يواجه الصندوق السيادي السوري اختباراً يتعلق بشفافية إدارة أصول الدولة وقدرته على توظيفها في الاقتصاد، مع إعلان رئيس مجلس إدارته ومستشار الشؤون الاقتصادية لدى رئاسة الجمهورية، عمر سامر الحلبي، إجراء مراجعة أولية خلال 90 يوماً تشمل الأصول والموارد والالتزامات والحوكمة والرقابة، على أن تُعرض نتائجها على الرأي العام.
وبينما تفتح الخطوة الباب أمام إعادة تقييم أداء الصندوق، تتركز التساؤلات حول القيمة الفعلية للأصول ومصادرها، واستقلالية الرقابة، وكيفية تحويل الثروة العامة إلى استثمارات منتجة تدعم فرص العمل وتحسن مستويات المعيشة.
تطوير الصندوق لـ”مؤسسة وطنية”
قال الحلبي، في تصريح تلفزيوني، أمس الخميس، إن أولوية المرحلة المقبلة تتمثل في تطوير الصندوق ليصبح مؤسسة وطنية تُدار وفق أسس مهنية تقوم على الحوكمة والشفافية والمساءلة، مع حماية أصول الدولة وتنميتها وتحقيق عوائد اقتصادية مستدامة. وأوضح أن المراجعة ستشمل علاقة الصندوق بالمنظومة المالية للدولة والموازنة العامة، وآليات إدارة الاستثمارات والعوائد، بالاستفادة من أفضل الممارسات الدولية، معلناً قرب تشكيل مجلس إدارة جديد.
وشدد الحلبي على أن نجاح الصندوق لا يُقاس بحجم الاستثمارات المعلنة، بل بأثرها الفعلي في الاقتصاد، من خلال توفير فرص عمل حقيقية، وزيادة دخول المواطنين، وتحسين قدرتهم الشرائية ومستوى معيشتهم.

وجاءت تصريحاته عقب تعيينه بموجب المرسوم الرئاسي رقم 191 لعام 2026 مستشاراً للشؤون الاقتصادية لدى رئاسة الجمهورية ورئيساً لمجلس إدارة الصندوق، خلفاً لمازن صالحاني الذي انتقل إلى وزارة السياحة، كما يأتي الإعلان عن المراجعة وسط جدل بشأن إدارة الأصول العامة ومستوى الإفصاح عن استثمارات الصندوق والتزاماته.
وتبرز قيمة الأصول بوصفها أحد أبرز الملفات المنتظرة في المراجعة، فقد تداولت وسائل إعلام تقديرات تصل إلى 50 مليار دولار، لكن وزارة المالية السورية نفت أن يكون الوزير محمد يسر برنية قد أعلن رقماً رسمياً لقيمة أصول الصندوق، مؤكدة أن الرقم المتداول لا يستند إلى تصريح أو بيان رسمي صادر عنها.
المراجعة والمحاسبة للمرحلة السابقة
في هذا السياق، يرى الباحث الاقتصادي يونس الكريم أن المراجعة تمثل خطوة مهمة نحو معالجة الانتقادات المتعلقة بالحوكمة والشفافية، لكنها تتطلب تحديد آليات التنفيذ ومعايير التقييم وصلاحيات الجهات المعنية، مشدداً على أن إعادة تشكيل مجلس الإدارة لا ينبغي أن تحل محل مراجعة أداء المجلس السابق وقراراته واستثماراته، وتحديد المسؤوليات عن أي اختلالات محتملة.
كما يثير الكريم تساؤلات بشأن كفاية مدة التسعين يوماً لمراجعة الملفات المالية والقانونية والاستثمارية، داعياً إلى توضيح ما إذا كانت المدة محسوبة بالأيام التقويمية أم أيام العمل، وما إذا كانت المراجعة ستُنفذ داخلياً أم بمشاركة جهات مستقلة متخصصة، حتى تكون النتائج قابلة للقياس والتحقق.
ويمتد هذا التدقيق، بحسب الكريم، إلى مصادر الأصول التي انتقلت إلى الصندوق عبر إجراءات استرداد الأموال والممتلكات، بما يتطلب التحقق من سلامة الإجراءات القانونية وصحة نقل الملكية ودقة التقييم واحتمالات تضارب المصالح، داعياً إلى مراجعة الاتفاقيات والاستثمارات السابقة، للتحقق من جدواها الاقتصادية وشروطها والالتزامات المترتبة عليها، بما يشمل حقوق المستثمرين والعوائد المتوقعة والتزامات الدولة، مع احترام العقود النافذة.
الرقابة وتقييم العقارات في صلب المراجعة
في ملف الرقابة، يشدد الكريم على ضرورة توضيح مدى استقلالية الجهات المدققة، والجهات المخولة بمراجعة القرارات الاستثمارية، وما إذا كانت نتائج التدقيق ستُنشر للرأي العام، موضحاً أن العلاقة بين الصندوق السيادي وصندوق التنمية السوري تحتاج إلى تحديد واضح للاختصاصات، بحيث تنفصل إدارة أصول الدولة وتنميتها عن تمويل المشاريع التنموية، بما يتيح تقييم أداء كل مؤسسة وفق أهداف محددة.
ويعدّ الكريم إعادة تقييم العقارات من أكثر الملفات حساسية، محذراً من أن اعتماد أسعار سوقية مرتفعة متأثرة بالمضاربة قد يرفع القيمة الدفترية للأصول من دون زيادة مماثلة في عوائدها الفعلية، وقد يفاقم تكاليف الاستثمار والسكن إذا استُخدمت هذه التقديرات في تسعير المشاريع والشراكات، وفي المقابل، فإن اعتماد تقييمات منخفضة لا تعكس القيمة العادلة قد يتيح التصرف بأصول عامة بأسعار تقل عن قيمتها الحقيقية.
ويؤكد أن إعادة التقييم المحاسبي لا تعني بحد ذاتها زيادة الناتج المحلي الإجمالي أو خلق ثروة إنتاجية جديدة، لكنه يرى أن نتائجها قد تؤثر في اتجاهات الاستثمار وتوزيع الموارد، داعياً إلى الإفصاح عن تركيب الأصول ومصادرها والتزاماتها وعوائدها، والاستعانة بخبراء مستقلين ومنهجيات تراعي القيمة السوقية والعوائد المتوقعة والاستخدامات الاقتصادية الممكنة.
الثروة الحقيقية
من زاوية توظيف الموارد، يركز الخبير الاقتصادي جورج خزام على ضرورة توجيه أصول الصندوق نحو تحفيز الإنتاج المحلي ومعالجة البطالة، وقال في منشور عبر منصة “فيسبوك”، إن قيمة أصول الصندوق، إذا صحت التقديرات المتداولة بشأن وصولها إلى نحو 50 مليار دولار، تعادل قرابة 20 ضعفاً لحجم الموازنة العامة لعام 2024، المقدرة بنحو 2.5 مليار دولار.
واعتبر خزام أن توظيف أقل من ربع هذا الرقم في التوسع بالقروض العقارية والصناعية والزراعية يمكن أن يسهم في زيادة الإنتاج وبناء المصانع وزراعة الأراضي وإقامة مشاريع سكنية وتشغيل العاطلين عن العمل، إلى جانب تخفيض الطلب على الدولار.
وقال: “كما أقول دائماً إن إدارة الموارد أهم من الموارد نفسها لأن ما يفتقر له الاقتصاد السوري وجود فكر بنّاء في مراكز اتخاذ القرار بالشأن الاقتصادي يؤمن بالإنتاج لا بالاستيراد ليقود الاقتصاد بحكمة ومنطق علمي للخروج من دوامة الفقر والبطالة”.
لكن توظيف الأصول في الإقراض والاستثمار يرتبط أولاً بمعرفة طبيعتها وقيمتها الفعلية ومدى توافر السيولة اللازمة لذلك؛ فالقيمة الإجمالية للأصول لا تعني بالضرورة امتلاك الصندوق أموالاً نقدية متاحة للإقراض، إذ قد تشمل عقارات وشركات وحصصاً استثمارية والتزامات تحتاج إلى تقييم قبل تحديد ما يمكن توظيفه، ومن ثم، يتطلب تحويل هذه الأصول إلى تمويل منتج تحديد المخاطر وشروط التمويل والعوائد المتوقعة، وضمان حماية حقوق الدولة.
من قيمة الأصول إلى أثرها في الاقتصاد
تتقاطع مطالب الكريم بشأن الحوكمة مع دعوة خزام إلى دعم الإنتاج عند ضرورة ربط إدارة الثروة العامة بأهداف اقتصادية قابلة للقياس، فالإفصاح عن قيمة الأصول أو الإعلان عن استثمارات جديدة لا يكفي وحده لإثبات نجاح الصندوق، ما لم تُنشر بيانات توضح الاستثمارات الفعلية وعوائدها والتزاماتها وأثرها في فرص العمل والدخل.
وبذلك، تتجه الأنظار إلى نتائج مراجعة التسعين يوماً، وما ستكشفه عن مكونات الأصول ومصادرها وآليات إدارتها والرقابة عليها، ويبقى الاختبار الأساسي هو قدرة الصندوق على حماية الثروة العامة وتنميتها وتحويلها إلى استثمارات منتجة تدعم النشاط الاقتصادي وتحسن معيشة السوريين، ضمن منظومة واضحة من الشفافية والمساءلة، بحيث تُقاس النتائج بالمنفعة الاقتصادية الفعلية لا بالقيمة الدفترية للأصول وحدها.
- 90 يوماً لكشف حساب “الصندوق السيادي السوري”.. أين تذهب أصول الدولة؟
- اتحاد الطلبة الوطنيين السوريين يطالب بتخفيف أعباء النقل وسط ارتفاع الأجور
- التوغلات الإسرائيلية وعملية رنكوس تشعلان الاحتجاجات في سوريا.. مطالب بالحماية والمحاسبة
- التحالف يعترض صاروخاً باليستياً باتجاه الرياض ومسيّرتين نحو جنوب السعودية
- مازوت حلب في دوامة الانقطاع.. لماذا تتبدد انفراجة التوريدات؟

