مع اقتراب الشتاء.. كيف أصبح الدفء عبئاً يلتهم دخول السوريين؟

المحروقات

مع اقتراب فصل الشتاء، تواجه الأسر السورية ارتفاعاً في كلفة التدفئة، بعدما زادت أسعار المحروقات وضاقت الخيارات المتاحة لتأمين الوقود، في وقت تتراجع فيه القدرة الشرائية وتتراكم الأعباء المعيشية.

وبين المازوت والحطب وقشور المكسرات والبيليت، لم يعد اختيار وسيلة التدفئة مسألة تتعلق بالسعر وحده، بل بقدرة الأسرة على تمويل احتياجاتها طوال أشهر البرد، في ظل تفاوت كلفة البدائل ومخاوف تتعلق بسلامة استخدامها.

ثلاثة أسعار للمازوت

كانت أسعار المشتقات النفطية قد شهدت زيادة في 13 أيلول/سبتمبر الماضي، ارتفع بموجبها سعر ليتر المازوت إلى 175 ليرة سورية جديدة، بزيادة بلغت 40 بالمئة، بالتزامن مع رفع أسعار البنزين والغاز المنزلي.

أسعار المشتقات النفطية قد شهدت زيادة في 13 أيلول/سبتمبر الماضي، ارتفع بموجبها سعر ليتر المازوت إلى 175 ليرة سورية جديدة- إنترنت

 وأرجعت وزارة الطاقة التعديل إلى ارتفاع تكاليف تأمين المشتقات النفطية عالمياً، وزيادة الاعتماد على الاستيراد بالتزامن مع أعمال الصيانة في مصفاة بانياس، وهو ما أثار الاحتجاجات في عدد من المناطق، قبل أن تعلن الوزارة لاحقاً اعتماد ثلاثة مستويات سعرية للمازوت بحسب المواصفات والاستخدام.

وبموجب الآلية الجديدة، حُدد سعر المازوت المخصص للتدفئة والزراعة والفئات المستحقة عند 115 ليرة لليتر، فيما بلغ سعر النوع المخصص لبعض الأنشطة الإنتاجية والخدمية والآليات الثقيلة 150 ليرة، مع استمرار بيع المازوت بالمواصفات القياسية بسعر 175 ليرة لليتر، غير أن إقرار سعر أقل للتدفئة لا يحسم وحده حجم العبء على الأسر، إذ تبقى الكلفة النهائية مرتبطة بتوافر الكميات المخصصة، وحجم الاستهلاك، ومدة الشتاء، وقدرة العائلات على شراء احتياجاتها مسبقاً.

فاتورة بمئات الدولارات للتدفئة

تتضح صعوبة تأمين التدفئة عند الانتقال من سعر الليتر أو طن الوقود إلى الفاتورة الإجمالية للموسم، فبحسب تقديرات غير رسمية يدور سعر طن الحطب حول 250 دولاراً، بينما تجاوز سعر طن البيليت وقشور المكسرات في بعض الأسواق 300 دولار، مع اختلاف الأسعار تبعاً للمنطقة ونوع المادة وجودتها.

باحتساب حاجة تقديرية تتراوح بين طن ونصف الطن وطنين للأسرة خلال الشتاء، قد تصل الكلفة إلى نحو 300–760 دولاراً، وفق نوع الوقود وحجم الاستهلاك، وهي مبالغ لا تشمل بالضرورة ثمن المدفأة أو النقل والتخزين والصيانة.

ولا يعني اللجوء إلى البدائل الصلبة بالضرورة التخلص من عبء الكلفة؛ فالحطب والفحم والبيرين وقشور الفستق والبندق والبيليت تختلف في أسعارها وكفاءة احتراقها ومدة التدفئة التي توفرها، كما أن بعض هذه المواد يحتاج إلى مدافئ مخصصة، ما يضيف تكلفة أولية قد لا تستطيع الأسر ذات الدخل المحدود تحملها.

 وتزداد المخاطر عندما تُستخدم المدافئ في أماكن مغلقة أو من دون تهوية مناسبة، إذ يمكن أن يؤدي الاحتراق غير الكامل إلى انبعاث أول أكسيد الكربون، فضلاً عن احتمالات الحرائق ومشكلات التنفس الناجمة عن الدخان والجسيمات الدقيقة.

الكهرباء ليست حلاً مضموناً

أما الكهرباء، التي قد تبدو بديلاً أقل اعتماداً على تخزين الوقود، فلا توفر حلاً مضموناً في ظل تحديات الإمداد وارتفاع كلفة الاستهلاك، فالتدفئة الكهربائية تحتاج إلى قدرة تشغيلية مستمرة، وقد ترفع فاتورة المنزل بصورة كبيرة إذا استُخدمت لساعات طويلة، بينما يحد عدم استقرار التيار من الاعتماد عليها في مناطق عديدة.

ويعني ذلك أن الأسر لا تختار دائماً الوسيلة الأقل كلفة، بل تضطر إلى الموازنة بين السعر والتوافر وكفاءة التدفئة، وأحياناً إلى تقليص ساعات تشغيل المدافئ أو الاكتفاء بالأغطية الثقيلة لمواجهة البرد.

حُدد سعر المازوت المخصص للتدفئة والزراعة والفئات المستحقة عند 115 ليرة لليتر- إنترنت

وتتجاوز آثار ارتفاع أسعار الوقود حدود ميزانية الأسرة، وفق ما حذر منه الخبير الاقتصادي مهران لبابيدي، إذ يؤدي تخصيص حصة أكبر من الدخل للتدفئة إلى تقليص الإنفاق على احتياجات أساسية، مثل الغذاء والصحة والتعليم، بحسب ما نقلت عنه صحيفة “الثورة”.

 وأكد أن الأثر لا يتوقف عند هذا الحد؛ موضحاً أن تراجع السيولة المتاحة للأسر يضعف قدرتها على الشراء، وينعكس على حركة الأسواق والمحال التجارية والقطاعات الخدمية، التي تواجه بدورها انخفاضاً في الطلب.

الفقر يفاقم أزمة الشتاء

تكتسب هذه التداعيات أهمية إضافية في ظل اتساع الفقر في سوريا،  فقد أشارت تقديرات أممية في أيلول/سبتمبر الماضي، إلى أن نحو 90 بالمئة من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، ما يحد من قدرة شريحة واسعة على امتصاص أي زيادة جديدة في تكاليف المعيشة.

وبين ارتفاع أسعار الوقود وتفاوت توافر البدائل، تتحول التدفئة مع اقتراب الشتاء إلى اختبار جديد لقدرة الأسر السورية على الصمود أمام الضغوط الاقتصادية.

 ولا يرتبط تخفيف هذا العبء بتوفير الوقود بأسعار أقل فحسب، بل أيضاً بضمان وصول الكميات المخصصة للتدفئة إلى مستحقيها، ووضوح آليات التوزيع، وتحسين استقرار الكهرباء، وتوسيع المساعدات الموجهة للأسر الأشد احتياجاً، فحين تضطر العائلة إلى المفاضلة بين تدفئة المنزل وتأمين الغذاء والدواء، لا تعود المشكلة مجرد ارتفاع موسمي في الأسعار، بل تصبح مؤشراً إلى اتساع الفجوة بين تكاليف الحياة والقدرة على تحملها.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم