رامز أنطاكي
السوريون في الأردن ينقسمون إلى قسم مقيم في مخيمي الزعتري والأزرق وأفراده مسجلون في المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، وقسم يعيش خارج المخيمات، بعض أفراده مسجل كلاجئ وبعضه غير مسجل. وقد بلغ العدد الكلي للاجئين السوريين في الأردن حسب إحصائيات صدرت منذ أيام أكثر من 644000 لاجئ، منهم أقل من 100000 من سكان مخيمي اللجوء، 85000 لاجئ تقريباً في مخيم الزعتري والباقي في مخيم الأزرق.
في الفترة السابقة كان هناك تطبيق لمبدأ المعاملة بالمثل لجهة معاملات دخول السوريين إلى الأراضي الأردنية عبر المطارات والمعابر الحدودية البرية الرسمية، وبموجب هذا المبدأ فإن السوريين كانوا يدخلون الأردن بسهولة ودون صعوبة تذكر. لاحقاً طلب منهم الاستحصال على “بطاقة خدمة الجالية السورية” أو ما يعرف بين السوريين في الأردن بالورقة البيضاء أو الكرت الأبيض، الذي يمكنهم الحصول عليه من أقرب مخفر لمحل سكنهم، وهي بطاقة رسمية ضرورية لإتمام بعض المعاملات في الأردن كالمعاملات المصرفية.
ومنذ ما يقارب ستة أشهر بدأ المعنيون في مطار الملكة علياء الدولي بسحب هذه البطاقة من السوريين المغادرين للأراضي الأردنية دون إبداء أية أسباب، مما سبب حيرة لدى السوريين في الأردن، وسرت إشاعة مفادها أن سحب البطاقات هدفه تسجيل كل السوريين المقيمين في الأردن كلاجئين، في هذا السياق تقول شابة سورية مقيمة في الأردن منذ أكثر من عام أنها تخوفت حين سحبت منها بطاقتها في المطار، خاصة وأن شركات الطيران لا تسمح لغير حاملي البطاقة من السوريين بركوب الطائرة، “سألت عن السبب فقيل لي أنه يتوجب علي تسليم البطاقة حين المغادرة، واستخراج غيرها عند العودة، وحين عدت لم أمنح بطاقة جديدة بحجة أنها ورقة شكلية لا داع لها”، ولم يصدر عن السلطات الأردنية أي بديل عن هذه البطاقة بعد.
في 29 أيار الماضي صدر قرار أردني جديد عمم على شركات الطيران، حصر القرار الحالات التي يسمح من خلالها للسوريين بدخول الأردن بحاملي الإقامة في الأردن، وحاملي الإقامة في أميركا وأوروبا ودول الخليج العربي، وركاب الترانزيت الذي يحملون بطاقات سفر إلى بلد آخر. بعد حوالي أسبوعين عقد اجتماع في وزارة الداخلية الأردنية صدر ما يمكن اعتباره تفصيل للقرار مع بعض الزيادات، كالسماح لفئات أخرى من السوريين بدخول الأردن مثل طلاب الجامعات الأردنية وأساتذتها والخبراء والأيدي العاملة الماهرة، ودوماً وفق إثباتات رسمية.
سامر شاب سوري من درعا كان ينتظر قدوم شقيقه إلى الأردن قادماً من تركيا جواً، عبر عن استياءه من القرار المفاجئ: “بعض السوريين صدموا بالقرار حال وصولهم مطار الملكة علياء، وهناك حديث عن الحاجة إلى موافقة أمنية أردنية”، وفي الإطار عينه صرح مصدر آخر رفض الكشف عن اسمه: “عند السؤال في وزارة الداخلية الأردنية عن الأوراق المطلوبة، يكون الجواب أن لا منع دخول بحق السوريين، وأن المطلوب هو فقط ورقة الإقامة”.
شابة سورية مقيمة في الأردن منذ زمن، واجهت هذه المشكلة في مطار الملكة علياء، بعد أن كانت قادمة من تركيا مطمئنة إلى أن عقد الإيجار الذي بحوزتها يكفل لها دخول الأراضي الأردنية، بحسب معلومات وصلتها من الداخلية الأردنية بناء على سؤال تم توجيهه إليها. تقول الشابة التي رفضت الكشف عن هويتها: “قمت كالعادة بتعبئة استمارة توضح سبب زيارتي ومكان إقامتي ورقم هاتف شخص أردني يعرفني، اقتدت بعدها إلى غرفة المخابرات للتحقيق”، في التحقيق سألت الشابة عن غرض زيارتها فأجابت أنها مقيمة في الأردن وأنها سافرت إلى تركيا لأسبوع في زيارة عمل، ولكن لم يكن ذلك كافياً إذ قيل لها أنه من غير المسموح لها دخول الأراضي الأردنية بحسب التعليمات الأخيرة، وتتابع الشابة “لم يشفع لي أني مدعوة من منظمة لحضور ورشة عمل، حولوني إلى مكتب ثان حيث كان ختم الترحيل، نقلت بعدها إلى غرفة الترحيل أو الإبعاد”.
الترحيل يعني أن ينتظر الشخص المعني رحلة للعودة إلى المكان الذي أتى منه، وفي حالة هذه الشابة كانت العودة مقررة إلى اسطنبول، ولم يستجب طلبها بتبديل بيروت بإسطنبول، بقيت الشابة في غرفة الإبعاد لمدة 12 ساعة حتى أجدت اتصالات أصدقاءها في الأردن، وتم السماح لها بدخول الأراضي الأردنية، لتحذر كل معارفها وأصدقاءه السوريين في الأردن من مغبة مغادرة الأردن خوفاً من منع الدخول عند العودة كما حصل معها.
لم تنته قصة هذه الشابة هنا، فرغم خروجها من تلك الغرفة التي بقيت حبيستها نصف يوم، بقي لديها ما تخبره عمن لاقتهم في هذه المساحة التي يحتجر فيها السوريون بغرض إبعادهم، “هناك عائلات بأكملها تنتظر منذ أسبوع وأكثر، يعيشون مكدسين فوق بعضهم، التعامل معهم سيء للغاية، والطعام الذي يتوجب عليهم شراءه من السوق الحرة شديد الغلاء”، استنفذت نقود هؤلاء السوريين وباتوا في انتظار من يدفع عنهم ثمن الطعام ليسدوا رمقهم ورمق أولادهم القابعين في غرفة الإبعاد. وفي حالة مستهجنة منعت أم سورية من دخول الأردن بينما سمح لأطفالها الذين يحملون الجنسية الليبية بدخول الأردن، لكن في الوقت عينه لم يسمح لجدهم المقيم في الأردن بالوصول إليهم لاصطحابهم، في الحصيلة كان المطلوب أن يترك أطفال أحدهم في الثالثة من عمره ليخرجوا بمفردهم من المطار.
تتابع الشابة “ليس هناك من احترام لخصوصية النساء، يدخل ضابط الأمن الأردني غرفة النساء دون إنذار مع علمه بوجود منقبات في الداخل”.
أم أخرى تبلغ من العمر 25 عاماً سافرت برفقة ابنها البالغ سنة ونصف من العمر لزيارة أختها في اليمن، وحرمت العودة إلى الأردن حيث بقي ابنها الثاني برفقه جديه.
يعتبر أحد السوريين المقيمين في الأردن أن أسباب هذه الإجراءات التي تنتج عنها هذه المآسي، هو زيادة الضغط على السوريين على اعتبار أن الأردن لا يحتمل كل هذا العدد من اللاجئين، دون تجاهل الدور السلبي للإعلام في هذا الشأن، ويضيف “هذه طريقة للحصول على المزيد من المساعدات الدولية، الأردن عبر عن هذا الأمر صراحة”.
تختم الشابة السورية التي احتجزت لنصف يوم في غرفة الإبعاد شهادتها بضرورة نقل ما يجري في مطار الملكة علياء إلى العالم. “ربما هو تفصيل بسيط في بحر المأساة السورية، لكن يبقى هذا التفصيل مؤلماً، جارحاً، لا يجب السكوت عنه ولا تجاهل علاجه”.

