الكرة الفرنسية من غربة “السيتيه” إلى أوهام “الأكاديمية”

الكرة الفرنسية من غربة “السيتيه” إلى أوهام “الأكاديمية”

مع عودة مسابقة كأس العالم، بنسختها الثانية والعشرين في قطر، يعود الانقسام بين متذوّقي اللعبة الشعبية حول هويّة البطل ومستوى البطولة والفرق المشاركة، ويعود أيضا الحديث المتكرّر عن منتخبات تاريخية، طبعت البطولة الأولى عالميا، التي تتوّج منتخبا وحيدا على عرش العالم. من بين تلك المنتخبات، يتصدّر المنتخب الفرنسي، بطل النسخة الماضية من المونديال في روسيا 2018، حديث الميديا ونقاشات المحلّلين وآراء المتابعين لهذا الحدث الكبير.


واذا كانت معظم النقاشات تتناول منتخب المدرب ديديه ديشان، الطامح إلى نجمة ثالثة في سجلّ بلاده، من منطلقات رياضية بحتة، ترتبط بحجم الآمال المعلّقة على مواهب شبابية رائعة في المنتخب، وأسماء فذّة، يتقدّمها كيليان مبابي وكريم بنزيما، فالحديث عن المنتخب الفرنسي بشكل خاص قد يتشعّب إلى ما يتجاوز الرياضة بمفهومها الصريح، بوصفها نشاطا جسديا ومهاريا وتقنيا، إلى الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية.


المنتخب الوطني، أيا كانت إنجازاته، “مشكلة” و”فرصة” دائماً لفرنسا. مشكلة تثير كثيرا من الصراعات والسجالات عن القضايا الأكثر إشكالية في المجتمع الفرنسي؛ وفرصة، في عرف البعض، لتجاوز تلك المشكلات، وتحقيق نجاحات على مستوى الخطاب السياسي والاندماج الاجتماعي. كثير من الباحثين سعوا للتنقيب في الجذور السوسيولوجية لكرة القدم الفرنسية، ومنتخبها الوطني، منذ بداية القرن الماضي. وطرحوا أسئلة مهمة: كيف يمكن فهم العلاقة بين تلك الرياضة، والأثر الذي خلّفته وقائع الصراع الطبقي وموجات الهجرة في البلاد؟ وكيف يمكن استنباط وتفكيك مركّب الهوية، لدى طيف واسع من اللاعبين في “فرنسا الملوّنة”؟ وما العوامل المؤسِّسة لنجاحات وفشل سياسات الاندماج الاجتماعي، التي يعتبر المنتخب الفرنسي الحالي، حسب ادعاء كثيرين، تجسيدا لها؟

من طبقية الإنجليز إلى وطنية الفرنسيين

شكّل السؤال عن المسألة الوطنية والقومية وارتباطها بالرياضة مسار جدل كبير لدى علماء الاجتماع، الذين عمدوا إلى تفكيك الكيانات الجماعية، وإعادة طرح العلاقات الاجتماعية بين الافراد للتدليل على أنّ قيام “أمّة”، يستند إلى شرط العلاقة الاجتماعية المبنيّة على الاحساس بالانتماء لجماعة معيّنة. هذه المنطلقات، التي عبّر عنها ماكس ڤيبر، واستعادها بنيديكت اندرسون بعد عقود سبعة، تبنّت مقاربة سوسيولوجية توفيقية، تجمع بين تصوّر كلّي وآخر فردي، منحت تحليل الظاهرة الرياضية بعده الناقص.

ركّزت تلك الابحاث على شرط أوّلي جسديّ، يجعل من حركة الجسد ومفاعيلها منشأً للوصول إلى مستويات سلوكية، تتعلّق بالتطبّع والتأقلم الاجتماعي. يليه شرط ثاني، حضاري فرجوي، يتعلّق بما هو مرئي وظاهر من الممارسة الرياضية.


للحديث عن علاقة كرة القدم بتشكّل الهوية الوطنية، لا بدّ من العودة حتما إلى منتصف القرن التاسع عشر، ودخول المجتمعات البريطانية عصر تقدم الثورة الصناعية والحداثة الليبرالية، حين كانت كرة القدم تقتصر على طبقة معيّنة من النخبة، مثل المتعهّدين والمهندسين وأصحاب المشاريع التجارية والصناعية. إلا أنها امتدت فيما بعد إلى الطبقات الأدنى. وكان لهذا التمدّد والتطوّر دور كبير في بناء الهوية العمّالية الأوروبية، من خلال تشكّل متخيّل جماعي خاصّ بتلك الطبقة، وممارستها الرياضية. فأخذت اللعبة طابعا شعبيا في النصف الاول من القرن الماضي، مع ظهور نشاطات محلّية ومسابقات خاصة في بريطانيا، اقترنت بمناسبات لها طابع سياسي، مثل  النشاطات التي نظّمها حزب العمال البريطاني، في عهد رئيسه ورئيس وزراء البلاد آنذاك كليمنت أتلي.

أصبح النادي المحلّي في بريطانيا مدماكا لترسيخ الهوية العمالية، شأنه شأن النقابة أو الحزب السياسي، وقد ساعدت الظروف التاريخية في تكوين تلك الحالة، إذ كانت الاغلبية الساحقة من البريطانيين تصنّف ضمن الطبقة العاملة في نهاية القرن التاسع عشر. وهذا ما سرّع تأسيس عديد من الأندية، داخل المساحة المحلّية، في أطر اجتماعية وأهلية وطبقية، بعيدا عن المعايير القومية والوطنية. وأبرز مثال على ذلك تأسيس أندية تشيلسي وتوتنهام في أحياء لندن البرجوازية، مقابل أندية أرسنال وفولهام وتشارلتون وويستهام في الأحياء العمالية. وبالرغم من تلاشي هذا الانقسام الطبقي مع الوقت، لأسباب كثيرة وعديدة، فإنّ تلك البداية ساعدت في تشكيل ذاكرة جماعية، وأسّست لـ”إحساس بالانتماء” لدى الاجيال اللاحقة.


هذه السيطرة الإنجليزية الاوّلية في عالم الكرة ما لبست أن تحوّلت إلى عائق أمام مأسسة اللعبة. وإذا كان الفضل الأكبر يعود للإنجليز في اختراع الفعل الرياضي وممارسته، فإنّ الفرنسيين كانوا السبّاقين في مأسسة اللعبة وتأطيرها في بنى أكاديمية، ترعى القوانين اللازمة لتطبيقها، وتحسين شروط تحقيقها. فكرة الفيفا انطلقت مثلًا مع الصحافي الفرنسي روبير غيران سنة 1904. ومثلها كأس العالم، بنسخته الاولى سنة 1930، وهو فكرة جول ريميه، رئيس الاتحاد الفرنسي لكرة القدم، الذي ظلّ الكأس يحمل اسمه حتى عام 1970.  أمّا كأس الامم الاوروبية فقد كان فكرة الحكم الفرنسي هنري ديلوناي، أوّل شخص يطرح إمكانية قيام مسابقة أوروبية دولية. رغم كل هذا فإن كرة القدم ظلت في فرنسا نفسها لعبة هامشية، تمّ استيرادها عبر الحدود، وإخضاعها لحركة الإنجليز والاسكتلنديين في باريس؛ والسويسريين في مرسيليا. على خلاف كرة القدم في إنجلترا وألمانيا، حيث كانت الكرة لعبة الطبقة العاملة الأولى.  

النخبة الاجنبية وبحر المهاجرين

بعد تأسيس الاتحاد الفرنسي لكرة القدم سنة 1919، بدأت الاندية المحلّية تفكّر في كيفية استقطاب لاعبين أجانب في دوريات معروفة. بادئ الأمر كان الاعتماد منصبّا على اللاعبين البريطانيين، ثمّ تحوّل الاهتمام إلى لاعبين محترفين في دول أوروبا الوسطى وأميركا اللاتينية. بلغت نسبة اللاعبين الأجانب في صفوف الاندية الفرنسية المحلّية، مطلع الثلاثينات، حوالي خمسة وثلاثين بالمئة، وكان معظم المحترفين يحصلون بسهولة على الجنسية الفرنسية، مثل الحارس النمساوي رودي هايدن، ومواطنه أوغست جوردان، اللذين لعبا للمنتخب الفرنسي الأوّل.


سنة 1931، أصبح راوول ديان، نجل النائب السنغالي بليز ديان، أول لاعب أسود يرتدي قميص المنتخب الفرنسي. انضم إليه في تلك الفترة العربي بن مبارك، نجم مرسيليا وأتلتيكو مدريد من أصول مغربية، الذي أطلق عليه الفرنسيون لقب “الجوهرة السوداء”، طيلة فترة لعبه مع المنتخب الفرنسي بين سنتي 1938 و1954.


عرفت فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية انفتاح الكرة الفرنسية على استقطاب لاعبين من مستعمرات الشمال الافريقي، أبرزهم نجما ناديي موناكو وسانت-اتيان مصطفى زيتوني ورشيد مخلوفي، إضافة إلى توافد لاعبين من أفريقيا السوداء، على رأسهم الكاميروني زتشاري نواه، الذي لعب مع نادي العاصمة الباريسية، وفاز بكأس فرنسا مع نادي سيدان سنة 1961.


لكن أبرز ما سجّلته الكرة الفرنسية في الخمسينات هو طفرة اللاعبين المهاجرين البولنديين، وعلى رأسهم رايموند كوبا، نجم ريال مدريد والمنتخب الفرنسي، وماريان ويزنسكي، اللذين قادا “الزرق” إلى المركز الثالث في نهائيات كأس العالم 1958. عندما نتحدّث عن رايموند كوبا، فنحن نتحدّث عن صبي ولد لعائلة بولندية فقيرة مهاجرة، يعمل جلّ أفرادها في المناجم الفرنسية، شأنهم شأن معظم المهاجرين البولنديين آنذاك. عانى كوبا كثيرا في سنوات المدرسة الاعدادية، وتعرّض للسخرية بسبب عدم اتقانه اللغة الفرنسية، وحين وجد نفسه يصنع إنجازات نادي ستاد رانس مطلع الخمسينات، تم تطويبه كبطل قومي في فرنسا.


حالة كوبا تشبه حالة كثير من اللاعبين الآخرين من أصول مهاجرة، مثل ميشيل بلاتيني (أصول إيطالية)، وجان تيغانا (مالية)، ولويس فرنانديز (إسبانية). يروي الأخير، في وثائقي أعدّه النجم الفرنسي أريك كانتونا سنة 2014، تحت عنوان “كرة القدم والهجرة : مئة عام من الحكاية المشتركة”، حادثة تدلّل على العلاقة الغريبة والمركّبة، بين لاعب فرنسي من أبناء المهاجرين ووطنه الجديد الذي يرتدي قميصه من جهة؛ وبين جمهور هذا “الوطن”، الذي ينظر إليه نظرة مزدوجة من جهة أخرى. يقول فرنانديز إنّه كان يتحضّر ليركل ضربة الجزاء الأخيرة، في مباراة الدور ربع النهائي من كأس العالم 82 ضد البرازيل، وكانت تلك الركلة ستحسم المباراة، والعبور إلى الدور النصف نهائي. “كنتُ أفكّر بيني وبين نفسي، وأقول إنّني اذا أهدرت الركلة وخسرنا، سيقولون إنّ الاسباني فرنانديز حرمنا من الفوز، وإذا سجّلت وعبرنا، سيقال إنّ فرنانديز أصبح رمزا لجيل المدرب هيدالغو التاريخي”.


في حديث عابر عن كأس العالم 98، الذي فاز به منتخب فرنسا بشعار «BBB»، الذي يعني Black Blanc Beur، أي “أسود، أبيض، عربي”، والذي لاقى عدائية كبيرة من عتاة القومية الفرنسية واليمين المتطرّف، عبّر عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو عن العلاقة بين الرياضة وعلم الاجتماع بقوله: “من الصعب جدا الحديث عن الرياضة بشكل علمي. لكلّ منّا قصّته الذاتية، وكلّ واحد فينا لديه شيء يقوله في هذا الصدد، يعتقد أنّه ذكي وصائب”. أراد بورديو التصويب على الحملات العنصرية، التي طالت لاعبي المنتخب من أصول أفريقية وعربية، بوصفها تعبيرا صارخا عن شوفينية قاتلة، لكنّه في الوقت عينه أراد وضع الردود على تلك الحملات على بساط البحث، وتعريتها من سرديات المغالاة في تقديم الأصل واللون والعرق، بوصفها مركبّات أوّلية، على حساب الانتماء الناتج عن قيم المواطنة والتشارك الاهلي. وخلص إلى ضرورة البحث عن إطار تاريخي-اجتماعي لكرة القدم الفرنسية، من أجل فهم أفضل لظاهرة المنتخب الفرنسي، ونجاحاته وإخفاقاته.

رأس زيدان وما بعده

“رأسه الذي وحّد البلاد”، هذا شعار احتلّ جادة الشانزيليزيه الباريسية الشهيرة، ورُفع أعلى قوس النصر في العاصمة الفرنسية، في اليوم التالي لفوز المنتخب الفرنسي بكأس العالم 98. شعار يوجّه تحية لرأس زين الدين زيدان، المولود في فرنسا لأبوين جزائريين من القبائل، تعلّم في مدراس الجمهورية، لعب الكرة طفلا في شوارع مرسيليا وأزقّة الـcités، صقل مهارته في أكاديميات ذلك البلد، وجلب له كأس العالم، ويعدّ نفسه فرنسيا قبل أي شيء آخر.

و”السيتيه”la cité  مصطلح فرنسي مُحدث ذي شجون. كان في الأصل يعني المدينة القديمة أو الاحياء القديمة في المدينة. مع الوقت، ومع بداية موجات الهجرة الأولى لفرنسا، بعد نهاية الحقبة الاستعمارية في أفريقيا المغاربية والسوداء، أصبحت كلمة “سيتيه” مرتبطة إلى حد كبير بما يمكن وصفه بـ”نقيض المدينة”. أي أطراف المدينة أو هوامشها، وليس وسطها وعصبها الاقتصادي والسياسي.

ارتبط “السيتيه” إلى حد كبير بـ”سياسة المدينة”، التي انتهجتها لأول مرة حكومات نهاية الخمسينات والستينات، تحت عناوين التنظيم المدني وإزالة العشوائيات والسكن اللائق، لذلك أصبحت على صلة مباشرة بمفهوم الـZUP، اختصار (zone à urbaniser en priorité)، أي المساحات التي تمتلك الاولوية في عمليات التطوير الحضري.

المنتخب الذي قاده زيدان، والذي رفض دعمه زعيم الجبهة الوطنية جان-ماري لوبان آنذاك، بسبب قلة عدد “الفرنسيين البيض” فيه، وطفرة أعداد “المهاجرين السود”، كان يحوي لا عبين قادمين من “السيتيه”، مولودين في فرنسا، فيما أصولهم تعود إلى الجزر البعيدة (كاريمبو، هنري، لاما، تورام) وأفريقيا السوداء (دوساييه، فييرا)، تعرّضوا لانتقادات كبيرة قبل البطولة وخلالها، وكان الغمز دائما من زاوية عدم إنشادهم المارسييز، نشيد البلاد وثورتها الشهيرة. وهي نقطة أثارت جدلا كبيرا، اذ يعلم جميع متابعي المنتخب الفرنسي أنّ ميشيل بلاتيني مثلا لم يحفظ المارسييز، ولم ينشده طيلة فترة لعبه مع المنتخب، ولكنه لم يلقَ انتقادات مثل التي وجّهت للاعبي منتخب 98، ما يحيلنا إلى السؤال عن تَمرحُل موجات الهجرة ومصادرها، والفرق بين تعاطي الفرنسيين مع المهاجرين البيض (من أوروبا الشرقية وإيطاليا وإسبانيا) بوصفهم مهاجري طبقة عاملة، أصولهم مسيحية أو يهودية، وهويتهم أوروبية لا لبس فيها؛ وتعاطيهم مع الموجة الجديدة من المهاجرين، الذين ليسوا عمالا بالمعنى الكلاسيكي، وانتماءاتهم الدينية والثقافية تثير كثيرا من الأسئلة والهواجس.


رغم هذا استطاع “المهاجرون الجدد” أن يحققوا اعترافا شبيبها بما حققته “الطبقة العاملة” قبلهم بعقود، فقد شكّل مونديال 98 انعطافة سياسية كبيرة في تاريخ الجمهورية الخامسة، حتى سُمع وزير الداخلية الاسبق شارل باسكوا، صاحب نظرية “ترهيب الارهابيين” سنة 1986 (التي استعملها ضد الطلاب الجزائريين، أثناء الأحداث التي رافقت قتل الشرطة للطالب مالك أوسكين) ينسب هذا النصر العظيم لأبناء الضواحي المهاجرين، داعيا إلى تحسين شروط الهجرة، وتسهيل معاملات المهاجرين العالقة.


على أنّ صورة الاندماج الإيجابية، التي رافقت مونديال 98، والتي أرادت فرنسا توظيفها على أنّها نجاح لسياسات حكومية، قامت على فكرة سحب المراهقين من ملاعب “السيتيه” بين الأبنية الشاهقة في ضواحي المدن الكبيرة (ليون، مرسيليا ومونبيليه إلى جانب باريس) إلى ملاعب الأكاديميات الكروية، سرعان ما تداعت مطلع الالفية في مشهديات عديدة: مباراة المنتخبين الفرنسي والجزائري في أكتوبر 2001، وأحداث الشغب التي رافقتها، التي أدت لتوتّر بين البلدين. وأعيد على إثرها فتح النقاش حول هوية المشجع مزدوج الجنسية، وكيفية تعاطيه مع الحدث الكروي؛ ومونديال 2002 الكارثي، الذي خرجت فرنسا منه في الدور الأول، وشجّع فيه فرنسيون من أصول سنغالية، أو مزدوجي الجنسية، المنتخب السينغالي، الذي لعب فيه الحاج ضيوف وباب ديوب وهنري كامارا. ونجح بهزيمة المنتخب الفرنسي في المباراة الافتتاحية. في مدينة لانس مثلا، شجّعت الجاليات الافريقية في المقاهي والشوارع منتخب السنغال لسبب رئيسي، هو وجود خمسة لاعبين سنغاليين يلعبون للنادي المحلّي وللمنتخب السنغالي.

في مونديال 2006، الذي أعقب أحداث الضواحي الفرنسية، وفيه أنهى نجم منتخب “فرنسا الملوّنة” زين الدين زيدان مسيرته، بنطحة في صدر المدافع الايطالي ماتيراتزي، سال حبرٌ كثير في الصحف، وقيل كلام عن “لا مسؤولية اللاعب الجزائري المسلم”، لكنّ الالتفاف الكبير حول أسطورة المنتخب، والشخصية المفضّلة لدى الفرنسيين على مدى أربع سنوات (بين عامي 98 و2002) أقفل النقاش مؤقتا، لتعود تلك الندوب مجدّدا مع مونديال 2010، ومهزلة إضراب اللاعبين الفرنسيين في جنوب أفريقيا. تحوّل الحديث يومذاك إلى تقييم للاعبي المنتخب، مشروط ببيئتهم المحلّية الأولى، وتخلّى النقّاد عن مناقشة أصول اللاعبين وأعراقهم وألوانهم، وانساقوا إلى تفكيك وتحليل صلاتهم بما هو متعارف عليه بالـ racaille (حثالات الضواحي). أشارت وزيرة الرياضة روزلين باشلو بالاسم والهوية، في جلسة الجمعية الوطنية الفرنسية، إلى لاعبين محدّدين آنذاك (أنيلكا، ريبيري، وايفرا)، وقالت إنهم “فرنسيون سيئون”.

ثم جاء الحديث عن كوتا اللاعبين “الفرنسيين الأصليين” (Français de souche) ليزيد الطين بلة، ويعتبر الفضيحة الأكبر في تاريخ المنتخب، التي خرجت إلى العلن بعد تسريب موقع “ميديابارت” سنة 2011 لتصريحات على لسان فرانسوا بلاكار، المدير الوطني المسؤول عن منتخبات الناشئين، حول ضرورة فرض حصص تقوم على أساس عرقي، للحد من عدد اللاعبين العرب والسود في أكاديميات الناشئين وفي المنتخبات الفرنسية. كلام خطير، لاقى صدى ايجابيا لدى لوران بلان، مدرّب المنتخب الاول آنذاك، وقوبل بشجب كبير من نجوم منتخب 98، وأدى إلى استقالات عديدة، وحل الاتحاد الفرنسي للعبة.


بعد فضيحة “تمرّد كنيسنا” في جنوب أفريقيا، والحديث عن الكوتا في صفوف المنتخب، فُتح الباب مجدّدا للحديث حول مآلات الهوية، وفرضيّات نجاح كرة القدم في مساعدة أبناء المهاجرين على الاندماج في مجتمعات بديلة. وطرح عدد من الباحثين أسئلة تتعلّق بتفوّق اللاعبين الملوّنين، ومدى قدرتهم على احتلال مراكز في المنتخبات الوطنية، على حساب اللاعبين الفرنسيين الاصليين. أسئلة يمكن الإجابة عليها من خلال فهم تركيبة المجتمعات الفرنسية وطبقاتها السوسيو-مهنية.

الفرار من مدرسة النخبة إلى الأكاديمية المعولمة

في هذا الصدد يتحدّث غي رو، المدرب التاريخي لنادي أوكسير، عن خلفيات اللاعبين المهنية والاجتماعية، وتبدّلها كرونولوجيا، إذ كان معظم لاعبي الثمانينات من أبناء الطبقة الوسطى، ويضرب مثلا باريك كانتونا (والداه ممرّضان)، والأخوين بولي (والدهما عمل حارسا في سفارة كوت ديفوار)، فيما اليوم ثمانون بالمئة؜ من المتدرّبين في مركز النادي قادمون من ضواحي المدن الكبيرة، مع آمال تطال السماء بالنجاح والشهرة، غير واقعية في كثير من الاحيان.

بناء على ذلك، كانت قصة اللاعبين من أصول مهاجرة أكثر ارتباطا بعاملي الإقامة في السيتيه، والعزل المكاني/الاجتماعي (ségrégation spatiale et sociale)، إضافة إلى تشكّل وعيهم الأول على صداقات في مساحة أهلية، تقطنها غالبية من الديانة المسلمة. من أبرز الامثلة على ذلك، أنيلكا، أبيدال وريبيري، الذين غيّروا ديانتهم نتيجة لحيواتهم الزوجية وصداقاتهم ومعاشهم اليومي في ضواحي باريس وليون، وأصبحوا، من ناحية ما، وارثي تلك الهوية البديلة المركّبة، التي استعاضت عن الفشل المدرسي والتشظّي العائلي بعلاقات جديدة صنعتها كرة القدم. في هذا السياق، كان الاندماج اندماجا منقوصا ومشوّها، لأنه يستند إلى فعل هروب مستمرّ من نموذج المدرسة الفرنسية، التي تعزّز مبدأ “صناعة النخبة”، وبالتالي تمكين “إقصاء الفاشلين”.

بين النخبوية، التي خلقتها المدرسة، وغياب برامج الاحتضان الاجتماعي عند الدولة من جهة؛ ومبدأ تكافؤ الفرص وفرضيات النجاح، التي وجدها المراهقون في ملاعب الضواحي الفقيرة من جهة ثانية، أصبح الاندماج الكامل مقرونا بعوامل ذاتية وخطوات مقوننة في عالم احترافي معولم، يتغيّر كل لحظة. في الوقت الذي تشير فيه دراسات عديدة إلى أنّ اثنين من كل ثلاثة مراهقين من أبناء الضواحي المعدمة يحلمون أن يصبحوا على صورة زين الدين زيدان أو بنزيما.

 يمكن التساؤل عن مدى قدرة كرة القدم أو الرياضة بشكل عام على تعزيز التنشئة الاجتماعية، والحلول مكان النظام المدرسي التربوي.

ربما تكمن أهمية كرة القدم بوصفها عاملا كاشفا للروابط الاجتماعية، وعاكسا للهويات الجماعية والفردية، والعلاقات بين الطبقات، كما يقول عالم الاجتماع باتريك مينيون، في كتابه “شغف كرة القدم”، وتتبدّى أهمية هذه اللعبة في صياغتها لعالم تعاضدي، يجد فيه المهمّشون والمحبطون ضالّتهم، لكنّ مفهوم الكرة الاحترافي المعولم لا يمكنه أن يكون حلا نموذجيا لنجاح الاندماج عند أبناء المهاجرين والأقليات، لأنه يرتبط بنجاح نسبة لا تتجاوز الثلاثة بالمئة ممن يدخلون الأكاديميات الكروية، ويتعلّق بمسار طويل وصعب جدا، يتطلّب مستوى عاليا من المنافسة والجهد الجسدي والنفسي.


أرقام المعهد الوطني لكرة القدم في كليرفونتين مرعبة في هذا الصدد، إذ تسجّل تحوّل ثلثي المراهقين، من خلفية مهاجرة، الذين بدأوا، قبل سنوات، الأعداد والتدريب في المعهد، إلى مهن حرفية أو دراسات عليا، بعد فشلهم في إثبات أنفسهم في مجال الكرة، نتيجة المنافسة الشديد. وتشير أرقام أخرى إلى أنّ بعضهم وصل به الأمر إلى الانزواء والاكتئاب، إلى درجة الانتحار، بسبب تلك الخيبة.


لا شكّ أنّ اللاعبين العرب والافارقة السود في “منتخب الديوك” ساهموا في التأكيد على دور كرة القدم في المساعدة على تحقيق الاندماج الاجتماعي في بلد يغلي، يصعد فيه خطاب اليمين المتطرّف العنصري بشكل مرعب، لكنّه يبقى اندماجا منقوصا، إذا ما ظلّ يطرح نفسه بوصفه نموذجا بديلا لنظام تربوي مهترئ، يجب إعادة بنائه من الصفر، ويبدو أن عملية إصلاحه باتت أكثر استحالة من إمكانية ارتداء جان-ماري لوبان لقميص بنزيما في مونديال 2022.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول حيز