155 طناً من الشاي الإيراني ظلت في مستودعات المؤسسة السورية للتجارة منذ عام 2018، إلى جانب مواد متقادمة وأخرى غير صالحة للاستهلاك، وسلع فقدت جزءاً كبيراً من قيمتها السوقية، وديون بمئات المليارات، وفق ما كشفه معاون وزير الاقتصاد والصناعة ماهر خليل الحسن في تصريحات حديثة.
وتعيد هذه الوقائع فتح ملف مؤسسة حكومية يفترض أن تؤدي دوراً في تأمين السلع الأساسية وتعزيز المنافسة، لكنها تواجه اليوم تحدياً مزدوجاً يتمثل في معالجة إرثها المالي والإداري، وإثبات قدرتها على استعادة دورها في السوق السورية.
من تركة الديون إلى اختبار الإصلاح
في مواجهة هذه التركة، تتجه الحكومة إلى إعادة تنظيم عمل المؤسسة عبر شركة سورية تتولى تشغيل مئات الصالات في مختلف المحافظات، ضمن مشروع يستهدف توحيد هوية منافذ البيع، وتقريب مستويات الجودة والأسعار، وتأمين مخزون من السلع الأساسية، بما يسمح بالتدخل عند الأزمات واضطراب سلاسل الإمداد.
لكن الانتقال من مؤسسة مثقلة بالالتزامات إلى شبكة تجارية قادرة على التأثير في السوق لا يتوقف على تغيير الإدارة أو تحديث واجهات المتاجر، بل يرتبط بمدى نجاح الإصلاح في معالجة الديون، ومحاسبة المسؤولين عن التجاوزات المثبتة، وإرساء قواعد شفافة لإدارة الأصول والمشتريات والمخزون.

وتكشف تفاصيل الوضع الذي واجهته الإدارة الجديدة حجم التعقيدات المتراكمة، فبحسب الحسن، لم تقتصر المشكلات على بضائع بقيت في المستودعات سنوات طويلة، وإنما شملت أيضاً التزامات مالية مع تجار وجهات عامة، وديوناً بمئات المليارات، وصفقات قال إنها شابتها شبهات فساد.
كما أشار إلى أن المؤسسة كانت تدير أكثر من 1200 موقع بين صالات ومستودعات ومحال ومنشآت، ما يجعل إعادة ترتيب أوضاعها عملية واسعة تتطلب تدقيقاً في العقود والمخزون والمستحقات والحقوق المالية.
بضائع راكدة.. وتسويات مؤجلة
بحسب الحسن، اتجهت الإدارة الجديدة إلى وقف بعض الأنشطة مؤقتاً لإعادة تنظيم المستودعات ومراجعة الالتزامات المالية، مع إتاحة المجال أمام بعض التجار لاستعادة بضائعهم بدلاً من انتظار تسوية مستحقاتهم.
كانت الوزارة قد أعلنت في نهاية عام 2024 توجهها إلى معالجة حقوق المتعاقدين تدريجياً، بما في ذلك السماح باسترداد البضائع بعد إعادة تقييمها وفق أسعار السوق، أو الانتظار إلى حين توافر السيولة اللازمة للسداد.
ويبرز ذلك حجم التشابك بين الأصول الموجودة فعلياً لدى المؤسسة والديون المستحقة عليها، وما يتطلبه فك هذا التشابك من تسويات موثقة لا تضر بحقوق الدائنين أو بالمال العام، أما إعادة التشغيل، فتقوم على نموذج يجمع بين الاستثمار الخاص والإبقاء على دور المؤسسة في التدخل بالسوق.
500 صالة في رهان على الاستثمار
ووفق ما أعلنته وكالة الأنباء السورية “سانا” في نيسان/ أبريل الماضي، تتضمن خطة إعادة الهيكلة تشغيل أكثر من 500 صالة عبر الاستثمار، إلى جانب تطوير شبكة تضم نحو 440 منفذ بيع بهوية موحدة، في إطار مسعى للانتقال من الخسارة إلى الربحية وتحسين استثمار الأصول الحكومية.
وفي أحدث التصريحات، تحدث الحسن عن إطلاق شركة سورية جديدة تتولى تشغيل أكثر من 500 صالة، فيما يستهدف المشروع توحيد العلامة التجارية والأصناف ومعايير الجودة والأسعار، ويُفترض أن يتيح هذا النموذج الاستفادة من شبكة التوزيع القائمة، وتوسيع منافذ البيع في المدن والأرياف، مع الاستعانة بالقطاع الخاص في الإدارة والتشغيل بدلاً من تحميل المؤسسة وحدها تكاليف إعادة التأهيل والتطوير.

لكن نجاح الشراكة سيظل مرتبطاً بشروطها المالية والتشغيلية، ومدى وضوح توزيع المسؤوليات بين المؤسسة والشركة المشغلة، وآليات تحديد الأسعار ومراقبة الجودة، فضلاً عن ضمان عدم تحول الأصول العامة إلى مجرد مصدر إيرادات استثمارية على حساب الدور الاجتماعي للمؤسسة، فزيادة عدد الصالات لا تعني بالضرورة انخفاض الأسعار، ما لم تقترن بمشتريات مدروسة، ومنافسة فعلية، ورقابة تضمن وصول السلع إلى المستهلك بأسعار مناسبة.
مخزون استراتيجي أم عبء مالي جديد؟
من أبرز التحديات التي تواجه المشروع تعهد الشركة بتأمين مخزون من المواد الأساسية يكفي لأكثر من شهرين، وفق الحسن، بما يسمح باستمرار توفير السلع عند تعطل الإمدادات أو حدوث أزمات خارجية.
كما يُنتظر أن تستخدم الشركة هذا المخزون للتدخل عند ارتفاع الأسعار أو نقص المعروض، وطرح المواد المتاحة وفق الأسعار المعتمدة قبل الأزمة، ضمن حدود الكميات المخزنة.
ويحتاج هذا الدور إلى تمويل مستدام لإعادة شراء السلع وتجديد المخزون، ونظام يحدد الأصناف ذات الأولوية وكميات الاحتفاظ بها وتوقيت طرحها، فضلاً عن رقابة تمنع تكرار حالات التكدس والتلف، فالمخزون الاستراتيجي الذي يُفترض أن يحمي السوق قد يتحول، إذا أسيء تقديره أو تأخر تدويره، إلى عبء مالي جديد على المؤسسة والخزينة العامة.
الشفافية والمحاسبة أولاً
في المقابل، لا يمكن فصل إعادة الهيكلة عن ملف المحاسبة والشفافية، إذ يتطلب استعادة الثقة إعلاناً واضحاً عن حجم الديون الفعلية، وقيمة البضائع المتضررة، ومصير الأصول والعقود القديمة، والإجراءات القانونية المتخذة في الملفات التي تتضمن شبهات فساد، مع التمييز بين المخالفات المثبتة والاتهامات التي لا تزال بحاجة إلى تحقيق، كما أن نشر نتائج دورية عن أداء الصالات والأسعار وحجم المبيعات والمخزون سيتيح تقييم ما إذا كان النموذج الجديد يحقق أهدافه المعلنة.
وبين إرث الديون والبضائع الراكدة وخطة تشغيل مئات الصالات، تقف “السورية للتجارة” أمام اختبار يتجاوز استئناف النشاط التجاري، فالحكومة تراهن على الاستثمار وتوحيد منافذ البيع وتعزيز القدرة على التدخل في السوق، لكن نجاح هذه المقاربة سيُقاس بقدرتها على تسوية الالتزامات القديمة، وحماية المال العام، وتوفير سلع جيدة بأسعار تنافسية، أما الواجهات الجديدة والعلامة الموحدة، فلن تكون كافية وحدها لإنقاذ المؤسسة ما لم ترافقها إصلاحات مالية وإدارية قابلة للقياس والمساءلة.
- عودة “السورية للتجارة”.. هل تنقذها الحكومة من إرث الديون والفساد؟
- اعتقال معراج أورال أثناء محاولته الفرار عبر الحدود.. ما التفاصيل؟
- الإعدام لمتمردين والسجن لعناصر بالدفاع.. مفارقة الأحكام في قضية مجازر الساحل
- غلاء المحروقات والكهرباء يشعل غضب القامشلي.. ومطالب بالتدخل قبل الشتاء
- مؤتمر سوري ألماني يبحث تطوير التعليم في سوريا.. ما النتائج؟

