من مخيمات اللاجئين إلى خشبة المسرح.. لاجئات سوريات في “أنتيغون السورية”

انتيغون

بيروت ـ رامز أنطاكي

انتهى عرض مسرحية “أنتيغون السورية” على خشبة مسرح المدينة في الحمرا-بيروت في 12 كانون الأول الجاري، بعد ثلاثة عروض تميزت بإقبال جماهيري جيد ومتعدد المشارب سورياً ولبنانياً. العرض الذي كانت بطلاته نساء سوريات وفلسطينيات آتيات قسراً من سورية، حظي أيضاً بتغطية إعلامية واسعة بصفته عرضاً غير تقليدي لجهة النص والممثلين.

“أنتيغون” نص مسرحي يوناني كلاسيكي لـ “سوفوكليس” يروي قصة “أنتيغون” الفتاة التي ماتت لقاء إصرارها على دفن جثة أخيها، خلافاً لقرار الملك كريون الذي يعتقد أن أخو “أنتيغون” هذا قد خانه، كما يعالج النص حالة الحب بين “أنتيغون” وابن الملك.

محمد العطار السوري ابن الثالثة والثلاثين عاماً هو أحد القائمين على العرض، يتحدث عن التجربة فيشير إلى أن كادر العمل كان قد عمل منذ عام 2005 على توظيف المسرح في العمل مع المهمشين اقتصادياً واجتماعياً، ومع غير المحترفين مسرحياً، حيث نشط في مناطق سورية عديدة، وفي إصلاحية الأحداث، كما مع اللاجئين العراقيين، مكتشفاً أهمية استخدام المسرح في التعامل مع هؤلاء الناس المهمشين متسلحاً بالقراءة والتعلم والتجريب.

يشير العطار الذي تخرج من المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق، عن تجربة سابقة لتجربة “أنتيغون” مع نص إغريقي هو “نساء طروادة” في عمان بمشاركة لاجئات سوريات أيضاً، بينما في حالة “أنتيغون” فالممثلات السوريات اللواتي بلغ عددهن أربعين، أتين من مخيمات صبرا وشاتيلا وبرج البراجنة، وهنّ يمثلن شرائح واسعة من المجتمع السوري لجهة المناطق التي أتين منها ومستوياتهن العلمية المتنوعة، ويتابع العطار الحديث عن الجهد والالتزام العاليين المطلوبين من المشاركات رغم الظروف المتقلبة التي تميز حياة اللاجئ عادةً، فالعمل يعتبر عملاً محترفاً رغم أن المشاركات فيه مستجدات على هذا النوع من الفن.

لم يحاول العطار من خلال عمله على النص اقتباس نص “سوفوكليس” كما هو في تجسيد حرفي، فالنص تحول إلى ما أريد منه، أي تشكيل إطار ومدخل لحكايا النساء اللاجئات في “فعل تحريضي لهنّ على السرد والبوح”، مع طرح مفهوم المأساة في يومنا الحاضر وحالة النساء اللاجئات، “لذا قمت بتفكيك نص أنتيغون وتسليمه للنساء ليشكل بداية لكل واحدة منهن لرواية قصتها الخاصة”.

يرى فريق العمل أن حكايات النساء المشاركات تستحق أن تروى وأن تسمع، وهذا جزء أساسي من أهداف العمل، وهذه الحكايات بعد جمعها “تشكل موزاييك أحوال المرأة السورية اليوم في الحرب واللجوء والشتات”. ويعتقد العطار أن النساء بصفتهن أمهات وزوجات وحبيبات وأطفال، هنّ من تدفعن الثمن الأكبر لما يجري في سورية منذ أعوام، في وقت يمتلكن فيه المساحة الأصغر التي تمكنهن من إطلاق صوتهن وإبداء رأيهن حول بلدهن ووضعهن كلاجئات تحولن في حالات كثيرة إلى معيلات لأسرهن، لذا فمن المهم توفير هامش لهن ليتمكن من المشاركة والإحساس بالفاعلية، مبرزين أصواتهن الخاصة، في “مواجهة أنظمة استبدادية متعددة سياسياً ودينياً وذكورياً”، من خلال عمل مسرحي يلعب فيه الملك ذو السلطة الذكورية والسياسية دوراً رئيسياً في مواجهة “أنتيغون” المرأة.

العمل الممول من “بريتيش كاونسل” و”هاينريش بول” ومبادرات سورية ناشئة بالإضافة إلى أفراد، تطلب ما يقارب ثلاثة أشهر تقريباً من التحضيرات والبروفات، وواجه تحديات مختلفة كإقناع الذكور في عائلات المشاركات بصوابية العمل الذي يقمن به، وصعوبة العمل المسرحي في بيروت حيث لا بنى تحتية، والكلفة المادية المرتفعة، لكن العمل في المحصلة أفضى تدريجياً إلى تنامي الثقة بالنفس لدى المشاركات من خلال العلاقة مع المدربين، والتعبير عن الآراء الخاصة، وصولاً إلى القدرة على المواجهة والمطالبة بالحقوق، بدءاً من مواجهة الإزعاج في الشارع والموجه لهن بصفتهن نساء أو لاجئات، وصولاً إلى مجتمعهن الصغير حيث تطغى السلطة الذكورية. ولا بد هنا من الحديث عن نتائج أعمق وأهم “كالتحريض على التفكير وتغيير القناعات ومقاربة الأمور المصيرية على نحو مختلف”، لكنها نتائج لا تظهر إلا بمرور الوقت، كما أنها صعبة القياس بحسب العطار.

لم يساوم القائمون على العمل على “تقديم عرض مسرحي عالي القيمة فنياً”، مبتعدين عن الاختباء وراء عدم احتراف المشاركات وأوضاعهن الصعبة كلاجئات، كما كانوا صريحين منذ البداية حول إمكانياتهم وحقيقة أنهم لا يستطيعون تغيير حياة هؤلاء الناس على نحو جذري، ومتفهمين لحدود طاقة العمل والعاملين فيه، فالنساء المشاركات كن يرجعن كل يوم إلى مجتمعهن اللاجئ بكل قساوته وخيباته.

علاوة على النتائج الإيجابية التي لمستها النساء المشاركات، يقول العطار إن العمل كان فرصةً أيضاً لهم كفريق عمل ليتعلموا أموراً جديدة، وليعيدوا اكتشاف بعض البديهيات المسرحية التي كانت “تحصيل حاصل” أو بعيدة عن تفكيرهم كمحترفين.

أما عزام الشاب السوري الذي يمتلك تجربته المسرحية الخاصة، فلديه بعض الملاحظات التقنية على العرض، لكنه يشير إلى ضرورة تذكّر عدم احتراف المشاركات، ويعبر عن إعجابه بالصدق الذي امتاز به العمل، والتعبير عن التعددية السورية من خلال تنوع المشاركات واختلاف قصصهن، وإعجابه بتحريض المشاهدين على التفكير، متمنياً استمرار مشاريع مشابهة وإتاحة الفرصة للنساء اللواتي يرغبن في التقدم في هذه التجربة أكثر.

أنتيغون السورية: إخراج: عمر أبو سعدة، العمل على النص: محمد العطار، تدريب الممثلات: حلا عمران.