تخفيض 20% في رسوم الجامعات الخاصة.. هل تتناسب الأسعار الجديدة مع دخول السوريين؟

الجامعات الخاصة

بين حبر القرارات الرسمية ووطأة الواقع المعيشي الخانق، تتسع الفجوة باطراد أمام آلاف الأسر السورية؛ فرغم إعلان مجلس التعليم العالي عن تخفيض سقف أجور الساعات المعتمدة في الجامعات الخاصة بنسب تجاوزت 20 بالمئة، إلا أن الأرقام المطروحة بقيت، في ميزان الدخل والقدرة الشرائية، ضرباً من المستحيل لأغلب المواطنين.

وجاء الإعلان، في إطار ما وصفه المجلس بمراعاة الظروف الاستثنائية للطلبة وذويهم، محدداً حدوداً قصوى لا يجوز للمؤسسات التعليمية الخاصة تجاوزها، مع فتح الباب أمامها لتقديم رسوم أدنى تمنحها مرونة في التسعير وتراعي خصوصية الاختصاصات المتنوعة.

فاتورة جديدة للرسوم

في تبريره لخلفيات القرار، أوضح وزير التعليم العالي مروان الحلبي أن منظومة التعليم الخاص تعد شريكاً رئيساً في مسار التعليم الجامعي، مشيراً إلى أن استمرارية هذه الصروح تتطلب تأمين مستلزمات العملية الأكاديمية وكوادرها وتطوير بنيتها التحتية، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن هذه المتطلبات لا ينبغي أن تتحول إلى أعباء باهظة تُثقل كاهل الطلبة وأولياء أمورهم بما يتجاوز طاقتهم المالية المتاحة.

مجلس التعليم العالي أعلن عن تخفيض سقف أجور الساعات المعتمدة في الجامعات الخاصة بنسب تجاوزت 20 بالمئة- إنترنت

وبموجب التعديلات، حُددت الساعة المعتمدة لكليات الطب البشري بنحو 13 ألف ليرة سورية جديدة، وطب الأسنان بـ 12 ألفاً، والصيدلة بـ 11 ألفاً، فيما استقرت كليات الهندسة عند 9 آلاف ليرة، وبقية التخصصات الجامعية والمعاهد عند حدود 6 آلاف و4 آلاف ليرة على التوالي.

ورغم أن هذه التعديلات عكست تراجعاً مقارنة بما تم رصده في مطلع العام الدراسي لدى جامعات خاصة كبرى مثل القلمون وإيبلا والوادي الدولية، حيث لامست ساعة الطب هناك عتبة 18,300 ليرة لتصل التكلفة الإجمالية لدراسة الطب وحدها إلى ما يقارب 5 ملايين ليرة، فإن هذه التخفيضات النظرية سرعان ما تبددت فاعليتها بمجرد إسقاطها على الواقع الاقتصادي للبلاد.

راتب شهر لساعة واحدة

كان قد كشف تحقيق استقصائي لموقع “الحل نت” تحت عنوان “فاتورة التخرج بالملايين.. كيف حوّلت الجامعات الخاصة التعليم في سوريا إلى امتياز للأثرياء؟”، نشر في 6 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، هذه المفارقة الحادة، والتي تظهر في المقارنة الصادمة مع الحد الأدنى العام للأجور المحدد رسمياً بنحو 12,560 ليرة سورية جديدة شهرياً.

 إذ يجد الموظف الحكومي نفسه مضطراً لتخصيص راتب شهر كامل لسداد قيمة ساعة تدريسية واحدة فقط في كلية الطب، بينما يتطلب تسديد فاتورة التخرج الإجمالية العمل المتواصل لأكثر من ثلاثة عقود دون اقتطاع قرش واحد للطعام أو السكن أو نفقات البقاء الأساسية، وهي معادلة تستحيل قراءتها بعيداً عن أثر التضخم وتآكل العملة.

وفجّرت هذه الفجوة الهائلة موجة من السخط والانتقادات الواسعة على المنصات الرقمية لوزارة التعليم العالي، حيث اعتبر المتابعون أن التخفيضات المعلنة تكتفي بملامسة القشور دون النفاذ إلى جوهر الأزمة، والمتمثل في انهيار القدرة الشرائية وارتفاع نفقات الحياة اليومية من مواصلات وسكن وطاقة ومستلزمات دراسية مرافقة.

مطالب تتجاوز خفض الأسعار

اعتبر معلقون أن التخفيض الشكلي لا يحل الأزمة طالما أن الرقم النهائي لا يزال يغرّد بعيداً عن واقع دخل غالبية السوريين، مشيرين إلى أن التعليم الجامعي الخاص بات بحكم الواقع “امتيازاً حصرياً” لأبناء المسؤولين والتجار وكبار المستثمرين.

ولم تقف ردود الفعل عند حدود الشكوى المالية، بل تحولت إلى صرخات تعبّر عن انسداد الأفق؛ إذ تساءل متفاعلون بمرارة عن جدوى تسعير ساعات دراسية يلامس بعضها ما يعادل مئة دولار أميركي في بلد يعجز فيه المواطن عن تدبير تكاليف الجامعات الحكومية أصلاً.

رسوم أعلى 5 جامعات سورية في 2026- 2027 وفق إعلانها قبل التخفيض- الحل نت

وسخر آخرون من واقع توازي فيه أتعاب شهر كامل من الوظيفة العامة تكلفة محاضرة جامعية عابرة، فيما حذر طلاب ومعلقون من أن هذه الأسعار تحكم على جيل كامل بالحرمان القسري من استكمال دراسته، ليعلن بعضهم صراحة نيتهم التوقف عن متابعة تعليمهم الجامعي بعد أن أغلقت القرارات الأخيرة أبواب الأمل في وجوههم، وطغت تكاليف المعيشة والإقامة على تطلعاتهم الأكاديمية.

وطالب معلقون الوزارة بضرورة مراجعة جذرية للهياكل السعرية، وتوسيع برامج المنح المعفاة والتسهيلات الائتمانية والجامعية، وابتكار خيارات ميسرة تراعي ظروف الطلبة وذويهم في الداخل والمغترب.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم