موقع الحل السوري الأخباري

“فتح الشام” و”داعش” بين سياسية الانقضاض والتغلغل.. ماهي الفروقات؟ وما هي التقاطعات؟

منار حداد

اتبعت #جبهة_فتح_الشام أسلوباً إدارياً واجتماعياً يبدو في ظاهره للبعض  من تنظيم أكثر ذكاءً من تنظيم الدولة الإسلامية #داعش، فبعد عدّة أشهر على تأسيس هيئة تحرير الشام التي تضم الجبهة (فتح الشام النصرة سابقاً) كمكون أساسي لها، وطردها لغريمها التقليدي حركة أحرار الشام من شمالي سوريا، اتضحت سلوكيات الهيئة في تعاملها مع المواطنين وإدارتها للمناطق التي تُسيطر عليها، عبر الهيمنة من خلف الستار، ووضع بعض المؤسّسات المدنية كواجهة لها، وظَهر انتهاج الهيئة سلوكيات مُشابهة إلى حدٍ لسلوكيات داعش الذي أطلق على نفسه لقب الدولة ليشر إلى وجود مؤسّسات ويُعطيها غطاءً طبيعياً لممارساته.

إضافةً إلى ذلك يشترك كل من التنظيم على اتباع “الجهادية العابرة للحدود”، والتي تدحض القتال على أساس القومية أو الوطن إلى القتال على أساس الدين.

يحاول موقع الحل السوري في هذا التحقيق، إجراء مقاربة بين تنظيمي داعش وهيئة تحرير الشام، لرصد نقاط التشابه والاختلاف بين كلا التنظيمين، وذلك من ناحية قوانينهما وأساليب إدارتهما للمناطق وتعاملهما مع الأهالي والخوض في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية.

هيكلية إدارية مُتشابهة

شكّل كلا التنظيمين، قوّة عسكرية وقوّة تنظيمية خوّلتهما إحكام قبضتهما على المناطق التي سيطرا عليها، وبدأا بالهيمنة على التدفّق الاقتصادي لهذه المناطق وأدلجتها والتدخّل في الحياة المجتمعية وإحكام القبضة على المرافق العامة.

في مقارنة بين الهيكل الإداري لكلا التنظيمين، يتّضح وجود تشابه في الهيكلية العامة، لكن ثمّة اختلاف في مسمّيات الوحدات الصغيرة التي تتبع للإدارة.

وفيما يخص البنية الإدارية التنظيمية لهيئة تحرير الشام التي تشكّلت بعد اندماج عدّة فصائل مع جبهة فتح الشام وتنظيم الدولة داعش يمكن الاستدلال بالشكل التالي:

هيئة تحرير الشام تنظيم الدولة الإسلامية المؤسسة الرقم
مكتب الدعوة والإرشاد الهيئة الشرعية المؤسسة الدينية 1
لواء العقاب الأمني شرطة الحسبة المؤسسة الأمنية 2
المكتب العسكري المجلس العسكري المؤسسة العسكرية 3
المكتب الاقتصادي العام بيت المال المؤسسة الاقتصادية 4
مكتب التفاوض السياسي أهل الحل والعقد المؤسسة السياسية 5
المحاكم الشرعية في “دار القضاء المحاكم الشرعية المؤسسة القضائية 6
وكالة إباء وكالة أعماق المؤسسة الإعلامية 7
مجلس الشورى مجلس الشورى مؤسسة إصدار القرارات الهامة 8

 

ويُلاحظ أن كلا التنظيمين، يقوم على تقسيم مناطق نفوذه إلى ولايات ويتم وضع حاكم على كل ولاية، يحمل هذا الحاكم اسم “الوالي” في تنظيم الدولة، و”الأمير” في تنظيم “هيئة تحرير الشام.

ويوضح باحث في الفكر الإسلامي والجماعات الإسلامية عباس شريفة، أن تنظيم داعش يميل إلى ابتداع تسميات تراثية أكثر من النصرة، التي تتعامل في التسميات الموجودة سابقاً ولكنها تُديرها وفق إيديولوجيتها.

وقال شريفة للحل السوري: “إن استراتيجية القاعدة تقوم على التغلغل والقضم البطيء في المؤسسات، في حين أن استراتيجية داعش تقوم على الافتراس”، لافتاً إلى أن النصرة تقبل التشاركية على أن يكون لها الكلمة العليا عير أن داعش يقوم على الشمولية والأدلجة.

وفيما يخص توزّع الملف الأمني، أوضح شريفة، أن النصرة سابقاً قامت سابقاً بالسطو على مقرات الشرطة الحرة، وشكّلت شرطة إسلامية تشبه تلك التي عند التنظيم، وكانت هذه الشرطة تدعو الناس للصلاة عبر المكبّرات دائماً.

خلاف سياسي

حتّى الآن، وبعد سنوات على ظهور كلا التنظيمين، لازالت الفروقات الفكرية والإيديولوجية بينهما محط جدلٍ بين العلماء والباحثين، على الرغم من تبنّي كلا الطرفين نظريات الجهاد غير الوطني كوسيلة لإثبات الوجود.

وفي هذا السياق يقول الباحث في الفكر الإسلامي والجماعات الإسلامية عباس شريفة: “إنه من حيث المرجعية الدينية لا يوجد أي خلاف في الأسس بين التنظيمين، لأن كلاهما خرج من رحم القاعدة، وإن داعش كان يعتبر #أبو_مصعب_الزرقاوي مرجعيةً فكرية له، في حين أن النصرة كانت قد أعلنت صراحةً أنّها الذراع السوري لتنظيم القاعدة.

وأوضح الباحث أن كلا الطرفين يعتمد أصول البراء والتكفير وجميع أصول القاعدة، لافتاً إلى أنّه لا يوجد أي خلاف فكري بين الجهتين، وإنما خلاف سياسي.

ويتمثّل هذا الخلاف السياسي، بأنّه عندما قرّر البغدادي نقل نشاطه إلى #سوريا، أرسل إلى الجولاني طالباً منه انضمام الهيئة للدولة، ولكن رفض الجولاني حينها، ما أدّى إلى نشوب الخلاف بين الطرفين، على أساس النفوذ والزعامة، علماً أن المرجعية الفكرية موحّدة لكلا الطرفين.

واعتبر شريفة، أن داعش يمارس دور الدولة ويشهر عن وجودها، أما النصرة فإن سياستها “تقوم على القفز على المراكب الغارقة، والاستخدام المرحلي للتنظيمات دون أن يعلنوا أنّهم دولة وهو الاسلوب ذاته الذي تتّبعه القاعدة”.

اختلاف في الإدارة

على الرغم من التشابه الكبير في إسلوب الإدارة بين الطرفين، إلّا أن حقيقة الواقع تُشير إلى وجود اتفاق ما بيمها، ولكن بطرق لا تظهر أمام العيان، وفي هذ السياق، عاصر الناشط والمصّور الصحافي أحمد السيد علي، هيئة تحرير الشام لسنوات، ومنذ أن كانت جبهة النصرة ثم بعد تحوّلها إلى جبهة فتح الشام وأخيراً الهيئة.

يصف السيد علي النصرة بأنّها “تمسكنت حتّى تمكّنت” وفق تعبيره، وقال: “إن هيئة تحرير الشام بعد معركتها مع حركة أحرار الشام وفوزها بها، ليست أبداً هيئة تحرير الشام ما قبل المعركة بسبب كثير من التغيّرات”.

وشرح أنه منذ أن هيمنت الهيئة على محافظة #إدلب وأبعدت الحركة، بدأت تفرض وجودها الاقتصادي والإداري بشكلٍ كبير، فسيطرت على المعبر وعلى جميع قطاعات الحياة بما في ذلك المياه والكهرباء والخدمات، ثم داهمت مقرّات #مجلس_مدينة_إدلب وسيطرت عليها جميعها وسطت على معرّفاتها الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي لاحقاً، وضمّت كل هذه القطاعات إلى مؤسّستها الخدمية المعروفة باسم “الإدارة العامة المدنية للخدمات”.

في صباح الثالث والعشرين من شهر أغسطس/آب الماضي، أصدرت “الإدارة المدنية للخدمات” التابعة لهيئة تحرير الشام بياناً سيطرت فيه على جميع مفاصل المؤسسات المدنية الخاصة بإدارة المناطق.

وجاء في البيان: “ضماناً للحقوق الشرعية لأهالي المناطق المحرّرة والتوزيع العادل للخدمات واستمرار تقديمها نبيّن أن المؤسّسات والمديريات العامة التي تُديرها الإدارة المدنية هي المؤسّسة العامة للاتصالات، المؤسسة العامة للمياه والصرف الصحي، المديرية العامة للنقل، المؤسسة العامة للكهرباء، المؤسسة العامة للمصالح العقارية، المديرية العامة للأحوال المدنية، المديرية العامة للإدارة المحلية، المديرية العامة للزراعة، المؤسسة العامة للإمداد والتموين”.

عرض الحل السوري هذا البيان، على موظّف في مجلس مدينة إدلب ولازال يعيش هناك، تواصل معه عن طريق الناشط السيد علي، فرفض التعليق في المرّة الأولى ثم وافق التحدّث في المرّة الثانية مُتحفّظاً على إظهار هويته.

وقال “إن تزامن هذا البيان مع ضغوطٍ شنّتها الهيئة على المجلس المدني، تطوّرت إلى أن خيّرت إدارته بين البقاء في وظائفهم والاستمرار بالعمل في المجلس، على أن تكون أوامره من الهيئة، أو أن يُغادروا”.

وأضاف أن الهيئة سيطرت على “المعرّفات الرسمية” للمجلس على مواقع التواصل الاجتماعي وسيطرت عليه منذ ذلك الوقت، وعلى كل المؤسسات التابعة له، مُشيراً إلى أن الأمر ذاته حدث في معبر باب الهوى، فعلى الرغم من ظهور مدير المعبر أمام الصحفيين مؤكّداً أن إدارة المعبر لازالت مدنية، ولكن في حقيقة الأمر فإن “واجهة الإدارة” مدنية ولكن الآمر والناهي هو “هيئة تحرير الشام”.

ويُعلّق على هذه النقطة الباحث عباس شريفة، الذي قال إن تنظيم داعش يُسمّي نفسه دولة وبالتالي فإنه يُشرعن لنفسه إدارة كل المؤسسات في مناطقه، بينما “هيئة تحرير الشام” تحاول أن تدمج نفسها وتتغلغل في المؤسّسات والاقتصاد والمجتمع بشكلٍ بطيء عبر سياسة “النخر في العظم” حيث تسيطر على هذه المؤسسات واحدة تلو الأخرى بظروفٍ منفصلة يتم تهيئتها مٌسبقاً.

طبيعة المناطق تحد من تأثير النصرة

وفقاً للمعلومات فإن جانب تعامل تنظيمي النصرة وداعش هو جانب الاختلاف الوحيد بين الطرفين، خاصة في التعامل مع الأهالي، وذلك لاعتبارات تتعلّق بفروقات منهجية الطرفين، إضافةً إلى عوامل تتعلّق بنوعية هذه المناطق ذاتها.

فالنصرة والتنظيم يشتركان على فكرة الانتقام من الخصوم استناداً إلى “العمالة للغرب والعمالة للنظام السوري والتكفير”، ولكن طرق هذه الانتقام ذاتها تختلف تماماً.

ووفقاً للناشط السيد علي، فإن النصرة ارتكبت كل الممارسات التي ارتكبها التنظيم، بما في ذلك منع الاختلاط حتى بين الأطفال ومنع التدخين والانتقام من الخصوم السياسيين لكن الاختلاف بطريقة هذا الانتقام.

وقال السيد علي: “إن النصرة صادرت عشرات منازل السوريين خارج إدلب بحجّة الردّة أو العمالة للنظام وكذلك الأمر فعل التنظيم في ريف حلب سابقاً، كما أن كلا الطرفان سيطرا على حركة التجارة في المنطقة التي سيطر عليها”.

بدوره يوضح الباحث في الجماعات الإسلامية عباس شريفة، أن “تنظيم داعش سيطر على مناطق غير ثائرة، مثل ريف حلب الشرقي والرقة، وهذه المناطق طبيعة شعبها أنّه مُهادن ولم يكن ثائراً وهو ما مكّن التنظيم من التحكّم بحياة الأهالي، في حين أن المناطق التي تسيطر عليها النصرة مثل ريف إدلب وريف حلب الغربي هي مناطق ثائرة وممانعة بقوة، وهو ما يجعل النصرة تحسب أي حساب قبل إقدامها على أي تصرّف له علاقة بحياة المدنيين”.

وأضاف أن مقاتلي النصرة، “معظمهم من أبناء المناطق التي يتواجدون فيها، وانضموا إليها بسبب جرأتها على قتال النظام، أو لمصالح شخصية أخرى”، لافتاً إلى انّه حتّى على مستوى تصفية الخصوم فإن التنظيم يقوم “بتصفيتهم في الساحات ويتباهى بذلك، في حين أن النصرة تعمل على أسلوب الاغتيالات العسكرية وغير قادرة على المُجاهرة بذلك”.

الصدام بالنظام العالمي

تواجه هيئة تحرير الشام اليوم، خيارين أحلاهما مرٌ، الأول هو التمسّك بالفكر الأصولي لها، بغية إرضاء النظام العالمي، وبذلك تكون قد أغضبت الشرعيين والقادة فيها، والثاني هو إرضاء الشرعيين مُقابل الاصطدام بالنظام العالمي.

وهُنا يرجّح ظريفة أن الهيئة تعتبر الاصطدام بالنظام العالمي هو ما يُشبه “خطاً أحمراً” وهو ما جعلهم يركّزون على معركتهم داخل سوريا.

ويُضيف أن خيارات النصرة جعلتها تشعر بالخطر، وتتّجه نحو السيطرة على الإدارات المدنية، ومُهادنة المجتمع الدولي، وهو ما يهدّد بتفكيكها قريباً، ويُفسّر أيضاً التخبّط في القرارات والتصرّفات ضد المدنيين والفصائل وعدم وضوح موقف الهيئة تجاه الأحداث في محيطها.

يتوقّع الباحث ظريفة، أن “رأس تنظيم هيئة تحرير الشام، براغماتي ومن الممكن أن يتخذ خطوات بعيدة جداً مثل رفع علم الثورة الذي كانت الهيئة تعتبره علم سايكس بيكو، وفي سياق هذه البراغماتية من الممكن أن تُقدم على مقاطعة #تركيا إذا شعروا بخطرها، وإدخال #روسيا أو #إيران على خط المواجهة، استناداً إلى مبدأ سنغرق السفينة لكي لا يأخذها الملك”.

أما التنظيم، فمنذ إعلانه الخلافة، شرّع لنفسه التحرّك على كل جغرافية العالم كحق شرعي يمتلكه، ويرى أن معاداة الدول الكبرى له، دليل صدق وأن “سهام الباطل لا تتكاثر إلا على الحق” وفقاً لظريفة، الذي أوضح أن التنظيم منذ أن طرح مشروع التمدد أعلن الحرب على العالم وكان مشروعه واضح وصريح.


الرابط القصير للمقال: https://7al.net/hoSmC