ليلى زين الدين
منذ عامٍ ونصف اعتاد المحاصرون على اتقان فنون الصبر، فلا عجب أن يمضي عليهم يومين وثلاثة دون لقمةٍ تقيتهم وتبقيهم على قيد الحياة…. هو جنوب دمشق وغوطتها الشرقية.
أسواق المدن المحاصرة كعادتها خالية من أية موادٍ غذائية والتي إن تواجدت في بعض الأوقات فبأسعارٍ لا قدرة للسواد الأعظم من الأهالي على شرائها أو الحصول على بعضٍ منها حيث الجميع باتوا فقراء.
في مخيم اليرموك وحيث قضى الجوع على ما يزيد عن 140 شخص يستمر المحاصرون في تناول الحشائش حيث لا يوجد في أسواقهم الرمضانية إلا بعض الفجل والبقدونس والبقلة وبعض الخضار كالكوسا، أما الشراب فهناك التمر الهندي والعرقسوس وبعض العصائر الملونة الصناعية.
أبو محمد ناشط من مخيم اليرموك يؤكد أن الحصار اشتد منذ حوالي العشرة أيام لا سيما مع تعثر توقيع الاتفاقية الخاصة بتحييد المخيمات، وذلك بسبب إصرار النظام على بند تسوية أوضاع المطلوبين في حين يرفض ذلك الأهالي.
ويؤكد خلو الأسواق من الأرز والبرغل والعدس، إلا أنه في الوقت ذاته يؤكد على أن المواد الغذائية متوافرة لدى التجار والمحتكرين ممن يتعاونون مع بعض الكتائب المقاتلة.
ويشير الناشط إلى أن هؤلاء قاموا بسحب كل المواد الغذائية مع بداية شهر رمضان، ويضيف: مشكلة منطقة جنوبي دمشق عموماً تتمثل في حملة السلاح من السارقين فليس كل من يقاتل هو ثائر، فهؤلاء يضيقون على الأهالي ويزيدون من الحصار ليستفيدوا عبر إعادة طرح المواد بأسعارٍ مرتفعة جداً.
في جنوبي دمشق تنتشر المطابخ الجماعية والتي يصل عددها إلى حوالي 12 مطبخ نصفها في مخيم اليرموك، تقوم بمهمة تحضير وجباتٍ يومية لآلاف العائلات، وتنشط الآن في رمضان لتأمين التبرعات، إلى جانب إقامة بعض المشاريع الزراعية.
“بستان الشهداء” أحد المشاريع التابعة لمؤسسة بصمة الاجتماعية والذي يسعى في أحد أهدافه إلى إطعام ربع سكان المخيم “أي ما يقارب خمسة آلاف محاصر من أصل عشرين ألف”.
لم يمض أكثر من شهرٍ على البدء في زراعة “بستان الشهداء” كما يخبرنا محمود نصار أحد القائمين على المشروع حيث بدؤوا بتوزيع الكوسا على الأهالي وأيضاً على المطابخ.
إلا أن المنطقة الجنوبية تعاني أيضاً من عدم توافر المياه وهو أحد معوقات إقامة المشاريع الزراعية وهو ما يكلفهم عند كل سقاية ما يقارب 6000 ليرة فقط لاستجرار المياه من الآبار، فسعر ليتر المازوت يتجاوز الألف ليرة داخل الميخم، كما يؤكد نصار.
ومشكلة المنطقة الجنوبية من دمشق أن معظم أراضيها الزراعية موزعة على أطرافها أي في مناطق ليست بعيدة عن عين القناص ورصاصه، لكن مع ذلك يحاول الناشطون الاستمرار في زراعة الأرض.
والحال في الغوطة الشرقية ليس أفضل بكثيرٍ من حال جنوبي دمشق، حيث وثق ناشطون وفاة أكثر من 110 أشخاص بسبب الجوع وسوء التغذية، وهذا ثاني رمضان يمر على المنطقة وهي ما زالت تحت الحصار.
أكثر المحاصيل انتشاراً في أسواق الغوطة هي الكوسا، وعلى سبيل الدماثة نشر ناشطون إحدى النكات على صفحاتهم تعبر عن أن الكوسا بات المنتج الوحيد المتوافر في أسواق الغوطة، في أن “رجلاً ذهب ليشتري كوسا فلم يجد في السوق إلا الكوسا في حين أن زوجته طلبت منه شراء الكوسا وليس الكوسا”.
أم مصطفى سيدة من دوما أم لسبعة أولاد، تعتمد على مساعدات الجمعيات الخيرية والمكتب الإغاثي، حيث لا يوجد لديها أي معيل بعد وفاة زوجها، تقول: مضت علينا أياماً كثيرة لا نتناول فيها إلا الملفوف وأحياناً بعض الحشائش، فحتى الجمعيات الخيرية ليس لديها إمكانية لتغطية كامل العائلات، وبعض الكتائب لا تنظر لحال الناس ولا تقدم لهم شيئاً من طعامها المخزن في المستودعات.. ولذلك “أصبح حالنا أسوأ لأن هناك من يدخل الطعام ويحتفظ به لنفسه أو يطرحه في الأسواق بأسعارٍ خيالية”.
أية عائلة من الغوطة إن أرادت أن تحضر فطورها بنفسها ستحتاج إلى أكثر من عشرة آلاف ليرة لتأمين وجبتها، فالمواد ورغم توافر بعضها تصل أسعارها إلى حدودٍ لا تتمكن العائلات من الحصول عليها.
يصل سعر كيلو الطحين إلى أكثر من 2500 ليرة، وربطة الخبز 1500 ليرة، وسعر كيلو القمح المطحون 1000 ليرة، وسعر كيلو الأرز 900 ليرة، وسعر كيلو البرغل 1000 ليرة، وكيلو السكر 750 ليرة، سعر كيلو المعكرونة 900 ليرة، سعر كيلو الفول اليابس 800 ليرة، سعر كيلو الحمص اليابس 800 ليرة، سعر كيلو الشاي 3000 ليرة، سعر كيلو الحليب 250 ليرة، سعر صحن البيض 3000 ليرة.
أما أسطوانة الغاز فتصل إلى 32 ألف ليرة لذلك استعاض الأهالي منذ زمن عنها بمواقد الخشب.
في حرستا تحاول أم سميح أن تنفذ مشروعاً لإطعام حوالي 150 عائلة، وتحاول مضاعفة العدد في شهر رمضان، عبر مطبخها المكون من أربع مواقد الخشبية، قدمت في أول يومٍ من رمضان طبخة الكبسة وتم توزيعها على الأهالي لكن إشباع البطون لا يمكن أن يكون دون وجود تبرعات فالطبخ قائم على تبرعاتٍ فردية ومساعداتٍ من قبل الناشطين.
وتؤكد أم سميح أنها تتحدى النظام والحصار بطريقتها، فهو يريد رضوخ الأهالي عبر سياسة التجويع وهي تعمل على كسر الحصار وإشباع البطون الجائعة.
من جانبه المكتب الإغاثي الموحد في الغوطة الشرقية يؤكد أن أكثر من نصف سكان الغوطة البالغ عددهم قرابة المليون، يحصلون فقط على وجبة واحدة في اليوم.
ولتخفيف الجوع والحصار أطلق المكتب حملة (رمضان يحينا) المتضمنة ستة مشاريع إغاثية (سلة رمضان، إفطار صائم، كشك رمضان المتنقل، كسوة عيد، فطرة عيد، لعبة وعيدية).
ورغم وجود العديد من المشاريع داخل المناطق المحاصرة والتي تهدف إلى تخفيف وطأة الجوع والموت عن المدنيين إلا أنها تبقى عاجزة عن تأمين كامل الحاجة كما يشير الناشط أبو عارف من الغوطة، ويضيف “العائلات لا تعرف طعم رمضان بسبب الحصار والقصف، فكل الأيام باتت تشبه بعضها، والكل ينتظر تبرع من هنا أو مساعدة من هناك”.

