن جهة أخرى، يسعى ترامب لاستثمار ورقة الضغط هذه في مسار دبلوماسي قد يؤدي إلى اتفاق جديد مع طهران.
ويطالب ترامب إيران بالتخلي عن تخصيب اليورانيوم على أراضيها، وبالاستسلام غير المشروط، لكن طهران ترفض ذلك، ويبدو أن هذا الرفض قد يفتح الباب أمام مشاركة الولايات المتحدة في شن هجوم مباشر لتدمير منشآت فوردو النووية وغيرها، وربما حتى إسقاط النظام الإيراني. الأيام القليلة القادمة، حبلى بالقرارات، والكل ينتظر النهاية، فكيف ستكون؟

