“تكهّنات” تارنتينو: هل مازالت هوليوود قادرة على احتمال “ولدها المدلل”؟

“تكهّنات” تارنتينو: هل مازالت هوليوود قادرة على احتمال “ولدها المدلل”؟

ما إن نُشر كتاب “Cinema Speculation” (تكهّنات السينما) لكوانتين تارنتينو، حتى صُنّف بالمرتبة الأولى ضمن مبيعات موقع أمازون، وكان قد سبقه في هذه المرتبة كتاب آخر لتارنتينو، نال ذات الشهرة، وهو نسخة روائية من فيلم “حدث ذات مرة في هوليوود”، صدرت عام 2020.

تارنتينو غني عن التعريف، واحد من أشهر المخرجين أميركيا وعالميا، تعرّضت مكانته للتهديد بسبب علاقته مع شركة ميراماكس وهارفي واينستين؛ وتصريحات الممثلة أوما ثورمان عن أسلوبه في التعامل معها. لكنه لم يُلغ. استطاع النجاة من كل تلك الموجة. ربما لأنه “تارنتينو” بكل بساطة.

قبل هذا تعرّض المخرج المشاغب لاتهامات من طراز أعتق: إنه يطبّع العنف في أفلامه، مُهددا وعي المشاهدين، ويدفعهم لارتكاب العنف. تارنتينو نفسه لم يشغل نفسه كثيرا بالرد، اللهم إلا الإيغال في “الجماليات الدموية”، وآخرها مشهد الحرق بقاذفة اللهب في فيلم “حدث ذات مرة في هوليوود”.

إنه الولد المدلل لهوليوود، أكبر من الإلغاء، ليس لمحسوبية ما، بل لأنه المخرج الأكثر موهبة وحبا للسينما، وأحد أهم من فهموا “خيال البوب”، وأعادوا صياغته.

رغم كل هذا يبدو تارنتيو خارج عصره إلى حد ما، ليس فقط بسبب “الصوابية”، التي باتت عنوان السينما الأميركية مؤخرا، والتي لن تتأقلم معها بالطبع موهبة بحجم موهبته، بل أيضا لتغيرات كبيرة في صناعة السينما، من حيث الوسائط، أساليب الإنتاج، والجمهور المستهدف. حديثه الدائم عن الاعتزال قد يكون استجابة متوقّعة لكل هذا، ومحاولة للحفاظ على صورته في أذهان محبيه الكثر. أي الاعتزال في قمة النجاح والعطاء، واتخاذ دور المعلّق، الحكّاء، ومفجّر النوستالجيا لجماليات السينما المفقودة. وربما يكون الأفضل قراءة كتابه الأخير ضمن هذا السياق. فما الذي يقوله ترانتينو الحكّاء عن زمنه وتغيراته؟ وكيف يصف “الولد المدلل” علاقته المعقّدة مع هوليوود، بماضيها وحاضرها؟

جدلية “المدللين” و”مناهضي المؤسسة”

لا يُلبي الكتاب فضولنا حول تارانتينو بشكل مباشر، إذ لا يتحدث فيه عن أفلامه والصراعات والنقاشات التي سبّبتها، بل يعود إلى طفولته، حين كان يسكن مع والدته “كوني” وزوجها “كيرت”، ويرتاد السينمات معهما ومع الأصدقاء. يخبرنا كيف كان يجلس صامتا في الصالة، ثم صامتا في المقعد الخلفي للسيارة أثناء العودة إلى المنزل، مُستمعا إلى التحليلات والآراء حول الفيلم. وبعد جدل الزوجين، كان يحقّ له يسأل ويستفسر عمّا رآه.

الكتاب أشبه بمذكرات، تدور أحداثه قبل حكاية تارنتينو الشهيرة عن عمله خلال الثمانينات في محل لتأجير الأفلام، ومشاهدته لـ”كل السينما”. يقرأ تارنتينو الأفلام التي شاهدها بأسلوبين: الأول من خلال الحديث عن انطباعاته عن الأفلام وهو صغير، مستحضرا ذاكرته ومشاعره؛ والثاني، عبر أحكام لاذعة، يطلقها من موقعه الحالي، بعد أن صار “تارنتينو”.

 لكن عن أي أفلام بالضبط يتحدث؟ يناقش الكتاب اثني عشر فيلما  هوليووديا، أُنتجت بين عامي 1968 و 1981، ناهيك عن عشرات العناوين التي يطرحها تارنتينو أثناء سرده، ملاحقا تطور “صناعة السينما” و”جماليات الأفلام”، منذ بداية “هوليوود الجديدة”، بعد انتهاء عصرها “الذهبي”؛ ومن ثمّ إنشاء  نظام التصنيف العمري، الذي جاء بعد تجاهل ومهاجمة “كود هايز”، أي مجموعة القواعد الرقابية على السينما، المنسوبة للكاهن المشيخي ويل هايز.

 تنتمي الأفلام المذكورة في الكتاب إلى جيل عرف باسم “مدللي السينما” Movie brats. على رأسهم، مارتن سكورسيزي، فرانسيس فورد كوبولا، وجورج لوكاس، الذين دخلوا في صراع مع “Anti-establishment auteur” (المخرجين المناهضين للمؤسسة)، كلمة auteur هنا تحيل إلى المخرج-المؤلف ، ورواد الجيل الأول من هذه الموجة هم جون دانتي (1946-الآن)، آلان آركوش (1948-الآن)، جون لانديس  (1950-الآن) بتوجهاتهم اليساريّة، ومحاولتهم التي تقدّم وجهة نظر مختلفة.

لإيضاح الصراع بين “المدللين” و”مناهضي المؤسسة”، يمكن أن نطرح المقارنة التالية: صنع “المدلل” فرانس فورد  كوبولا فيلما جديّا عن حرب فيتنام، وأثرها على الجنود الأميركيين (الأبوكولييس الآن- 1979)، في حين أن واحدا من “مناهضي المؤسسة”، هو آلان كروش، صنع فيلما سياسيا كوميديا (العودة إلى أميريكا 1988) لكن من وجهة نظر الفئات الأضعف، ضحايا أولئك الجنود المهزومين.

تارنتينو مهتم بـ”المدللين” في تاريخ هوليوود على ما يبدو، إلا أننا قد نرصد آراءً في الكتاب، تشير إلى تحوّله التدريجي إلى “مناهض للمؤسسة”، ولكن على طريقته.

عودة “المعلم” إلى صباه

من أكثر ما يلفت النظر في الكتاب هو الآراء التي يطلقها تارنتينو حول اتجاهات السينما الأميركية المعاصرة، إذ يرى أن أفلام الأبطال الخارقين “مارفل، دي سي..الخ” ليست إلا موجة،  كأفلام الكوميديا الموسيقية، ينتظر الجميع انتهاءها حتى يتفرّغوا لصناعة السينما! والواضح أن تارنتينو يقف ضد موجة “التسليّة” الحاليّة، ليس فقط لأنه يقدم “نوعا” مختلفا منها، بل أيضا بسبب طبيعة تاريخ السينما نفسه، الذي يفترض جدلا بين القديم والجديد.

يتحدّث تارنتينو عن الفرق بين هوليوود القديمة والجديدة، الذي لن يكون واضحا للمشاهد العادي، ولن يفهمه إلا سكان نيويورك ولوس أنجلوس وسان فرانسيسكو، الذين عايشوا تاريخ صالات العرض الأهم والأكثر شعبية في أميركا، وتوزّعها بين الشوارع، والأفلام التي كانت تُعرض في كل منها. تطوّر الأسلوب واللغة والاتجاهات السينمائية، والنقاشات حولها، لن يكون واضحا لمن لم يختبر السينما، بوصفها حدثا ثقافيا.

يصف تارنتينو التجربة السينمائيّة الحيّة. أو بصورة أدق، يصف تجربة تلقي السينما بوصفها فنا يتطلّب اجتماع البشر في صالة مظلمة، والمشاهدة. وبعكس ما هو رائج حاليا، المشاهدة حينها لم تكن “صامتة”، إذ يخبرنا كيف يخاطب الجمهور في الصالة الشاشة، ويشتم الشخصيات، ويحاول التنبؤ بالحبكة. هنالك حيويّة مختلفة عن طقس المشاهدة في المنازل. فيما مضى كان الجمهور يضحك، أو  يهشش،  أو يصرخُ بوجهِ من يقف كي يغادر إلى الحمام، حاجبا الرؤية عن الباقين. هذا التفاعل لم يكن حكرا على نوع محدد من الأفلام حينها، بل يطال مختلف الأنواع “أكشن، رعب، دراما، كوميديا…”، بعكس اليوم، الذي  يقتصر التفاعل فيه على أفلام الأبطال الخارقين وجمهور المراهقين.

هنا يظهر موقف تارينتينو “البنيويّ” إن صحت الكلمة، ربما ما تغير ليس هوليوود أو توجهات منتجيها فحسب، بل المدن الكبرى نفسها. فضاءات الاجتماع والتواصل تبدّلت بعمق. وفي مدن يتفرّد سكانها وينعزلون عن بعضهم بإطراد، قد يكون “سوبر هيرو” فقط قادرا على جمعهم.

نظرة تارنتينو إلى “الفن” عموما تبدو “مناهضة للمؤسسة” الحالية، ولكن بمرجعية “مدللة”. يتضح هذا حين يفاضل بين الأفلام، ويصف هذا بالسيء وذاك بالممتاز، هناك مجموعة أفلام، صنعها “المدللون” فيما مضى، تمثّل “الأصول”، أو الاعمال السينمائية الخالدة، أو فن المعلمين، ويتم التقييم على أساسها. لكنّ المنتجين يموّلون “الهراء” الآن، فهل يقتنعون بتقييمات “المعلم”، ويعودن إلى رشدهم؟

ربما كانت عودة تارنتينو “مدللا” تستوجب أن تعود المدن التي عرفها عندما كان صغيرا، يمضي في الشوارع في سيارة أمه وزوجها، ويراقب “الخيال الشعبي” آنذاك بتلذّذ.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول حيز