سيمون جِنكينز, موقع الغارديان, 10 تموز 2014
ترجمة موقع الحل السوري.
حدّقت صديقتي في إحدى المرات بالمراهقين الطائشين لديها وأخبرتني أنها استطاعت التحكم بهم من ناحية المخدرات والجنس العاديين، لكنها لم تستطع التعامل مع شيء واحد يخصهم، وهو “تلقي الدين”… كم من الفظاعة أن يجد الآباء أبنائهم يفقدون شبابهم في معارك الجهاد في الشرق الأوسط.
ما السبب الذي جعل صبيّين مراهقين من كارديف، وفتاتين بعمر الـ 16 من مانشستر، أن يذهبوا إلى سوريا؟
يشعر الشباب منذ زمن بعيد بالرومانسية تجاه الحروب البعيدة، كما في إٍسبانيا في الثلاثينات من القرن الماضي، أو كما في الفيلق الأجنبي الفرنسي، لكن بالتأكيد ليس النزاع السلفي ضد حركة التشيّع العلوي للسيطرة على الخلافة.
عشرة بالمائة من الأطفال البريطانيين تحت سن الخامسة هم مسلمون، وسيصبحون يوماً ما مراهقين، يحضر الكثير منهم دروس في القرآن وقوانين الشريعة في المساجد، حيث يؤمرون بالتعددية والتسامح اللذين أصبحا موضع نقاش.
عندما كنت أزور دولاً إسلامية مثل تركيا ومصر وسوريا والعراق، كنت أُعجب بأنظمتهم العلمانية، والدكتاتورية بأي حال، كما التحفّظ في التسامح الديني.
قد تكون لدى البعثيين وغيرهم وحشية سياسية، لكنهم كانوا خصوماً للتطرف الديني، فقد أبعد أتاتورك وعبد الناصر والأسد وصدام، الأصوليين في الخليج.
كتب مؤثراً المؤلف البريطاني إد هوسين في كتابه “ إسلام الليبراليين المتعددي الأديان” حيث وجدهم في دمشق منذ عقداً من الزمن فقط، “ورأت الحكمة المتعارف عليها الإسلام متطوراً مثل المسيحية، ما يكفي لاحترام الانقسام بين الدولة والكنيسة”.
مجّد العلماء التشريعات السلمية والفكرية في القرآن، وبالنسبة لـ هوسين فإن لندن أكثر خطورة من دمشق، وكانت السلطات البريطانية ممانعة في قبول التحذيرات التي أشار إليها هوسين وغيره تجاه التعليم التحريضي من قبل بعض الأئمة في المساجد وبعض الجماعات مثل حزب التحرير في الكليات، وقد أطلق على هذا الأمر اسم ” الرغبة المثالية البريطانية لغض الطرف وتجنب الانفعال تجاه الأسباب التافهة”، ويتمنى أنه في النهاية سيُحسب الأمر بطريقة صحيحة.
معرفتنا الآن أصبحت أفضل، فقد أثبتت بقسوة الأصولية الناهضة عديمة التسامح، مقارنة مع القرون الوسطى. معظم البريطانيين الآن غير قادرين على حل الفوضى والانقسامات المخيمة على العالم الإسلامي الآن، ولا يمكنهم سوى رؤية وعود الربيع العربي تتبدد، وكيف الحضارة الممتدة من البحر المتوسط إلى المحيط الهادي تمزق نفسها إرباً. أما نزاعات السنة والشيعة، الوهابيين والسلفيين، فقد تركت الناس في حيرة، فليس هناك أي مؤشر على “الإصلاح الإسلامي المنتظر”، حتى في بريطانيا الليبرالية يبدو العديد من الشباب متقبلين لأكثر المراسيم استبداداً من القرآن.
لقد حذّر العالِم الإسلامي ماليز روثفن أنه في حين تميل معظم الأديان السماوية إلى النهوض في تفسير الكتب السماوية بعيداً عن التفسير الحرفي للنص، فإن فكرة القرآن كمرشد للتعددية والديمقراطية هي فكر غير واقعي، يتخلله لغة الجهاد أو الكفاح، والانتصار على الكافرين. فالقرآن يلح على وحدانية المجال السياسي والديني في عالمنا هذا، كما في العالم المقبل.
كتب روثفن أيضاً: “عندما يسمح بوجود طرق مختلفة للوصول للحقيقة النهائية، يصبح إخلاص الفرد لدينه مشكلة خياره الشخصي، وهذا الاختيار هو عدو الإيمان بوجود تلك الديانة، خاصةً في مسألة التوحيد التي يفترض التمسك بها”.
للإسلام عقيدةٍ جميلة، لكن أحكامه عديمة الرحمة، وتلك الأحكام هي التي يناشدها المسلمون البريطانيون والتي ربما تشكل تهديداً بسبب تأييد جيل الشباب لها.
أشار كاتب آخر ” هانز كونغ” والذي له نفس النزعة، بأن الجهاد لم يكن فقط مفهوماً دفاعياً ولكن “الجهاد من أجل رفع راية الله بين المشركين”. ولجعله يتوافق مع التعددية السياسية, يتطلب الأمر ثورة لاهوتية ” نقلة نوعية كلية”.
حتى بالنسبة لتقديم اقتراح، يمكن أن يكون الأمر خطراً بالنسبة لمسلم له وجهة نظر بدعية تجاه الكاثوليكية أو البروتستانتية الليبرالية، في كاليفن جنيف.
الإحياء الإمبراطوري لجورج بوش وتوني بلير والمحافظين الجدد كان كارثياً، فقد تركت كل من أمريكا وبريطانيا العالم الإسلامي بعيداً تماماً عن الديمقراطية الليبرالية بعد تدخلات وصلت تكلفتها لـ تريليون دولار.
من السهل الآن القول بأن المعاناة انتشرت من شواطئ لبنان إلى حدود باكستان والهند وهي ” من مسلم تجاه مسلم”، لكنها جميعها تأثرت بالتدخل الغربي.
الجيوش الغازية المتعطشة للدماء، والتي تقوم بتفجيرات بطائرات بدون طيار، كانت متطرفة جداً في تجنيدها، ويجب تصنيفها على اعتبارها مغامرة عسكرية معظم نتائجها في الآونة الأخيرة كانت عكسية.
المسئولون الغربيون الذين ابتهجوا للربيع العربي اتضح لهم الآن أن أحلامهم بذلك الربيع كانت ساذجة، فتلك الانتفاضات ربما أطاحت ـ بدعمٍ من القوات الغربيةـ ببعض الرؤساء العلمانيين والبلطجيين في الوقت ذاته، ولكن الفوضى الناتجة من تلك الانتفاضات تسببت بتسليم السلطة لشخصيات متعصّبة مركزة فقط على النظام والانسجام الفكري.
تمت المبالغة في مسألة قوة داعش ومنافستها القاعدة في تهديدهم لبريطانيا، فينبغي التقليل من أهمية وقيمة الدعوات الجهادية المرعبة للشباب البريطانيين للخروج والقتال، بينما اقتراحات ديرلوف توحي باستمرار بأن الحروب الدينية هي الأسوأ دوماً، وبالوقت نفسه هي أصعب الحروب التي يمكن أن تنتهي.
يحتاج المسلمون تماماً للمساعدات الإنسانية القادمة من الغرب، كما يحتاجون للملجأ في المحن. ويجب على البريطانيين أن يتقبلوا وجود محاكاة لنزاعاتهم في مجتمعاتهم المحلية، لكن النظرة الماكرة لدى واشنطن ولندن هي بسبب أن المحن العشائرية الإسلامية يمكن التخفيف من حدتها بواسطة أسلحة وقذائف وجنود أكثر، وإن هذا الأمر هو إثارة حرب ساخرة.
لقد تسببنا بأضرار كبيرة للعالم الإسلامي مقارنة مع ما فعله هو معنا على الإطلاق، ينبغي علينا عدم التدخل في شؤونهم، فلدينا ما يكفي من المسائل التي تستدعي الانشغال بها وحلها.

