بي بي سي: كيف استخدم الأسد السلاح الكيماوي كوسيلة للنصر؟

نشرت شبكة الـ BBC تقريراً عن الدور الذي لعبته الأسلحة الكيماوية في استراتيجية النصر الذي حققه نظام الأسد في حربه ضد قوى المعارضة التي حاولت الإطاحة به. حيث يبين التقرير أن هناك أدلة كافية على وقوع ما لا يقل عن مئة وستة هجمات كيماوية في سوريا منذ شهر أيلول من عام 2013, وهو ذات العام الذي أعلن فيه النظام السوري عن تدمير ترسانته الكيماوية.
فقد صادقت الحكومة السورية على اتفاقية حظر الأسلحة الكيماوية بعد شهر من استخدامها في عدة أحياء في ريف دمشق. حيث أكدت الدول الغربية بأن هذا الهجوم لا يمكن أن ينفذه إلا النظام السوري. وهددت حينها الولايات المتحدة الأمريكية بهجومٍ عسكري، لكنها تراجعت بضغطٍ روسي بشرط تدمير الترسانة الكيماوية السورية. وبالرغم من إعلان منظمة حظر الأسلحة الكيماوية عن تدمير 1300 طن من المواد الكيماوية لدى النظام السوري، إلا أن الهجمات الكيماوية استمرت في مناطق المعارضة. لكن الأسد استمر في نفي استخدام الأسلحة الكيماوية مشيراً إلى تخلي نظامه عن ترسانته الكيماوية في عام 2013.

وبحسب منظمة حظر الأسلحة الكيماوية، فإن الأسلحة المستخدمة هي عبارة عن مواد كيماوية تستخدم للتسبب في قتل الأشخاص أو في إلحاق الضرر بهم من خلال خصائصها السامة. ويحظّر القانون الدولي الإنساني استخدام هذه الأسلحة بغض النظر عن وجود أي هدف عسكري لأن آثارها تنتشر على نطاق واسع وبشكل عشوائي وتحدث أضرار وإصابات جمّة بجميع الكائنات بطريقة غير مبررة. ويكشف التقرير بأن بعثة تقصّي الحقائق التابعة لمنظمة حظر الأسلحة الكيماوية في سوريا قد حددت منذ عام 2014 سبعة وثلاثين حادثاً استخدم فيه السلاح الكيماوي ما بين شهر أيلول 2013 ونيسان 2018. كذلك أعلنت لجنة التحقيق الدولية التابعة لمجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة عن وجود أسباب منطقية للاعتقاد بأن الأسلحة الكيماوية قد تم استخدامها في 18 حادثة أخرى.

وتكشف شبكة الـ BBC بأنه وبعد مراجعة 164 تقريراً عن الهجمات الكيماوية في سوريا منذ توقيع النظام السوري على اتفاقية حظر الأسلحة الكيماوية، فإن أدلة موثوقة تؤكد استخدام الأسلحة الكيماوية في 106 حالات من أصل الحوادث الـ164 المذكورة. وبالرغم من أن عدداً قليلاً فقط من هذه الهجمات قد ذكرته وسائل الإعلام, إلا أن التقارير تشير إلى وجود الاستخدام المتكرر والمستمر لهذه الأسلحة. فبحسب جوليان تانغيري، الرئيس السابق لبعثة منظمة حظر الأسلحة الكيماوية في سوريا، فإن النظام السوري قد استمر في استخدام هذه الأسلحة بعد أن حصل على النتائج المرجوة ورأى أنها تستحق المخاطرة.

ويبين التقرير بأنه وبالرغم من عدم السماح لفريق الـ BBC بالوصول إلى الأفلام المصورة على الأرض في سوريا أو زيارة المواقع التي تم الإبلاغ عنها، فإن هذا الفريق قد قيّم قوة الأدلة المتاحة في كل حالة بما في ذلك لقطات الفيديو والصور لكل حادث وكذلك المعلومات عن الموقع والتوقيت. حيث يؤكد التقرير وقوع عدد كبير من الهجمات التي أعلن عنها في محافظة إدلب ومحافظتي حماه وحلب المجاورتين بالإضافة إلى الغوطة الشرقية في ريف دمشق. ومن بين هذه المواقع التي أبلغ عنها هي بلدة كفر زيتا في محافظة حماه ودوما في الغوطة الشرقية. حيث شهدت كلتا البلدتين معارك شديدة بين مقاتلي المعارضة وقوات النظام، وحصدت الهجمات الكيماوية هناك أرواح عدد كبير من الضحايا. لكن أكثر الحوادث دموية وقع في مدينة خان شيخون في محافظة إدلب في الرابع من نيسان عام 2017، حيث تقول مصادر في المعارضة بأن أكثر من 80 شخصاً قد قتلوا في ذلك اليوم. وفي كل هذه الهجمات، تشير الأدلة إلى النظام السوري. إذ أعلن مفتشون من بعثة مشتركة بين منظمة حظر الأسلحة الكيماوية والأمم المتحدة في حزيران 2014، إلا أن تقارير استخدام هذه الأسلحة من قبل النظام السوري ظلّت تتواتر.

ويبين التقرير بأن آلية التحقيق المشتركة بين منظمة حظر الأسلحة الكيماوية والأمم المتحدة قد ذكرت بأن غاز السارين الذي تم تحديده في العينات المأخوذة من خان شيخون، من المرجّح أنه صنع من مادة كيماوية كانت ضمن مخزون النظام السوري الأصلي. وهذا يعني أنه لم تتم إزالة وتدمير كل شيء كما صرّحوا من قبل. وبالرغم من تبادل الاتهامات بين سوريا وروسيا من جهة وفصائل المعارضة المسلحة من جهة أخرى باستخدام تلك الأسلحة، فإن الأدلة المتوفرة، بما في ذلك الأشرطة المصورة والصور الفوتوغرافية وشهادات الشهود، تشير إلى أن ما لا يقل عن 51 من الهجمات الـ 106 التي تم الإبلاغ عنها قد تم تنفيذها عبر الجو. بينما تعتقد شبكة الـ BBC أن جميع هذه الهجمات قد شنّت من الجو، مما يدل على مسؤولية النظام السوري وحلفائه عنها. فقد قام توبياس شنايدر من المعهد العالمي للسياسات العامة إلى جانب منظمة حظر الأسلحة الكيماوية بالتحقيق فيما إذا كان بوسع المعارضة المسلحة شن هجمات كيماوية جوية، لكنهم لم يجدوا أي دليل على قدرتها بشن هجمات جوية في الحالات التي حققت فيها. حيث يؤكد شنايدر بأن نظام الأسد هو الطرف الوحيد الذي يستخدم الأسلحة الكيماوية في هجمات جوية.

ويشير التقرير لاحتمالية استخدام الكلور في 79 من أصل 106 من الهجمات التي أبلغ عنها. ويقول الخبراء إنه من الصعب إثبات استخدام الكلور في هجومٍ ما لأنه يتبخر ويتلاشى سريعاً. ويبدو أن تحديد توقيت ومواقع الهجمات الكيماوية الـ 106 التي تم التبليغ عنها، يكشف عن نمط في كيفية استخدامها. فبالإضافة إلى أن الأسلحة الكيماوية هي العقاب النهائي وأنها تزرع الخوف في الناس، فهي أيضاً رخيصة ومريحة للنظام السوري بعد أن انخفضت قدراته العسكرية بعد سنوات الحرب.

وتبدو حلب, المدينة التي شهدت المعارك لسنوات عدّة، واحدة من المواقع التي استخدمت فيها هذه الاستراتيجية. حيث شنّ النظام هجومه الأخير لاستعادة السيطرة الكاملة على المدينة بعد أن حوصر مسلحو المعارضة والمدنيون في شرق المدينة. وكانت المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة تقصف بالذخائر التقليدية، ثم جاءت عدّة هجمات كيماوية تسببت في سقوط مئات القتلى والإصابات، وسرعان ما سقطت حلب بيد النظام وحلفائه ونزح الناس إلى مناطق أخرى. ويبدو أن المرحلة الأخيرة من استعادة المناطق الخاضعة لقوات المعارضة هي استخدام الأسلحة الكيماوية لدفع الناس إلى الهروب. فقد تم الإبلاغ عن 11 هجوماً بالكلور في أواخر شهر تشرين الثاني حتى كانون الأول من عام 2016 وهي الأسابيع الأخيرة من هجوم النظام على شرقي حلب.

وبالرغم من إنكار النظام السوري استخدامه مادة الكلور كسلاح، إلا أن الهجمات الـ11 التي تم الإبلاغ عنها في حلب جاءت من الجو وحدثت في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، بحسب تقرير الـ BBC. حيث نزح في الأسابيع الأخيرة من معركة حلب حوالي 120 ألف مدني، فكانت نقطة تحول في الحرب الأهلية. ويمكن رؤية نمط ماثل من استخدام هذه الأسلحة بحسب التقارير الواردة من الغوطة الشرقية، المعقل الأخير للمعارضة في ريف دمشق. حيث تم الإبلاغ عن عدد من الهجمات في تلك المنطقة بين كانون الثاني ونيسان من عام 2018.
وتختم الـ BBC تقريرها بسؤال وجّهته لجوليان تانغيري فيما إذا كان المجتمع الدولي قد خذل الشعب السوري؟ ليجيب هذا الأخير: “نعم اعتقد ذلك. فبالنسبة لنظام الأسد كان صراع حياة أو موت ولم يكن هناك أي مجال لخط الرجعة كما تعلمون. لكن الأساليب التي استخدمها كانت مريعة”.

رجا سليم

رجا سليم

صحفية سورية، معدّة برامج ومحتوى وثائقي، مهتمة بقضايا المرأة والمجتمع.