مجلة أمريكية: عفرين المدينة المنسية

نشرت مجلة Jacobin الأمريكية مقالاً تتحدث فيه عن تجاهل وسائل الإعلام الدولية لما حصل في مدينة عفرين من اعتداء وأعمال وحشية بحق المدنيين من قبل فصائل “المتمردين الإسلاميين السوريين” المدعومين من قبل تركيا، مشيرة إلى التغيير الديمغرافي لسكان المنطقة أيضاً. فمن وجهة نظر المجلة، سحق الاعتداء على عفرين منارة الديمقراطية في سوريا، وبالرغم من تجاهل وسائل الإعلام الغربية لما حصل في هذه المدينة السورية، إلا أنها عندما ذكرت ما كان يحدث فإنها وصفت الضحايا على أنهم “إرهابيون”. فقد فرّ حوالي 400000 شخص من مدينة عفرين الواقعة في الشمال السوري في آذار من العام الحالي. غادر معظمهم سيراً على الأقدام حاملين كل ما يمكنهم حمله. وتشير المجلة إلى أنه بالرغم من ذلك لم ينجوا البعض منهم من استهداف الطائرات التركية لهم. فقد عانى أهالي المدينة الكثير خلال رحيلهم عن مدينتهم حيث اضطرت العائلات التي لديها أطفال للنوم أثناء الليل على جانب الطريق في منطقة معادية ومتنازع عليها.

لم يكن الحال أفضل لمن لجأ إلى حلب الشهباء المجاورة حيث وجدوها محاصرة من قبل “المتمردين الإسلاميين” وقوات الحكومة السورية. وبحسب المجلة، فقد حرموا من المساعدات الإنسانية وتم احتجاز أشخاص ذوي إصابات تهدد حياة البعض منهم. كما فقد الكثير ممن لجؤوا إلى المنازل المهجورة حياتهم أو تعرضوا لإصابات بالغة بسبب الألغام التي زرعتها داعش أثناء انسحابها. كذلك تعرضت البنية التحتية للدمار، وتلوثت معظم مصادر مياه الشرب، كما أن إمدادات الغذاء غير موثوق بها. ما أدى إلى وفاة الأطفال وكبار السن متأثرين بإصابتهم بأمراض تم القضاء عليها في معظم أنحاء العالم. أما من أبى الرحيل، فلم يحظى بحظ أوفر بكثير، فقد نهب “المتمردون” كل ما يمكن حمله وأجبروا من تبقى من الإيزيديين على اعتناق الإسلام، كما قاموا باختطاف وتعذيب وإخفاء المدنيين وابتزوا عائلاتهم للحصول على الأموال من خلال تسجيلات فيديو على غرار الأسلوب الذي كان يتبعه تنظيم داعش. وفرض المحتلون الجدد التغيير الديموغرافي في المدينة ووسعوا سياسة “التتريك” الممتدة من المنطقة الكردية في جنوب شرق تركيا إلى شمال سوريا.
كما أشار المقال إلى أن المدارس التي كانت في السابق ثنائية اللغة عربية – كردية أجبرت على التوقف عن التدريس باللغة الكردية، وحلّت محلها اللغة التركية كلغة إلزامية في المدارس. ورفعت الأعلام التركية في المدينة وكذلك صور الرئيس أردوغان. فالإدارة التي كانت في السابق انتخبت بشكل ديمقراطي بنسبة 50 بالمئة من المناصب للمرأة، حلّ محلها اليوم إدارة ذكورية تم تعيينها من قبل أنقرة.

وتعزي المجلة عدم معرفة الرأي العام العالمي لما حصل في عفرين إلى تجاهل وسائل الإعلام الدولية لتغطية الأحداث في المدينة. وتضيف بأن الدولة التركية التي دعمت وحرّضت داعش، والتي تفتخر اليوم بثاني أكبر جيش للناتو، هاجمت منطقة لم تقدّم فقط الآلاف من أبنائها وبناتها في الكفاح ضدّ الدولة الإسلامية، وإنما أيضاً قدمت الملجأ الآمن لأكثر من 300000 نازح في سوريا. ودمرت الغارات الجوية التركية البيوت والمدارس والمستشفيات، فجميع أشكال الأعمال الوحشية مورست في المدينة.
وتستنكر المجلة الصمت الدولي تجاه ما حصل في القول: ربما رأى العالم احتلالاً غير مبرر في الوقت عينه الذي وقع فيه الغزو, لكن استجابته الكبرى لما حصل كان الصمت. استنكر بلا ريب السياسيون الغربيون ووسائل الإعلام الدولية الحديث عن “المصالح الأمنية المشروعة لتركيا” و”الحاجة إلى ضبط النفس من الجانبين”. وبقدر ما سمع المدنيين عن هذا الصراع, فإنهم لم يسمعوا شيئاً إلا فيما يتعلق بأحداث “محاربة الإرهاب” فكان ذلك هو الافتراء الأساسي للهجمات على شعب عفرين.

وتكشف المقالة التناقض في التغطية الدولية لمعركة عفرين ومعركة كوباني من قبل في عام 2015. ففي معركة كوباني للأكراد ضدّ تنظيم داعش الإرهابي، كانت التغطية الإعلامية مستمرة بلا توقف مع مدح وتمجيد شجاعة المقاتلات الكرديات من وحدات حماية الشعب YPJ ، كما أكدت على أهمية وجود وحدات حماية الشعب YPG & YPJ ونجاحهم. ووثّقت ما آلت إليه المدينة بعد تحريرها. لكن في معركة عفرين، وعندما فجرّت إحدى مقاتلات الـ YPJ نفسها في سبيل عدم وقوعها أسيرة في أيدي “المتمردين الإسلاميين” الذين شاركوا في اجتياح المدينة، قالت صحيفة النيويورك تايمز أن الأكراد في شمال سوريا وهم “حلفاء أمريكا” نفّذوا هجوماً انتحارياً ضد الجيش التركي في عفرين. الأمر الذي وضع الولايات المتحدة في موقف حرج من التحالف مع الانتحاريين الأكراد. ما قلل من إمكانية تدخل أمريكا للدفاع عن عفرين.
وشاركت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي أيضاً في دعم هذا السرد من خلال إشارتها إلى “الإرهاب الكردستاني”، مرتكبة بذلك خطأ في عدم إشارتها إلى منظمة أو مجموعة، إنما جرّمت شعباً بأكمله ما يثير التساؤل: منذ متى كان الإرهاب سمة عرقية؟ كذلك وصف المراسلون بشكل مبسط أن سكان عفرين وهم “القاعدة الإرهابية المفترضة” بأنهم “أكراد”، إنما في الواقع كانت عفرين حتى ذلك الحين كياناً متعدد الأعراق.

وفي نهاية المطاف، ترى المجلة أن الرأي العام الدولي والعمل الحكومي يتشكلان من خلال السرد الذي توفره وسائل الإعلام للعالم, وهنا تقع على عاتقها مسئولية قول الحقيقة والوقوف إلى جانب أولئك الذين يتعرضون للفظائع. وأيضاً الوقوف ضد منتهكي حقوق الإنسان الأساسية. بلا شك هناك صحفيون يخاطرون بحياتهم من أجل التواجد على أرض المعركة ورواية هذه القصص. وكمثال على ذلك أشادت المجلة بالصحفي محمد أكسوي، احد مؤسسي مجلة Region ، حيث سافر إلى شمال سوريا في حزيران من العام 2017 ليروي حكاية الناس المنسيين هناك. وسعى لنقل قصصهم، كما أعد تقريراً عن أول انتخابات محلية ديمقراطية في تاريخ سوريا. وعمل أيضاً على تدريب صحفيين ليحبكوا قصصهم بشكل أفضل، ووثق النضال والأمل والألم والعزم في معركة تحرير مدينة الرقة من تنظيم داعش بعد سنوات من معاناتها من الفظائع. ولم يكن لدى محمد أي مشكلة في تقديم حياته في سبيل إيصال قصص الناس في شمال سوريا إلى العالم. وبالفعل، قبل عام واحد قدّم حياته في سبيل ذلك. ففي 26 أيلول من العام 2017 هاجم تنظيم الدولة الإسلامية مكتباً إعلامياً في منطقة الرقة المحررة ما أسفر عن مقتله مع العديد من الأشخاص الآخرين. وبثّت جنازته على الهواء مباشرة على هيئة الإذاعة البريطانية BBC، في حين تجاهلت الهيئة ذاتها الحديث عن مقتل زملائه الصحفيين الذين قضوا في الهجوم ذاته، فقط لأن محمد عاش معظم حياته في أوروبا.

وترى المجلة أن حياة محمد وإرثه من العمل الصحفي يذكر بالمسؤولية التي يتحملها الصحفيون تجاه التجاهل الذي تعرضت له مدينة عفرين. فكانت عفرين اختباراً للمبادئ التي تعلموها في مهنتهم، لكن معظم وسائل الإعلام الدولية فشلت في الاختبار! وطالما أن سكان عفرين لا يزالون نازحين في مدينة حلب غير قادرين على العودة إلى منازلهم مفتقرين إلى المياه النظيفة والغذاء والرعاية الصحية, فإن هذا الاختبار ما يزال قائماً ولابد من الاستمرار في الحديث عما يحصل في عفرين وعن دور الإعلام بذلك.

رجا سليم

رجا سليم

صحفية سورية، معدّة برامج ومحتوى وثائقي، مهتمة بقضايا المرأة والمجتمع.