من البورتريه إلى صور الـ Ai: كيف تغيّر “كوجيتو” الذات الحديثة؟

من البورتريه إلى صور الـ Ai: كيف تغيّر “كوجيتو” الذات الحديثة؟

يعود تاريخ نشأة فن البورتريه إلى لوحات “وجوه الفيوم” في فترة الحكم الروماني لمصر. وهي رسوم وجدت على توابيت عائدة لأشخاص من تلك الفترة، تصوّر بدقة ملامحهم وتفاصيل وجوههم. كانت تلك اللوحات رمزا لمقاومة الموت، وإثباتا لخلود الذات حتى بعد وفاة الإنسان. و قام على تقاليد هذه الرسوم الفن البيزنطي برمته.

جذور البورتريه أقدم من هذا بالتأكيد، وتعود محاولات تصوير الذات الإنسانية عبر تفاصيل الوجه إلى بلاد ما بين النهرين؛ والصين القديمة، حيث استُخدمت رسوم الوجه لتمجيد الامبراطور؛ وكذلك التماثيل الإغريقية، التي نُحتت وجوه أصحابها بدقة. ولكن تبقى رسوم الفيوم أول بورتريهات متكاملة، بالمعنى الذي نفهمه حاليا.

نماذج من بورتريهات الفيوم

عصر النهضة الأوروبية كان العصر الذهبي للبورتريه. إذ اعتبر أولاً وسيلة لتدبير الزيجات، عبر منحوتات شمعية لملامح العروسين، استُخدمت فيها رتوش تجميلية تشبه الفلاتر في عصرنا الحالي. إلا أن ارتباط البورتريه بمفاهيم الذات، المؤسسة للحداثة، جاء مع ليوناردو دافنشي، عبر توغّله في أعماق النفس البشرية في لوحته “موناليزا”، ومعه أصبح فن البورتريه ليس مجرد نقل للملامح، بل سعي لإبراز الأبعاد المعقّدة والمركّبة للذات، عبر الإبداع بتمثيل ملامح الفرد: البطل الجديد البارز في فجر الحداثة، ليحلّ محل الآلهة والقبائل والقديسين.  

اهتم نبلاء العصور الحديثة بالبورتريه، كي يكون تعبيرا عن ذواتهم الرفيعة؛ مرورا بأفراد الطبقة البرجوازية، التي سحبت النفوذ من الإقطاع القديم، و توجّهت هي الأخرى  لتبجيل ذواتها، بإرساء صورها في التاريخ. فكان البورتريه إحدى ثورات الحداثة، تقدّمت مع تنامى نزعة التحرر من سلطة اللاهوت الديني، وذلك عن طريق خلخلة مركزيته، بسحب الذات من أفقها الكنسي الى الأفق الإنساني. وهي النزعة نفسها التي عبّر عنها ديكارت فلسفيا، وصاغ على أساسها “الكوجيتو” الشهير: “أنا أفكر إذا أنا موجود”. الأنا هنا، أفكارها وعقلانيتها، هي الأساس. وتحوّلت الذات مع ديكارت إلى موضوع أنطولوجي، بإخضاعه إدراك الوجود لأولوية الكائن المفكر، باعتباره مرادفا للوجود، و بالتالي أصبح للذات أولوية مطلقة على العالم، ووُضع الإنسان في المقدمة.

أضحت مقولة “الذات الفردانية” إذا من ميزات الحداثة على جميع الأصعدة السياسية والاجتماعية، ولا يوجد ما هو أفضل من البورتريه لتمثيل تلك الذات، وأناها المعقدة.

ومثل أي مفهوم تاريخي، تعرّضت “الذات الفردانية” لكثير من التغيرات، ومرّت بأزمات كبيرة، وتمت إعادة إنتاجها مرات ومرات، ومع كل عملية إعادة إنتاج تظهر نسخة جديدة من الذات تتناسب مع عصرها. فكيف انعكس كل هذا على تصويرنا وتمثيلنا لوجوهنا؟ وماذا تقول التطورات التقنية الأخيرة في التصوير عن ذاوتنا المعاصرة؟

فردانية في طريق للفناء

عاشت الثقافة الغربية، مع الحرب العالمية الأولى، أزمة كبيرة، طالت مفاهيمها عن الذات، وظهرت آثارها واضحة في الفنون البصرية. تولّدت التكعيبية مثلا من صخب الثورات ضد مفاهيم الحق والخير والجمال السائدة، وتشظّي الذات البرجوازية. يظهر هذا بقوة في بورتريهات “فتيات افينون” للفنان الإسباني بابلو بيكاسو، الذي صوّر وجوها معذّبة، تنتج من تقاطع مربعات، مخاريط، دوائر ومثلثات.

أحد الوجوه في لوحة “فتيات افينون”

وبعدما تكشّفت فظائع الحرب الكونية الأولى، برزت “الدادائية”، التي نادت بـ”فن اللافن”، بوصفه مقاومة لمظاهر البشاعة والأذى الناتجة عن الحضارة البرجوازية. فأنتج فنانو الدادئية أعمالا تكشف وتفضح جماليات تلك المرحلة، ومن أهمها أيقونه العصر الذهبي للبورتريه، الموناليزا، ولكن هذه المرة مع شارب يسخر من الجميع.  

لوحة الموناليزا بالشارب للفنان الدادائي الفرنسي مارسيل دو شامب

استمرت هذه المنظورات مع “الفن المعاصر”، ولكن عاملا جديدا دخل بقوة في المعادلة، وهو التقنيات الرقمية، التي أعادت إنتاج الذات الفردانية بطريقة غير متوقّعة.                                           

“أنا أوسيلفي إذا انا موجود”

حصرت الثورة الرقمية وجود الذات المعاصرة في إطار الصورة، السيلفى.

الذات أصبحت في حالة من إعادة الخلق المستمر، فالتقاط السيلفي عملية بسيطة تقنيا، وشرطها الأساسي هو التكرار بلا حدود: التقط صورة لنفسك في أي مكان، وفي أي وقت. واعتبرها توثيقا  للحظاتك التي لا تنسى. توقف الفرد المعاصر عن التصوير يعني اختفاءه، أو على أقل تقدير التشكيك في وجوده؛ فيصبح الخوف من الفناء المجازي، و”الكنسلة” الرقمية، وسواسا قاهرا له، يدفعه دائما إلى “مشاركة” صور متعددة عن ذاته عبر السيلفي.

إلا أن هذه المشاركة تشير إلى نسيان الذات أكثر من تذكّرها، إذ لا يؤكد المرء وجوده بالتفكير أو العقلنة، بل من خلال تفاعلات و”لايكات” الآخرين على الشبكة. لم تعد الذات مركزا أنطولوجيا، كما كانت أيام ديكارت، بل صورة يجب إعادة إنتاجها تحت ضغط شبكة غير متعيّنة من الخوارزميات المثيرة لانفعالات الآخرين.   

الفيلسوفة وعالمة النفس الفرنسية إلزا غودار حاولت التعبير عن ذلك من خلال صياغة كوجيتو جديد: “أنا أوسيلفى إذا أنا موجود”. وهو أيضا عنوان كتابها الذي ترجم مؤخرا إلى العربية.

 تزايدت اشكال عدم الرضا عن الذات مع تزايد تطوّر التقنيات، وكثرة الاقتراحات الموجودة في برامج الفلاتر، من تغيير للون البشرة والعيون؛ إضافة الاكسسوارات والملصقات؛ وحتى التبديل في تعبيرات الوجه. فأهدت التقنية بديلا رخيصا عن عمليات التجميل، لكن مع باقة من أشكال عدم الرضا عن الذات، قد تصل بالفرد لكره ملامحة الأصلية، والاقتناع بالمعدّلة تقنيا فقط، فتصبح رؤيته لذاته مُشكّلة عبر عُقد النقص.

يبدو السيلفى آلية تعبير جمالي وفني ظاهريا، ولكنه بالعمق آلية لإنتاج العزلة، بذواتها المقزّمة. فيما مضى كان تصوير الذات عبر البورتريه طريقة للفخر بملامح المرء، بكل ما فيها مما يمكن اعتباره اليوم “عيوبا” لا تتسق مع النماذج السائدة للجمال. وكأن الذات كانت تصرخ آنذاك: “ها أنا ذا!”، أما اليوم فتستجدي: “لا تنسوني. سأطوّع نفسي لكل تريند!”

سر هذا الاستجداء ربما يكون الخوف من العزلة الرقمية، التي قد تكون قاتلة إذا تضافرت مع العزلة الواقعية. الفرد اليوم مهدد بـ”الشبحية”، التنمّر والقتل المعنوي الإلكتروني. وإذا حُرم الفرد من التواصل عبر الدردشات، ونيل الاعتراف عبر اللايكات والتعليقات المؤيّدة، فماذا سيبقى له في واقع يخاف منه؟

تواصلية ذوات الـAi

السيلفي ليست المرحلة الأخيرة، اليوم برزت ظواهر أكثر “حداثة”، مثل صور “الأفاتار” وبورتريهات الـAi (الذكاء الصناعي). لا يعرف الفرد السبب وراء تحويل ملامحه لتلك اللوحات الغريبة، وحتى لا يساءل نفسه عن الهدف وراء تغذية تلك التقنية بهذا الكم الهائل من البيانات، أو إذ كان هذا الفعل معاديا لإنسانيته وإنسانية الآخر. إذا عدنا إلى “الكوجيتو” فيمكن القول إن العقل يفقد دوره بوصفه ملكة فكرية، ويتم تقليصه الى مجرد أداة تحقق أهدافا معيّنة.

نماذج من صور الـAi

الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس يرى أن “التركيز الأحادي لسيادة العقل الأداتي سيؤدي إلى نقص في استخدام الإمكانيات الإنسانية و الجمالية في تنظيم المجتمع، وفى تفاعل وتواصل الذوات مع بعضها البعض”. و بالرغم من ذلك لا يقدّم حلا أكثر من إعادة التأكيد على ضرورة  “التعاطي مع تلك المشكلات عبر أخلاقيات الحوار لدى العقل الموضوعي عند الفرد المعاصر”. وهو الأمر الذي طالما أكد عليه منذ ستينيات القرن الماضي.

ربما لن ينفعنا هابرماس العجوز هنا كثيرا، والأفضل طرح السؤال التالي: بما أن الوجه هو الذى يبدأ كل خطاب بين الآخر والأنا، فهل مازال هناك أمل في تواصل فعّال في ظل ذوات الأفاتار والذكاء الصناعي المعاصرة؟

يشير الفيلسوف الفرنسي إيمانويل ليفيانس إلى أن عنصر اللقاء وجها لوجه يحمل دلالات هامة، قد تغيب تماما إذا لم يحدث هذا اللقاء. فإذا كان الحوار يرسم شكل العلاقة الضمنية بين الأنا والآخر، فما يحدث عند اللقاء هو زيادة العلاقة وضوحا. لكن في عصر الأفاتار قد ينتج عن “التقابل” الافتراضي نتائج عكسية. ومع تزايد قدرات الذكاء الصناعي، وإسناد المهام الإبداعية له، مثل تأليف الموسيقى وكتابة السيناريو وحتى الرسم. يصبح هذا “الذكاء” مجالا لخلق صور ذواتنا والآخرين، ولكن بعيونه، فينتقل هوس السيلفي إليه، ويُنتج مستخدموه عشرات الصور لملامح متماثلة. أنا اشبه الآخر، وهو يشبهنى، وكلانا لا نشبه أنفسنا! 

وادى الغرابة المألوفة

تغرسنا اللوحات الرقمية داخل فرضية جمالية تدعى “وادى الغرابة المألوفة”، فتبعا  لفرويد، لدى تحليله لأعمال الأديب الألماني أرنيست هوفمان الفانتازية، يدبّ في الأنا الرعب والارتياب تجاه وجه الاخر، الذي يصبح موطنا للغرائبي ”uncann”. إذ أن تكرار الشيء نفسه، وهو في حالتنا الصورة، والإكراه على التكرار، يجعل الأنا ضائعة تماما، تشعر أنها تكرّر خطواتها عن طريق الخطأ، وتظن أن اتباعها لما هو سائد ومقبول، عبر تكراره، ليس قائماً فقط على الصحيح والصادق، بل أيضا على ما يتم اخفاؤه، وهو بالتأكيد مثير للرعب والاشمئزاز. تخشى الإخصاء الرمزي، بوصفه العقوبة المتوقّعة على الانحراف عن الأعراف السائدة، فتفرّغ رعبها بالآخر، الذي يصبح تهديدا لها، وحشا أو مسخا أو شيطانا، يزعزع وجودها بالعمق.      

النظر إلى وجه الآخر، المُعد عبر السيلفي والأفاتار والذكاء الصناعي، يثير الرعب من غرائبيته، والفزع من عدم تطابقه مع صورته الرقمية، والعواقب الناتجة عن ذلك. تتصاعد الحيرة حول ما نراه: هل هو خيالي أم مفرط في واقعيته؟ أين هو الأصل؟ هل يشبهني وأشبهه أم نحن مختلفان؟ هل يشبه صورته في ذهني أم أنه يخدعني؟  

قد يصل الاعتياد على “ألفة الغريب” الى اندهاش البعض من أن الآخرين، عند التلاقي معهم في الواقع، لديهم أطراف، أسنان، أو لون عيون ثابت. إذ أننا نقارن ما بين صورهم التقنية وبين ما هو ماثل أمامنا واقعيا. تقع الأنا في فخ الهرب بسرعة، توجّه عينيها صوب الهاتف وعالمه الافتراضي، فتغيب مهمة الوجه في أن يكشف عن المشاعر الداخلية للكائن البشرى، تغيب “إمكانية التحاور”، وهي الإمكانية الإنسانية التي تسبق اللغة نفسها.

تُنتج تلك الغرابة دائرة من العنف تجاه الأنا والآخر، فلا تتبادل الوجوه الكلام، لا تُحب، تتجاهل وتنعزل فقط.

تمتد مشاعر الريبة لتطال الأكيد الوحيد الذى نتفق عليه، أي الموت! نرى مقاطع فيديو لأشخاص نائمين كذرات التراب، تظهرهم يغيرون ملامح وتعبيرات وجوههم، يضحكون ويتحدثون، في امتزاج مرعب بين الحياة، والتحلّل المرتبط بالموت.

 تكتمل هنا دائرة الفزع واللايقين تجاه الآخر، الذي لم يعد الحوار معه يقلقنا فحسب، بل أننا نشكّ حتى في حقيقة وجوده أو فنائه. وحتى إن نجحنا بقتله رمزيا، فهو موت نقلق من لا يقينيته.

لنعد إلى الكوجيتو.. تعطينا شخصية “شفيق حبّار” (حسب الترجمة العربية) من المسلسل الكارتوني “سبونج بوب”، صورة مصغّرة عما آلت إلية الذات المعاصرة، في بحثها عن نفسها وسط كل ما يحيطها من “تقدّم”.

“شفيق حبّار” من كارتون “سبونج بوب”

شفيق غارق في منظومة تتحكّم في يومه: يعمل في مطعم يكرهه، ويؤدي مهاما لا يتقنها، ولتعويض ذلك ينكبّ على رسم ذاته وتصويرها. يبتعد عن كل من يحاول مصادقته، خوفا من أن تنكشف ذاته الهشة، الناقصة. يفتقر لأدنى مهارات التواصل، ويتخذ وضع المراقب. ينتهي به الحال دوما للعودة إلى ذواته المصطنعة، منهارا وحيدا. لا يتخذ أي موقف مفيد فعليا، ويستمر في الشكوى والبكاء.

أي بورتريه يمكن رسمه لشفيق وأشباهه؟ ربما صار ذلك الفن زائدا فعلا عن الحاجة، بعد أن بات “الفرد”، الذات البطولية لملحمة الحداثة، مجرد “حبّار” غارق بالتذمّر، في محاكاة كرتونية ساخرة.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول حيز