إسرائيل تقتل سورياً من ذوي الهمم.. ما علاقة مراكز الاقتراع الميدانية بالتصعيد؟

الجيش الإسرائيلي

أثار مقتل مواطن سوري من ذوي الاحتياجات الخاصة برصاص القوات الإسرائيلية خلال توغلها في قرية جملة بريف درعا الغربي، بالتزامن مع الكشف عن تجهيز مراكز اقتراع لجنود إسرائيليين في تسعة مواقع عسكرية داخل الأراضي السورية، تساؤلات جديدة بشأن اتساع الوجود العسكري الإسرائيلي في الجنوب السوري وتداعياته على المدنيين والسيادة السورية.

وبحسب ما نقلته وسائل إعلام سورية عن الدفاع المدني السوري ومديرية الصحة في درعا، دخلت قوات إسرائيلية إلى الحارة الشرقية من قرية جملة، ونشرت قناصة على أسطح المنازل بالتزامن مع تحركات عسكرية في المنطقة.

توغل في جملة ينتهي بمقتل مدني

أفادت التقارير بمقتل شاب من ذوي الاحتياجات الخاصة جراء إصابته بطلق ناري في البطن، فيما أعلن الدفاع المدني تلقي بلاغ عن وجود جثمانه عند السياج الحدودي، بعد أن نقلته القوات الإسرائيلية إلى الموقع، وفق روايته.

وتأتي الحادثة في سياق توغلات إسرائيلية متكررة في جنوب سوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024، وما أعقب ذلك من سيطرة إسرائيل على المنطقة العازلة وتوسيع انتشارها العسكري في مناطق سورية مجاورة.

الشخص الذي فارق الحياة – الصفحة الرسمية للدفاع المدني السوري

وفي تطور متصل، كشفت وكالة الأنباء الإيطالية “أنسا”، الأربعاء، أن الجيش الإسرائيلي بدأ تشغيل مراكز اقتراع عسكرية في قواعد ومواقع ينتشر فيها جنوده، بما يشمل سوريا ولبنان وقطاع غزة، استعداداً للانتخابات الإسرائيلية المقررة في تشرين الأول/ أكتوبر الجاري.

ونقلت الوكالة عن الجيش الإسرائيلي أنه جهز نحو 850 مركز اقتراع عسكرياً، بينها مراكز متنقلة تمثل قرابة ربع العدد الإجمالي، لتسهيل تصويت الجنود المنتشرين في مواقع يصعب الوصول إليها. وتشمل الترتيبات تسعة مواقع عسكرية إسرائيلية داخل الأراضي السورية، وفق الإعلان الذي نقلته الوكالة.

تحقيق أسترالي يرصد توسع القواعد الإسرائيلية

تكتسب هذه الخطوة دلالة إضافية في ظل استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي السورية، إذ تعكس ترتيبات انتخابية عملية لتنظيم مشاركة الجنود المتمركزين خارج الحدود الإسرائيلية، وإن كانت لا تكفي وحدها للاستنتاج بأن هذا الوجود سيصبح دائماً أو أن التصويت يمثل تغييراً قانونياً في وضع الأراضي السورية.

في تحقيق نشرته هيئة الإذاعة الأسترالية “ABC”، أمس، استناداً إلى صور الأقمار الصناعية والخرائط والوثائق الحكومية ومقابلات مع سكان المناطق المتأثرة، رُصدت تسع قواعد عسكرية إسرائيلية في المنطقة، بينها ثلاث تقع شرق خط برافو، أي داخل الأراضي السورية خارج المنطقة العازلة التي حددها اتفاق فصل القوات لعام 1974. ولا تتوافر معطيات تثبت أن هذه القواعد التسع هي نفسها المواقع التسعة التي أعلن الجيش الإسرائيلي تجهيز مراكز اقتراع فيها، رغم تطابق العدد.

ورصد التحقيق الأسترالي أعمال تحصين وتوسعاً في البنية العسكرية الإسرائيلية، شملت حفر خندق بعرض خمسة أمتار بدأت أعماله في آب/ أغسطس 2024، قبل أن تمتد الحفريات إلى داخل المنطقة العازلة بعد سقوط النظام السابق، وفق تحليل صور الأقمار الصناعية.

 كما أشار إلى إنشاء مواقع عسكرية جديدة داخل المنطقة وخارجها، فيما اكتفى الجيش الإسرائيلي، رداً على استفسارات الهيئة، بالقول إن عملياته في جنوب سوريا تهدف إلى حماية إسرائيل وسكانها، من دون تقديم تفسير محدد لأسباب حفر الخندق.

أكثر من ألف بلاغ عن توغلات إسرائيلية

تكشف الأرقام التي أوردها التحقيق عن اتساع نطاق التحركات البرية الإسرائيلية؛ إذ سجل مشروع رصد مواقع النزاعات المسلحة وأحداثها “ACLED” أكثر من 1060 بلاغاً عن توغلات برية إسرائيلية داخل سوريا، منذ سقوط نظام الأسد وحتى منتصف آب الماضي، وأوضح التحقيق أن هذه الحصيلة تمثل البلاغات التي جمعها المشروع، ولا تعني بالضرورة عدد عمليات مستقلة جرى التحقق من جميع تفاصيلها.

وتتقاطع هذه المؤشرات مع تقرير للشبكة السورية لحقوق الإنسان صدر في 8 تشرين الأول الجاري، وثّق ما لا يقل عن 453 عملية توغل بري إسرائيلي داخل الأراضي السورية، ومقتل 69 شخصاً، فضلاً عن 162 حالة احتجاز تعسفي، خلال الفترة الممتدة من 8 كانون الأول 2024  إلى 6  تشرين الأول 2026 وأوضحت الشبكة أن هذه الأرقام تمثل الحد الأدنى للحالات التي وثقتها وفق منهجيتها، اعتماداً على قاعدة بياناتها والرصد الميداني وشهادات الشهود والمصادر المفتوحة والرسمية.

التوغل الإسرائيلي في سوريا- إنترنت

ولا تقتصر تداعيات التوغلات على الوجود العسكري، بل تمتد إلى حياة السكان ومصادر رزقهم،  ونقل تحقيق “ABC” شهادات من قرية عابدين جنوبي سوريا، تحدث أصحابها عن عمليات تفتيش وقيود على الحركة وأضرار لحقت بأراضٍ زراعية.

كما تناول واقعة إطلاق النار على طاقم إعلامي سوري خلال تغطيته توغلاً إسرائيلياً في حزيران الماضي؛ إذ قال الصحفيون إن القوات الإسرائيلية أطلقت النار باتجاههم، بينما أفاد الجيش الإسرائيلي بأنه رد على إطلاق نار تعرض له جنوده، ولم يحسم التحقيق بصورة مستقلة الروايتين المتعارضتين.

اتفاق 1974 تحت ضغط التوسع العسكري الإسرائيلي

يعيد اتفاق فصل القوات لعام 1974 هذه التطورات إلى إطارها القانوني والسياسي؛ إذ ينظم الاتفاق خطوط الفصل والمنطقة العازلة التي تشرف عليها قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك “أندوف”.

ويشير التحقيق الأسترالي إلى أن توسيع التحصينات والمواقع العسكرية الإسرائيلية تجاوز المنطقة العازلة إلى أجزاء من الأراضي السورية الواقعة شرق خط برافو، ما يثير مخاوف بشأن تقويض ترتيبات الفصل القائمة منذ عقود.

وبين مقتل مدني في جملة، واستمرار التوغلات والتحصينات، وتجهيز مراكز اقتراع لجنود إسرائيليين في مواقع داخل سوريا، تتزايد المؤشرات على ترسخ الوجود العسكري الإسرائيلي في الجنوب.

 وبينما تبرر إسرائيل تحركاتها باعتبارات أمنية، تطرح الوقائع الميدانية تساؤلات بشأن نطاق هذا الوجود ومدته، وتداعياته على السكان والسيادة السورية، في ظل غياب مؤشرات واضحة على انسحاب قريب وعودة كاملة إلى ترتيبات اتفاق فصل القوات لعام 1974.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم