المصير المعولم: هل نعود إلى حروب “غير الأقرباء”؟

المصير المعولم: هل نعود إلى حروب “غير الأقرباء”؟

تحدّث الدكتور روبرت سابوليسكي، أستاذ علوم الاعصاب والبيولوجية التطورية، في واحدة من أشهر محاضراته في جامعة ستانفورد حول السلوك التطوري، عن نوع من التفاعل بين الكائنات الحيّة يسمّيه “التعاون التبادلي بين غير الأقرباء”. من المعروف علميا أن نظرية التطور تُفسّر انتقال أكبر قدر ممكن من الجينات من جيل إلى آخر، وهي العملية التي تعتبر المُحرك الأساسي للتطوّر، فالبقاء من نصيب الكائنات القادرة على إعادة إنتاج جيناتها مرة بعد مرة. ولفترة طويلة، اعتُبرت عملية انتقال الجينات عاملا أساسيا في تحريك الاجتماع الحيواني، لصالح الحفاظ على مصالح الأقرباء. لكن ما لاحظه سابوليسكي أن التعاون والفعل الإيثاري لا يتم لصالح الأقرباء فقط، أو حتى لصالح النوع بأكمله. بل هناك تعاون بين غير الأقرباء، وعابر للأنواع.  

فكرة  “التعاون التبادلي بين غير الأقرباء” كانت ثورية فعلا في السبعينيات، إذ لا بد للكائنات الحية، كي تستمر، أن تتبنّى استراتيجية معينة عابرة لأواصر القرابة. هذه الاستراتيجية اعتبرها أستاذ العلوم السياسية روبيرت إكسلرود،  في كتابه “تطوّر التعاون”، نوعا من علاقات تبادل المصالح بين مختلفين، يتعاون فيها كل طرف للقيام بفعل ما: صيد فريسة او إطعام الأطفال، وصولا للتجارة بين البشر؛ في مقابل الالتزام بردّ الفعل عند تكرار الموقف مرة أخرى. ونتيجة للالتزام بهذه الاستراتيجية نجد أنوعا من التفاعلات الاجتماعية بين وحدات لا تربطها أواصر قرابة نوعية. فيما يتحوّل التعاون الي صراع فردي على البقاء، عند المحاولة الأولى للغش. من ثَمّ أصبحت تلك الاستراتيجية في القلب من قالب رياضي ومنطقي يُعرف بـ”نظرية الألعاب”، التي كانت إحدى أهم النظريات المؤثرة في أيديولوجيا العولمة، واعتمادا عليها بُني قدر كبير من استراتيجيات العلاقات الدولية المعاصرة.

 يُجادل أنصار “النظام العالمي” الحالي بأن العولمة  أهم شكل من أشكال التعاون في المجتمع البشري المعاصر، وأن أي محاولة لنزعها ستعني العودة لشكل متطرّف من الصراعات، كما في الحربين العالميتين الأولى والثانية. إنه الصراع على البقاء الذي ينشأ بسبب “الغش”، بحسب نظرية الألعاب.

يبدو هذا الادعاء شديد الخطورة مع تصاعد الحديث عن “نزع العولمة”، وعودة الصراعات والتحالفات والمحاور الدولية، التي ظن كثيرون أن التاريخ تجاوزها منذ نهاية الحرب الباردة. هل يمكن بالفعل أن يؤدي انهيار النموذج الحالي للهياكل العابرة للوطنية إلى كوارث دولية؟ هل البديل الوحيد للعولمة هو الحرب العالمية؟ وهل نعود فعلا لأشكال بدائية من “التعاون بين أقرباء”، أي انبعاث النزعات الوطنية والقومية والدينية، التي من الممكن أن تعرقل مسيرة التطوّر الإنساني؟ والأهم: كيف كانت المجتمعات الإنسانية تنظّم نفسها قبل بروز نموذج العولمة الحالي في العقود الأخيرة؟ هل كان “الصراع على البقاء” وحده ما يحكمها؟

موجات العولمة الثلاث، وحروبها

منذ انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 اعتُبرت العولمة المبحث الجديد في العلوم الاجتماعية والثقافية. وحاول كثير من المفكرين والباحثين تعريفها بشكل دقيق. كريغ كالهون مثلا، في “قاموس العلوم الاجتماعية”، يعرّف العولمة بأنها “مصطلح جامع لمختلف التوسّعات الحاصلة، في الاقتصاد والسياسة والنشاط الثقافي، خارج الحدود القومية”. بينما عرّفها زيغمونت باومان بأنها: “تكثُّف في الزمان والمكان”، في إشارة للجملة الأكثر تكرارا حول العولمة، والتي تعود إلى الفيلسوف الكندي مارشال ماكلوهان: “العالم أصبح قرية كونية صغيرة”. وباقتضاب يمكن القول إن العولمة هي شكل من “التقارب” في النشاط الإنساني حول العالم، بغض النظر عن المعوقات والمسافات.

ولكن هل هذا “التقارب” جديد لهذه الدرجة فعلا؟ ولم نكتشفه إلا في سبعينيات القرن الماضي؟

بحسب عالم الاجتماع والسياسة البريطاني ديفيد هيلد فإن العولمة ليست ظاهرة مُستجدّة، بل تعود إلى بداية العصور الحديثة، ومرّت بثلاث مراحل: الأولى (العولمة المُبكرة) بدأت منذ عام 1500 وانتهت عام 1850؛ والثانية (العولمة الحديثة) منذ 1850 وحتى 1945؛ والثالثة (العولمة المعاصرة) بدأت منذ عام 1945 وحتى الآن. أما قبل هذه المراحل الثلاث فلم تكن هنالك أطر موحّدة تجمع العالم. فحتى الشكل القديم للدولة/الإمبراطورية لم تكن لديه فكرة عن الحدود أو الإدارة المركزية أو العُملة الموحّدة.

 العالم قبل الحديث، المُشتت والمفرّق، أخذ في التغيُّر منذ القرن الخامس عشر، مع ثورات الفلاحين والتنوير الديني والصراع بين الممالك الأوروبية، لتظهر الأشكال الأولى للعولمة مع الدولة الحديثة، المُنظّمة هرميا، والتي تمتلك جيشا شديد التنظيم، ولديها تصوّر عن وحدة الأرض والسيادة. الأمر الذي استدعى تطوير أدوات حديثة لممارسة الدولة لسُلطتها، وسعيها لتحقيق طموحاتها، فتطوّرت أساليب الملاحة والنقل، إلى حد ظهور نمط جديد للتجارة البحرية في القرن السادس عشر، نشأ بالأساس لخدمة مبادرات الإسبان والبرتغاليين في الاكتشاف والغزو والتوسّع باتجاه أفريقيا والأميركيتين وآسيا. أدت هذه المبادرات لتداخل كبير في تبادل البضائع والعبيد، وكذلك الأفكار والأوبئة.

وبالانتقال للقرن السابع عشر، وضعت معاهدة فيستفاليا (1648) حجر الأساس الأول للعلاقات الدولية بين الدول الأوربية القومية الوليدة. ثم برز الهولنديون ليقدّموا للعالم ثاني أهم إضافة في تاريخ العولمة: شركة الهند الهولندية الشرقية، التي تُعتبر أول شركة عابرة للقارات في التاريخ، وطُرحت في بورصة أمستردام على هذا الأساس. وهو الحدث الذي كان بمثابة ثورة في عالم الاقتصاد، ومؤذّنا بالسماح لرؤوس الأموال بالانتقال للاستثمار عبر المحيط الهندي، في نقل المواد الخام والعبيد.

وبحلول القرن الثامن عشر، كانت القوة الجديدة التي تقف على قمة النظام العالمي الجديد هي الإمبراطورية البريطانية، التي صعدت لتتجاوز البرتغال وإسبانيا وهولندا، مستعينة بنظام جديد في التجارة. وتُعتبر الإضافة الثالثة للعولمة المبكّرة. فقد جلبت أساطيل شركة الهند الشرقية البريطانية المواد الخام من المستعمرات، ليتم تصنيعها في بريطانيا، والإتجار بها مع أوروبا وأميركا. وبذلك انتقل التوسّع الرأسمالي من نمط مراكمة الأصول والثروات لدى طرف معيّن، إلى نمط إعادة إنتاج رأس المال بشكل مشترك بين أكثر من دولة. وهو الدرس الذي تعلّمه البريطانيون من أزمة الهولنديين الاقتصادية، التي انفجرت لرغبتهم بالاحتكار والمراكمة. وهكذا تحوّل احتكار شركة الهند الشرقية للتجارة والتصدير إلى سوق كبير مليء بالمنافسين الصغار والمتوسطين في كافة المجالات، من التوريد إلى الصناعة وغيرها، تحت إشراف جيش كامل من البيروقراطية الحديثة، التي تدير المستوطنات البريطانية من الهند إلى أفريقيا، ومن أميركا الشمالية حتى آسيا.

النجاحات الكبيرة للإمبراطورية البريطانية دشّنت الموجة الثانية للعولمة، منذ عام 1850، وهي الفترة التي توسّعت فيها الإمبراطورية البريطانية لتتجاوز أقرانها على مر التاريخ. وأصبحت تمتلك قاعدة صناعية كبيرة، تبلغ حصتها 25 بالمئة من مجمل التجارة العالمية، وحققت نموا سنويا بمعدل 1.4 بالمئة لمدة أربعين عاما. وللمحافظة على هذا القدر من التطوّر الصناعي والنمو كان لابد من إعادة إنتاج رأس المال مرة أخرى، باستثماره في المستعمرات، عبر مدّ السكك الحديد وشبكات الراديو والتلغراف وخطوط الهاتف.

أدت المرحلة الثانية من العولمة إلى تطورات كبيرة في كل نواحي النشاط الإنساني. فعلى الصعيد السياسي تأسست الحركات العمالية والنقابية، وتقدّمت حركات القضاء على العبودية، وكذلك برزت الموجة الأولى للنسوية؛ وفي الجانب الإداري/الاقتصادي أصبح لدينا عدد من المؤسسات العالمية، مثل المجلس الدولي للسكة الحديد، والمكتب العالمي للإحصاء، والمكتب العالمي للأوزان والقياسات، فضلا عن المقياس العالمي للجنيه الإسترليني في مقابل الذهب، وذلك في أول محاولة حديثة لإنشاء نظام صرف ثابت ومعياري للتداول حول العالم.

لكن العولمة في شكلها البريطاني وصلت إلى نهايتها، نتيجة الكساد الكبير بين عامي 1873 و 1896، ومن ثم الحرب العالمية الأولى، والكساد الكبير الثاني عام 1930. وعليه تعسّرت إمكانية الإبقاء على تلك الإمبراطورية المتسعة ماليا، فتساقطت مؤسسات العولمة الثانية واحدة بعد الأخرى. في البداية سقطت “عصبة الأمم” عام 1930، ثم انهار معيار الذهب عام 1931. وأخذت الدول في الاتجاه إلى الداخل، وإعادة إنتاج مفاهيم القومية، والتنمية على أسس محلية. فوُضعت عام 1930 أول خطة خمسية للاتحاد السوفيتي. وتم إقرار “الصفقة الجديدة” في الولايات المتحدة عام 1933، أما في ألمانيا وإيطاليا فأخذت الفاشية والنازية بالصعود.

وأخيرا نشأت الموجة الثالثة للعولمة ابتداءً من عام 1944، مع توقيع اتفاقية بريتون وودز Bretton Woods، والتي أدت إلى انتقال النظام المصرفي العالمي للتعامل بالدولار الأميركي بدلا من الذهب أو الجنيه الإسترليني، وهي الإشارة الأولى للهيمنة الأميركية على النظام الدولي المعاصر. ومع الدولار الأميركي جاءت مؤسسات العولمة المعاصرة: صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والاتفاقية العامة للتجارة والتعريفات الجمركية (GATT). كان لهذه المؤسسات غرض واحد، وهو نقل فوائض القيمة والرساميل الأميركية حول العالم، مع انفتاح التجارة العالمية. الأمر الذي تُوّج باتفاقية “مارشال” لإعادة بناء وإعمار اليابان وأوروبا، وهو ما ضمن هيمنة اقتصادية أميركية مُطلقة على تلك الدول، وسوقا جديد للبضائع الأميركية.

لكن من  طبيعة العولمة التشكّل مرة بعد أخرى، وانتقال القوة السياسية والتكنولوجية والاقتصادية من مركز عالمي إلى آخر. لم تستطع الولايات المتحدة البقاء مركزا سياسيا مستقرّا للعولمة سوى لحوالي خمسة وعشرين عاما بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. ومن ثمّ تورّطت في عدد من المغامرات العسكرية الفاشلة في كوريا وفيتنام وكمبوديا، ونتيجة النفقات العالية لتلك المعارك، وإفراط المؤسسات المالية في إقراض الحكومة الأميركية، ظهر العَرَض الأخطر للاقتصاد الرأسمالي كما نعرفه، أي “الركود التضخمي”. فبسبب نفقات الحكومة الأميركية الضخمة على الحروب والمشاريع، بما يتجاوز قدرتها الإنتاجية والغطاء الذهبي للعملة، تراجعت القدرة الشرائية للمستهلكين، مع معدلات مرتفعة للبطالة يرافقها تضخّم غير مسبوق، وهو ما استدعى إسقاط نظام بريتون وودز من قبل الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون عام 1971، وإلغاء الغطاء الذهبي عن الدولار الأميركي.

هكذا ظهرت مع نيكسون المعضلة الكبرى في العولمة المعاصرة، وهي انتقال القوة المُحركة للنظام العالمي من السياسي إلى المالي. وكان العامل الأساسي، الذي أمكنه منع سقوط هيمنة الولايات المتحدة، هو سياسة الاقتصادي بول فولكر، الذي تولّى إدارة بنك الاحتياطي الفيدرالي عام 1974، واقترح خلط الفوائض والقيم المُضافة الأميركية بغير الأميركية، والاعتماد على المؤسسات المالية الأميركية، بشكلها الاحتكاري، لإعادة استثمار تلك الفوائض مرة بعد أخرى، بحيث يمكنها تحقيق أكبر عوائد ممكنة حول العالم.

تعاظمت قيم الأصول والمؤسسات الأميركية،. وتوّجت استراتيجية بول فولكر بإنشاء اتفاقية (NAFTA) بين دول أمريكا الشمالية، وإدماج الصين في منظمة التجارة العالمية (WTO) في عهد الرئيس بيل كلينتون. وبمرور الوقت تحوّلت الصين إلى “مصنع العالم”، الذي هاجرت إليه كل الصناعات الأميركية التقليدية. وتحوّلت الولايات المتحدة، وفي قلبها وول ستريت، الي مُهندس الاستثمار الأول في العالم.

تكثّفت كل الشروط التاريخية والسياسية والاقتصادية والتكنولوجية، على مدار الثلاثين عاما الماضية، لتنتج لنا واقعنا اليوم. ولن يكون بالتأكيد نهاية المطاف.

لماذا يبدو “نزع العولمة” المعاصرة حتميا؟

لم تسقط العولمة طيلة التاريخ الحديث، كل ما يحدث أنها تتغيّر، وتتبدّل مراكزها من مرحلة لأخرى، مع ظهور ظروف مادية جديدة، وابتكار حلول لمعضلات الأشكال السابقة من العولمة. نحن لا نتكلم هنا عن قطيعة تاريخية مع الماضي، وإنما حالة تراكم تاريخي في المنجزات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية. الحافز الأساسي لها إنتاج القيمة وتبادلها، وإعادة إنتاجها مرة بعد أخرى.

وعليه فالشكل المعاصر للعولمة ليس استثناءً ولا حتمية الأمور، وإنما هو صورة جديدة، تكثّفت منذ التطوّر التكنولوجي، الذي عزز طرق التواصل وعلاقات الإنتاج بين البشر. الأمر نفسه حدث في الهندسة المالية وطرق إدارة الشركات والصناديق الضخمة، فالتكنولوجيا المالية المعاصرة تتجه لتحقيق أكبر ربح ممكن على طول خطوط الإمداد، من مناطق بيع المواد الخام وحتى إعادة تصدير المنتجات النهائية.

لكن الشكل الحالي للعولمة، الذي أخذ في التبلور على مدار ثلاثين عاما مضت، يُفضي الآن إلي معضلاته التي تحتاج إلى إعادة تقييم، بل وحتى تفكيك، بعيدا عن ابتزاز أنصار العولمة بشبح الصراعات والحروب العالمية.

التحدّي الأول اليوم للعولمة هو التغيّر المناخي، بكل ما يمثّله من خطر على التنوّع البيولوجي في العالم، وعلى الوجود البشري ككل، بغض النظر عن الدولة أو القومية. فمن فيضانات باكستان إلى جفاف الأنهار في قلب أوروبا، ومن ارتفاع درجات الحرارة فوق المعدلات الطبيعية في الصيف بالعراق، إلى ذوبان الجليد في الشتاء في أعلى  قمم جبال الألب، يبدو أن الكوكب غير قادر على احتمال أساليب إنتاج القيمة الحالية.

يتضح، بحسب بيانات صندوق النقد الدولي، أن الصين، مصنع العالم، تساهم بنسبة 27 بالمئة في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية، وهو الأمر الذي لا يمكن علاجه بالوضع الحالي للعولمة، فأي توقّف في إنتاج الصين، يعني تقطّع سلاسل الإمداد حول العالم، وانخفاض النمو الإجمالي العالمي. وهو الأمر الذي لن تقبله المؤسسات المالية، لأن الصين، بحسب احصائيات 2021، تساهم بنسبة 18.56 بالمئة من معدل النمو العالمي. وأي إعادة هيكلة للصناعة العالمية، بما يتوافق مع السياسات الجديدة للمناخ، يعني تراجع هذا النمو.

التحدي الثاني للعولمة المعاصرة هو عودة سياسة المحاور والأحلاف. كانت أميركا هي القوة المسيطرة الوحيدة منذ سقوط الاتحاد السوفييتي، لكن الوضع لم يبق على ما هو عليه، فمنذ صعود الصين، بوصفها ثاني قوة اقتصادية في العالم، واتجاهها لبناء قوة عسكرية ضخمة؛ وكذلك تنامي المخاوف القومية لروسيا، التي دفعتها لاحتلال شبه جزيرة القرم عام 2014، بدأ التنافس بين الصين وروسيا من ناحية، والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من ناحية أخرى، وهو الأمر الذي وصل لذروته مع اقتحام القوات الروسية للحدود الأوكرانية، في شباط/فبراير 2022. ومن المُرجّح أن يتنامى صراع الأقطاب خلال السنوات القادمة. أي أن استمرار العولمة ذات المركز الأميركي الحالي، وسلوكيات الولايات المتحدة بهيكلة التجارة الدولية والعلاقات الاستراتيجية بما يخدم مصالحها فقط، قد يؤدي لاشتعال حرب عالمية جديدة، على عكس ما قد يظنّه أنصار العولمة الحالية.  

التحدي الثالث هو انتقال القوة والسلطة من الفاعلين السياسيين إلى الفاعلين الماليين والمصرفيين العابرين للحدود، فمنذ الأزمة المالية عام 2008، وانفجار الفقاعة العقارية في الولايات المتحدة وخارجها، اعتمد البنك الفيدرالي الأميركي سياسة “التيسير الكمي”، وعلى أساسها قام بطباعة ما يزيد عن 3.5 تريليون دولار، وضخّها في مؤسساته المالية، لمنعها من الانهيار الكبير، الذي قد يعني نهاية الهيمنة الأميركية على العولمة اليوم. وبمرور السنوات توسّع الفيدرالي الأميركي في تلك السياسة، حتى أصبحت ديون العالم اليوم 300 تريليون دولار، في حين أن الناتج العالمي هو 100 تريليون دولار فقط. هذا القدر من الديون يُخلّف أثره في كل مكان من العالم، ويهدد الدول النامية اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا، ويعد بمستقبل مُظلم من المجاعات والحروب والنزاعات.

أما التحدي الأخير فهو النتيجة المنطقية لكل ما سبق، فقد أدى نقل الصناعات خارج حدود الدول الغربية، حيث توجد العمالة الرخيصة والرقابة الصارمة في الصين، إلى استقطاب سياسي كبير،  فمع تناقص فرص العمل وإمكانيات تمويل المشاريع الجديدة، وضعف شبكات الحماية الاجتماعية، وميل الشركات الضخمة للتهرّب الضريبي، تنشأ موجة جديدة من الشعبوية اليمينية، أساسها الطبقة العاملة السابقة، التي ملّت من العولمة وأنصارها، وما جلبته من تزايد في معدلات اللامساواة. وهو ما ظهر واضحا مع صعود دونالد ترامب في أميركا، وجايير بوليسنارو في البرازيل، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وتنامي الشعبوية في العالم عموما، على الرغم من عدم تقديمها أي مشروع سياسي او اقتصادي، فقط تفكيك العولمة.

الديمقراطية بديلا للحرب الكونية

منذ اندلاع الأزمة المالية العالمية 2008، تصاعدت دعوات لإعادة تقييم العولمة، اعتمادا على ما سببته من تآكل مؤسسات الحماية الاجتماعية، وتركيز القوة والسلطة بأيدي المؤسسات المالية، وتهشيم الديموقراطية وقدرتها على خدمة مصالح الناخبين، هذه الدعوات مازالت مُلحّة حتى اليوم. رغم كل الحديث عن تجاوز الأزمة المالية.

يقترح يانس فاروفاكيس، وزير مالية اليونان السابق، وأستاذ الاقتصاد السياسي، بأن تكون إعادة تقييم العولمة مترافقة بشكل من أشكال التنظيم البنيوي، من أجل استعادة السلطة من هيمنة المؤسسات المالية والشركات الكبيرة، وإخضاعها للسلطة السياسية، كما ينبغي أن تكون الأمور، استنادا لتنظيم  ديموقراطي ومحلي أولا، متجاوز للحدود القومية ثانيا، بما يتناسب مع طبيعة العولمة وبنية المؤسسات المحّركة لها. وعدم التعويل التام على المؤسسات السياسية الحالية، لشللها التام.

 توماس بيكيني، في كتابه “رأس المال في القرن الواحد والعشرين”، يرى أنه  “يجب بالأحرى على كل الباحثين في العلوم الاجتماعية، والمثقفين بشكل عام، إضافة الى المواطنين، أن يشتبكوا في النقاش العام. ولا يمكن لهذا الاشتباك أن يقوم فقط باسم المبادئ الكبرى المجرّدة (العدالة والديموقراطية والسلام العالمي) بل يجب أن يقترن بخيارات ومؤسسات وسياسات محددة، سواء تعلّق الأمر بالدولة الاجتماعية أم بالضرائب أم بالديون. الكل يجب أن يمارس السياسة في الملعب الذي يختاره. فليس من المقبول أن يوجد مكان مخصص لنخبة رفيعة من المسؤولين السياسيين، في مقابل جيش من المعلّقين والمشاهدين، الذين لا فائدة منهم سوى أن يلقوا بأوراق اقتراعهم في صندوق ما، مرة كل خمس سنوات”.

ربما كان النقاش، وإعادة تقييم العولمة المعاصرة، وظروفها ومؤسساتها، أمرا ضروريا، بعيدا عن التخويف من خطابات الأيديولوجيين البلاغية عن الحروب الكونية، أو تجريدات نماذج الاقتصاديين الرياضية. فالتغيّرات في العولمة المعاصرة حتمية على الأغلب، ولذلك الأجدى أن يشارك أكبر قدر ممكن من البشر في تحديد سمات التغيير، بدلا من أن يكونوا متلقين سلبيين للحلول الفوقية التي يجود بها “الخبراء”. 

المراجع:

  • The Global Transformations, edited by David Held and Antony McGrew, first published in 2000 by polity press.
  • The Age of Empire (1875-1914), E.J.Hobsbawm, Vintage Books published 1989
  • Modern Political Economics, Making Sense of the post-2008 World, Yanis Varoufakis, published by Routledge 2011
  • Another Now: Dispatches from an Alternative Present, Yanis Varoufakis, first published by Random House 2020
  • Capital In The Twenty-First Century, Thomas Piketty, translate by Arthur Goldhammer, by the president and fellows of Harvard college 2014
كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول حيز