تعز تحت الحصار.. أزمة الغذاء والوقود يفاقمان معاناة السكان

تواجه مدينة تعز، جنوب غربي اليمن، أزمة معيشية وإنسانية متفاقمة مع تشديد القيود على طرق الإمداد، وتصاعد المواجهات العسكرية في محيطها وأرياف المحافظة، ما أدى إلى تراجع توافر الغذاء والوقود، وارتفاع الأسعار، وأثار مخاوف من تعطل خدمات المياه والمرافق الصحية، في مدينة تعاني تداعيات الحرب والحصار منذ سنوات.

تواجه مدينة تعز، جنوب غربي اليمن، أزمة معيشية وإنسانية متفاقمة مع تشديد القيود على طرق الإمداد، وتصاعد المواجهات العسكرية في محيطها وأرياف المحافظة، ما أدى إلى تراجع توافر الغذاء والوقود، وارتفاع الأسعار، وأثار مخاوف من تعطل خدمات المياه والمرافق الصحية، في مدينة تعاني تداعيات الحرب والحصار منذ سنوات.

وخلال الأيام الماضية، امتدت آثار التصعيد إلى تفاصيل الحياة اليومية للسكان، مع اختفاء المشتقات النفطية من محطات عدة، وتراجع توافر الغاز المنزلي والدقيق، بالتزامن مع تحذيرات من محدودية مخزون السلع الأساسية والأدوية والمستلزمات الطبية. 

وتزامن ذلك مع إغلاق الطرق، بعد إحكام جماعة “الحوثي” الحصار على مدينة تعز، من كافة الاتجاهات، واتساع المواجهات على جبهات المحافظة. 

وجاء ذلك بعد سيطرة “الحوثيين” على الريف الغربي للمحافظة، وقطع الشريان الأخير إلى المدينة، في حين يتحمل المدنيون أعباء الأزمة، وسط تراجع قدرتهم على تأمين الاحتياجات الأساسية. 

وفي ورقة إحاطة بعنوان “تعز تحت الحصار: التداعيات الاقتصادية والإنسانية لإغلاق الطرق”، حذر مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي من تفاقم نقص السلع، مشيراً إلى اختفاء البنزين من محطات الوقود وتراجع توافر الغاز والدقيق، ولجوء بعض التجار إلى بيع القمح بكميات صغيرة. 

ورصد المركز ارتفاع سعر عبوة البنزين سعة 20 لتراً في السوق السوداء إلى نحو 100 ألف ريال، بما يعادل 65 دولاراً، مقارنة بنحو 19 دولاراً سابقاً. وفي إفادات محلية أخرى، تراوحت الأسعار بين 80 ألفاً و100 ألف ريال، وفق توقيت الرصد ومصادره. 

أما القمح والدقيق، فيبلغ مخزونهما نحو 20 ألف طن، وفق بيانات مكتب الصناعة والتجارة التي أوردها المركز، وهي كمية تكفي قرابة 19 يوماً من الاستهلاك المقدر للمديريات الخاضعة للحكومة في محافظة تعز، وليس المدينة وحدها. 

ويثير هذا المخزون المحدود مخاوف من اشتداد الضغوط على الأسواق، إذا تأخرت الإمدادات، خصوصاً مع تزايد الطلب بدافع الخوف من النقص. وفي المقابل، تزيد الأسعار المرتفعة معاناة الأسر محدودة الدخل، حتى قبل نفاد الكميات المتاحة، وهو ما يجعل تأمين الغذاء تحدياً يومياً لقطاعات واسعة من السكان.  

أزمة الوقود تهدد المياه والخدمات الصحية  

تمتد تداعيات الحصار على تعز ونقص الوقود على المواصلات ونقل البضائع، إلى الخدمات الحيوية الأخرى التي تعتمد على الديزل لتشغيل معداتها.

شهدت جبهات محافظة تعز، منذ مساء الأربعاء وحتى اليوم الخميس، تصعيداً واسعاً مع شن جماعة “الحوثي” الموالية لطهران، هجمات متزامنة على محاور عدة، رافقها قصف مدفعي وصاروخي، فيما أعلنت القوات الحكومية والمقاومة الشعبية، صد الهجمات في مناطق متفرقة، من بينها سامع وجبل حبشي ومقبنة وحيفان.

ووفق مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي، تواجه مؤسسة المياه انقطاع إمدادات شهرية تبلغ 65 ألف لتر من الديزل، بما يعادل نحو 72 في المئة من احتياجاتها التشغيلية، وهو ما يهدد انتظام ضخ المياه إلى الأحياء السكنية. 

كما حذر محافظ تعز نبيل شمسان، من تداعيات منع نقل القمامة إلى المقلب، وفق ما ذكره خلال مؤتمر صحفي للسلطة المحلية، ما يضيف مخاطر بيئية وصحية إلى أزمة المياه والغذاء والوقود. 

وتتزايد المخاوف مع التحركات العسكرية في منطقة الضباب غربي المدينة، حيث توجد آبار تمثل مصدراً مهماً للمياه. 

وفي القطاع الصحي، حذر مكتب الصحة والسكان في تعز من أن استمرار الأزمة، يهدد حياة نحو 1500 شخص من مرضى الفشل الكلوي وأطفال الحضانات ومرضى العناية المركزة. 

وأعلنت وزارة الصحة في الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً اقتراب نفاد الأدوية والمحاليل والمستلزمات الطبية والوقود المخصص للمرافق الصحية، محذرة من احتمال توقف خدمات الطوارئ والعناية المركزة وغسيل الكلى وحضانات الأطفال. 

وفي بيان صدر الاثنين، دعا أطباء يمنيون في المهجر، إلى فتح الطرق وتأمين مرور المرضى وسيارات الإسعاف والطواقم الطبية، وضمان وصول الإمدادات المنقذة للحياة، مطالبين الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية واللجنة الدولية للصليب الأحمر والمنظمات الإنسانية بالتدخل العاجل. 

وتزداد خطورة هذه التحذيرات لأن الخدمات المهددة ترتبط بحالات لا تحتمل تأخير العلاج، فيما تواجه المستشفيات ضغطاً إضافياً جراء الإصابات الناجمة عن المواجهات.

وقالت اللجنة الدولية للصليب الأحمر إن المرافق الصحية في مأرب وتعز وساحل البحر الأحمر تتحمل أعباء متزايدة من الجرحى، مشيرة إلى أن بعض المستشفيات الواقعة على خطوط المواجهة، استقبلت أكثر من 700 جريح خلال أسبوع واحد. 

وبحسب تقرير لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية صدر الثلاثاء، تحققت المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان من مقتل 54 مدنياً على الأقل في اليمن، نصفهم من الأطفال، وإصابة أكثر من 171 آخرين، بينهم 107 من النساء والأطفال، خلال الفترة من 1 آب/ أغسطس إلى 12 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري.  

المواجهات توسع دائرة المتضررين  

تتزامن الأزمة المعيشية مع اتساع المواجهات في أرياف تعز ومحيط المدينة، وسط تقارير عن سقوط قتلى وجرحى مدنيين، بينهم نساء وأطفال، وتضرر منازل ونزوح أسر من مناطق القتال. 

وذكر مكتب حقوق الإنسان في تعز مقتل خمسة مواطنين وإصابة آخرين في أرياف المحافظة، فيما قٌتلت طفلة تبلغ خمس سنوات، تٌدعى أحلام عبد السلام، جراء قصف استهدف منزل أسرتها في منطقة حصبان بمديرية المسراخ. 

كما أفادت تقارير محلية بإصابة ستة من كبار السن وخمس نساء وستة أطفال، وتضرر سبعة منازل جراء قصف طال المدينة. 

وفي حادثة أخرى، قٌتل مدنيان اليوم الأربعاء، أحدهما طفل، إثر سقوط قذيفة على قرية “عاد” في قمة صبر جنوب المدينة، بحسب المعلومات الواردة. 

وأدت المخاطر الأمنية إلى صعوبة وصول السكان إلى بعض المناطق المتضررة، فيما تحدثت شهادات محلية عن جثامين تعذر انتشالها من الوديان والشعاب بسبب استمرار المواجهات. 

وأفادت اللجنة الدولية للصليب الأحمر بتلقي أكثر من 1800 طلب للبحث عن مفقودين منذ تموز/ يوليو الماضي، وفق بيان نشرته في 8 تشرين الأول/ أكتوبر. 

وامتدت تداعيات التصعيد إلى التعليم، إذ أعلنت السلطات التعليمية في تعز تعليق الدراسة في المدارس والجامعات، بالتزامن مع إجراءات مماثلة شملت مؤسسات تعليمية في مديريات خاضعة لسيطرة جماعة “الحوثي”. 

ويضيف هذا التعطيل عبئاً جديداً على الأسر والطلاب، في ظل تراجع فرص العمل وصعوبة التنقل وتضرر الأنشطة التجارية.  

دعوات لفتح الطرق وتدخل إنساني عاجل  

خلال مؤتمر صحفي الأربعاء، قال محافظ تعز نبيل شمسان، إن المدينة تواجه ما وصفه بـ”أكبر كارثة إنسانية في تاريخها”، مشيراً إلى حرمان آلاف الأسر من الغذاء والدواء والوقود والمياه، واستمرار القصف على الأحياء السكنية.

اشتدت المواجهات على جبهات عدة في محافظة تعز، اليوم الأحد، بالتزامن مع تكثيف الغارات الجوية على مواقع وتعزيزات جماعة “الحوثي” الموالية لطهران، في ظل تصعيد عسكري واسع، تشهده مناطق متفرقة في اليمن.

وحملت السلطة المحلية جماعة “الحوثي” مسؤولية الحصار والتصعيد، ودعت المجتمع الدولي إلى التحرك لفتح المنافذ وتأمين وصول الاحتياجات الأساسية. 

كما حذر مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي من تفاقم أزمة الغذاء والوقود والمياه، مطالباً بفتح ممر تجاري وإنساني آمن، واستئناف إمدادات الديزل لمرافق المياه والصحة، ومراقبة المخزون والأسعار. 

وفي السياق نفسه، ناشدت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل المنظمات الدولية والإقليمية تكثيف الاستجابة الإنسانية، وتوفير المساعدات الغذائية والصحية والإيوائية والمياه، مع إعطاء الأولوية للأطفال والنساء وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة والأسر الفقيرة. 

وحذر محافظ الجوف حسين العواضي، من أن انكسار تعز ستكون له تداعيات تتجاوز حدود المحافظة، بالنظر إلى موقعها في التوازنات السياسية والاجتماعية المرتبطة بمستقبل الجمهورية اليمنية. 

ورغم تفاقم الأوضاع، تتمسك قطاعات من سكان تعز بالصمود ورفض الخضوع للحصار. 

وقال ناشطون في تعز، إن الضغوط المعيشية والقصف لن يكسرا إرادة أبناء المدينة، فيما دعا رئيس المكتب التنفيذي للتجمع اليمني للإصلاح في المحافظة، عبد الحافظ الفقيه، إلى مساندة القوات الحكومية والمقاومة الشعبية. 

لكن الصمود وحده لا يعالج نقص الغذاء والوقود، ولا يضمن استمرار ضخ المياه أو بقاء المستشفيات قادرة على تقديم خدماتها. 

وفي ظل محدودية المخزون وصعوبة تعويضه، يصبح فتح طرق الإمداد وتأمين مرور الغذاء والدواء والوقود والمياه أولوية عاجلة، إلى جانب حماية المدنيين والمرافق الصحية وتسهيل وصول المرضى وفرق الإغاثة.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم