موقع الحل السوري الأخباري

اقتصاد موازٍٍ وجيش لا وطني.. هذا ما تريده إيران لسوريا المستقبل

يوسف صداقي

مستقبل #سوريا بات مرتبطاً بخطة التموضع الإيراني فيها، خصوصاً بعد أن أصبح الطريق البري #طهران- #بيروت أمراً واقعاً. سوريا تعيش حالياً مرحلة عالية الحساسية وخطرة النتائج، هي بمثابة موسم حصادٍ لأربعة عشر عاماً من الصراع الشرق أوسطي.

يستنسخ النظام الإيراني تكتيكات الثورة الإسلامية الخاصة بفرض الوصاية، ففي نطاق عمل يتوزع في عشرة محافظات سورية باستطاعات سيطرة مختلفة، وتنوع في استحضار الأدوات وتجنيد العملاء، لترسيخ قواعد دولة يكون جيشها ومؤسساتها شركات تمثيلية لنظام الولي الفقيه ولتصبح #سوريا هي النموذج التطبيقي الثالث بعد #العراق و #لبنان من خلال السيطرة شبه كاملة على مؤسسات الدولة السورية للاستفادة من عدة محاور استراتيجية تخص إيران وحدها:

أولاً، نقل سوريا لتكون تحت الوصاية الإيرانية عبر خطوات تدريجية تبدأ مع وقف إطلاق العمليات العسكرية، تكتسب فيها إيران نفوذاً بعيد المدى على سوريا باستخدام الوسائل والأصول السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية والسكانية. وهذا من شأنه أن يمكن إيران من تشغيل عناصر تهدد الأمن الإقليمي لدول المنطقة ودول المتوسط أيضاً.

ثانياً، إنشاء وتمكين ما يمكن أن يسمى #حزب_الله السوري، على غرار النموذج اللبناني والميليشيات الشيعية في العراق، من خلال دمج الوحدات العلوية المحلية مع ميليشيات المتطوعين الشيعة الأجانب (العراقيين والأفغان). وستشمل مهمة هذه القوة الدفاع عن النظام والأصول الإيرانية في سوريا وتشكل تهديداً لإسرائيل.

ثالثا، تحويل سوريا إلى مركز لوجستي إيراني من خلال تشكيل ممر للإمداد والتموين براً وجواً عبر العراق، إضافةً إلى بناء بنى تحتية خاصة بإيران لتصنيع الأسلحة وتقديم الدعم اللوجستي وتسليح وكلائها في جميع أنحاء المنطقة.

حتمية سيطرة إيران على القوة العسكرية للدولة السورية القادمة مرتبط بمكافئ استغلال المجال الزمني الواقع بين تاريخين، الأول إقرار وقف العمليات القتالية، والثاني بدء المرحلة الانتقالية، هذا المجال الزمني الحرج في قصره هو استراتيجي لترسيخ الميليشيات من خلال استيعابها في الجيش السوري والبنى التحتية الأمنية القائمة في البلاد. الكفاءة هنا تقتضي تحركات ايرانية سريعة تتمثل بدمج المجموعات المقاتلة التابعة لها ضمن الجيش السوري بشكل عاجل عبر مراسيم رسمية قبل بدء المرحلة الانتقالية، فرغم يقين إيران من أن قوات المعارضة المسلحة سوف تحتاج الكثير من الوقت لإجبارها دوليا على المشاركة في إعادة بناء مؤسسات الدولة، لكن غالباً لن تترك إيران احتمالاً لأحداث غير متوقعة من الممكن أن تسبب خسارة سنوات من العمل والإنفاق، خصوصاً وأن عمليات الامتصاص المالي لمناطق المعارضة سوف تتوقف حال إعلان وقف اطلاق النار، وربما يصاحبها إعادة توزيع للثروة والسلطة في ما بين زعماء نظام دمشق، ما يعني انقطاع مصادر تمويل الميليشيات، وبما أن إيران وحزب الله اليوم في ضيق مادي بعد تتابع العقوبات الاقتصادية، يفيد أن استيعاب الاحتياجات المالية لما يقارب السبعين ألف مقاتل لن يكون سهلاً، وهو ما من شأنه أن يرفع مؤشر القلق من احتمال انتقال هذه العناصر إلى الطرف الروسي لضمان الاحتواء المادي والقانوني.

عليه فان إيران سوف تعمل على احتواء ميليشياتها ضمن البدن القانوني للدولة السورية في أسرع وقت ممكن، وحينها سوف تكون عناصر إيران منتشرة في قطاعات الجيش والأمن السوري حتى قبل أن تنهي المعارضة خلافاتها وتدخل في عملية الانتقال السياسي. يضاف إلى ما سبق اتفاقية إقامة قاعدة بحرية إيرانية في طرطوس بناء على الرواية الإسرائيلية وهو ما يمثل الاستفادة الحقيقية من الطريق البري طهران إلى المتوسط، سوف يمكن الميناء إيران الخروج من نطاق المراقبة المكثفة لتحركاتها في الخليج ويختصر الاعتماد على قناة السويس والسودان في نقل ما يلزم إلى الشركاء في بيروت ودمشق وحتى غزة. حينها سوف تكون الأسباب اجتمعت لإنتاج جيش هو مأوى ومكان تجمع الآلاف من العناصر الميليشياوية المرتبطة بدولة الولي الفقيه، لتكون سلاحاً ضارباً لأي محاولات سورية سياسية أو مدنية مستقبلية تسعى للتخلص أو الانسلاخ من عباءة إيران، وحتى إدارة انقلاب عسكري داخل سوريا إذا لزم الأمر. إضافة إليه قدرة إيران على استخدام هذا الجيش في تنفيذ أنشطة عسكرية على طول الحدود وتزعزع استقرار الأردن وتفتح جبهة سورية في سيناريو الحرب بين إسرائيل وحزب الله في لبنان.

اقتصاد سوريا  وخصوصاً القطاع المصرفي لا يقل أهمية عن الجيش كأحد أدوات الإيرانية في سوريا الحالية والمستقبلية، فمن خلال السيطرة على المعابر السورية الداخلية والدولية يمكن إعادة رسم الدورة المصرفية والمالية السورية واحتكارها لصالح الشركاء ليصل بإيران لحد الهيمنة على معاملات الصرف النقدي والنشاطات التجارية لرفد السوق المحلي، في نسخ لنموذج حزب الله في لبنان، مضافاً إليه التنوع في المزايا الاقتصادية والجغرافية في دولة أكبر، سوف يكون من السهل توزيع المكاسب على شركاء إيران، كما أنه سوف يكون لإيران أدوات مراقبة وتحجيم لأي دور اقتصادي أو نشاط تجاري من المكونات السورية الأخرى التي لا تتمتع بعلاقات جيدة مع الكتلة السرطانية الإيرانية في سوريا.

تجربة الاقتصاد الموازي في لبنان، تبين حجم الأضرار في السوق المحلي اللبناني خصوصاً وأن من يسيطر أمنياً على المرافئ والمطارات يستطيع إدخال البضائع إلى البلاد دون المرور على السجلات الحكومية أو إجراءات الجمارك. سيطرة حزب الله الأمنية على النقاط الحدودية كان بوابة استطاع من خلالها فرض نفسه كمتحكم اقتصادي أساسي أو اللاعب الوحيد في مواجهة الدولة اللبنانية. فقد عمل الحزب بعد توليه مقاليد الأمور في مطار رفيق الحريري على استجرار كتل نقدية ضخمة من شبكات غسيل الأموال والمخدرات في افريقيا وأمريكا الجنوبية، دون الإفصاح عنها، فباتت الهيئات المصرفية اللبنانية والحكومة إن كانت تقوم بأي دراسات اقتصادية أو مالية فسيكون محض هراء مع عدم القدرة على قياس حجم القدرة المصرفية في البلاد. كما أن الحدود سمحت للحزب بإغراق الاسواق اللبنانية ببضائع مهربة ودون المرور على إدارة الجمارك ووزارة التجارة لتكون مثل الاطرش في الزفة. في النهاية وصلت سياسة الاقتصاد الموازي الإيرانية إلى انهيار الدورة الاقتصادية للدولة اللبنانية فعلياً، وأصبح الحزب هو المتحكم بالاقتصاد اللبناني واستطاعت إيران تقليص دور التجار والاقتصاديين السنة والمسيحيين إلى الحد الادنى.

إيران سوف تتشارك والبرجوازية السورية المستحدثة لإدارة السوق وتوزيع الحصص وإذا ما كان لسوريا القادمة حكومة مستقلة فإن كانتونات إيران البشرية في سوريا سوف تكون الأقرب جغرافيا وأمنيا إلى الموانئ لإيقافها أو إرباكها في أفضل الاحوال. بات لا يخفى على أحد أن التواجد الإيراني في سوريا ينذر بمشروع إعادة إعمار فقير، فحسب تقديرات البنك الدولي سوريا تحتاج بين ٢٠٠-٣٥٠ مليار دولار، وهو رقم لا تستطيع إيران وروسيا مجتمعين تغطيته، وإذا كانت رغبة الدول الغنية على رأسها الولايات المتحدة عدم التمويل فقد أعلنت أنها لن تشارك في عملية اعادة الاعمار إلا في حال انتقال سياسي وتخلي الأسد عن السلطة، فهذا يعود بنا إلى الدائرة الأولى للتواجد الإيراني في سوريا وهو دعم الأسد للبقاء، وحيث إن ايران كما باقي دول العالم لم تجد بديلاً عن بشار الأسد وإنها ما زالت تدعم كيانه، ولا يمكن توقّع شراكة دولية لإعمار البلد الذي كانت لإيران يد كبيرة في تدميره، وهو ما ينتج عدم قدرة مئات الآلاف من اللاجئين و النازحين على العودة إلى بيوتهم، مع الأخذ بعين الاعتبار، المناطق التي تعتبر مستوطنات لمليشيات ايران على سبيل المثال لا الحصر السيدة زينب وما حولها في ريف دمشق والقصير في حمص.

الدخول في حرب مباشرة مع إيران ليس في أجندة أي من الدول العدوة لها، وما التهديدات الأمريكية والإسرائيلية في شن حرب إلا تكرار للمقطع السياسي ذاته خلال أعوام طويلة حتى قبل بدء الثورة السورية، فعلياً ما يريده المجتمع الدولي من إيران هو الاكتفاء بما تملك وما حصلت عليه حتى الآن، وأن تبدأ أسلوباً جديداً يدخلها إلى سوق الأعمال الدولي. إذاً فإن على الأطراف السورية الداخلية، تقوية العلاقات مع الأكراد في شمال سوريا، وحشدهم لمكافحة النفوذ الإيراني في شمال شرق سوريا، وكذلك لمنع إنشاء ممر شيعي من العراق. كما يجب إعادة هيكلة العلاقات بين العناصر السنية والدرزية والكردية من أجل الطعن بوجود إيران بكل الوسائل السياسية والاقتصادية والعسكرية.

أخيراً يجب على المعارضة السورية أن تدعم المبادرة الروسية من أجل هيكل فدرالي بشرط أن يستند إلى النسبة الداخلية للقوات العسكرية والأمنية في سوريا. للحد من جهود إيران في الهيمنة على سوريا، وإيقاف مشروع الحكومة المركزية في دمشق التي ترغب إيران في سحب خيوطها إلى طهران. إضافةً إلى مطالبة القوات الأجنبية بمغادرة سوريا، فهي تمثل عاملاً مزعزعاً للاستقرار ومحفزاً لصراعات الطويلة الأمد داخل البلد. وهو الطلب الذي سوف يلقى دعماً مؤكداً من الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة.


الرابط القصير للمقال: https://7al.net/bHEnk