نشرت صحيفة الغارديان البريطانية بالأمس تقريراً عن فريق سوريا لكرة القدم الذي تأسس في المملكة المتحدة ليجمع شبان من جنسيات مختلفة جمعتهم خبرتهم المتواضعة في كرة القدم. وقد تناولت الغارديان في تقريرها قصة مصطفى الذي فرّ من الحرب في سوريا إلى المملكة المتحدة تاركاً خلّفه كل ما يملك ليكسب حياة زوجته وأطفاله فقط. فقد منزله وعمله وسيارته في مدينة حمص قبل ثلاثة أعوام عندما غادرها لتتوقف الحياة عنده، حيث خسر عمله ولعب كرة القدم، كما فقد أصدقائه الذين يتجاوز عددهم 500 صديق. كل ذلك بسبب خطورة الحياة في مدينته السورية.
إلا أنه وبحسب التقرير، فإن مشاركته اللعب في نهائي كأس العالم للأمم في ملعب سانت جورج باراك ساعدت على إعادة بناء حياته. فبالرغم من عدم كفاءته للعب مع برشلونة، إلا أن مصطفى كان يلعب بمستوى جيد في بلده. فقد كان لاعباً محترفاً في فريق الكرامة السوري، الفائز بثمانية بطولات على مستوى الكرة السورية. مثله كمثل الكثيرين، عندما وصل مصطفى إلى المملكة المتحدة بدأ لعب كرة القدم مع أصدقائه في المنتزه، ذلك قبل أن يسمع بوجود مؤسسة الشباب الإيجابية (PYF) في مدينة كوفنتري. وفي ليلة باردة من شهر تشرين الأول، قاد فريقاً مكوناً من زملائه اللاجئين إلى نهائي كأس العالم للأمم للمشاركة في اللعب في الملعب الداخلي الجديد في منتزه سانت جورج في بيرتون.
الفريق الذي انطلق من (PYF) قدّم في البداية عروضا رائعة صممت خصيصاً للمتعة وبناء محبة الجمهور لكرة القدم. وعندما سمع الفريق عن بطولة كأس العالم للأمم، وهي عبارة عن بطولة للفِرق في ويست ميدلاندز تمثّل دولاً من مختلف أنحاء العالم، بدأ الفريق بالنمو شيئاً فشيئاً. ” انضم بعض الفتيان إلى فريق كرة القدم في غضون ثلاثة أيام من وصولهم إلى كوفنتري، قبل أن يسجلّوا حتى في المدرسة”. يقول كورماك ويلان، وهو المنسق الصحي والرياضي في (PYF)، كما أنه المنظم الرئيسي للفريق، ويضيف: “إن طريقة اعتنائهم ببعضهم البعض وتكيفهم مع البيئة الجديدة لأمر رائع جداً”. ومصطفى هو واحدة من الحالات الكثيرة المماثلة في فريق اللاجئين هذا الذين فرّوا عبر القارات هرباً من الظروف اليائسة. وجد البعض منهم طريقه إلى مخيمات اللاجئين الشاسعة دون أدنى فكرة عن مكان وجود عائلاتهم. البعض منهم قد يستطيع أن يعيد جمع شمله مع أحبائه في تلك المخيمات، لكن النسبة الأكبر سوف يجدون أنفسهم مضطرين للاستقرار في المملكة المتحدة بدون أن يعرفوا أي شخص هناك، وبدون أي دعم.. من هنا انطلق (PYF) وتأسس فريق كرة القدم للاجئين.
ويشير التقرير إلى أنه حتى حلول الصيف لم يكن أعضاء الفريق قد لعبوا سوية كفريق واحد مكون من 11 لاعب، لكنهم جاءوا للمشاركة واللعب تحت اسم “فريق سوريا”. وفي النهاية يمثّل سوريا في هذا الفريق بحدود عشرة جنسيات مختلفة. وقد كانت فكرة تأسيس هكذا فريق من بنات أفكار “عبيد حسين”، الذي كان مسؤول المساواة في شؤون كرة القدم في برمنغهام حتى وقت قريب. وعن الغرض من تأسيس الفريق يقول حسين: “لم يكن الهدف من تأسيس الفريق اختبار مدى جودة اللاعبين في امتهان اللعب بالكرة، إنما الأمر يتعلق أكثر بتوفير فرصة كهذه لتلك المجتمعات ليتشاركوا ثقافاتهم وحبهم لكرة القدم”. ويضيف: “لقد كنت أعرف الكثير من القصص من خلال ما سمعته من الأخبار، لكن أن تسمع القصص من مصدرها الأصلي أمر آخر.. فمن هم بعمر السابعة عشر والثامنة عشر والتاسعة عشر لا ينبغي أن يعايشوا كل تلك الأشياء التي مرّوا بها. لكنهم تمكنوا من تجاوز كل تلك الأشياء التي عاشوها لمدة 90 دقيقة (على أرض الملعب). هذا ما يجب أن تكون عليه كرة القدم”.
وبحسب التقرير، فإن غالبية اللاعبين في فريق سوريا هم من الشباب في أواخر مرحلة المراهقة وفي مطلع العشرينات تجمعهم قلّة خبرتهم الكاملة في كرة القدم، ما يعني أنهم بدؤوا البطولة كدخلاء. ولكن بعد تعرضهم لهزيمتين من العيار الثقيل، كانت إحداها بنتيجة 3 – 10 أمام فريق الجزائر، تمكنوا من استعادة قوتهم والتسلل إلى المركز الرابع في المجموعة، وبالتالي التأهل إلى النصف نهائي. وهناك كانت المفاجأة عندما تمكنوا من الفوز على فريق بيرمينغهام البرازيل بتسجيل هدفٍ في الدقيقة الأخيرة من المباراة، ما مكنهم من خلق سبيل للوصول بفريق سوريا المتعدد الجنسيات إلى النهائي.
وقد أقيمت معظم المباريات خلال فصل الصيف، لكن حسين أراد أن يكون الحدث النهائي حدثاً كبيراً. لذلك تم حجز بعض المدرجات الداخلية الكبيرة في انكلترا في شهر أكتوبر واستضافت فريق سوريا في مواجهة جديدة مع الجزائر.. لم تحدث قصة من الخيال في نهاية المطاف، فقد خسر فريق سوريا 4 – 0، مبررين الحدث بأن لاعبي المباراة كانوا رجالا ضدّ أولاد، فالفريق الجزائري منذ سنوات يلفظ الأطفال جانباً. النتائج لا تهم، فبعض اللاعبين الآن يلعبون لصالح (PYF) في برنامج التوعية مثل مصطفى. وقد تمت مساعدة معظمهم للتسجيل في المدارس، لكنهم جميعاً مجتمعين كفريق لكرة القدم الهدف منه فقط خلق جزء من الحياة الطبيعية في بلد جديد. ويبدو على مصطفى خيبة الأمل، لكنه متفائل. فحالته توحي بأنه كان سيبقى في مدينته حمص بالرغم من الخطورة فيها لو أنه كان بمفرده، لكنه انتقل للعيش في المملكة المتحدة من اجل زوجته وأبنائه الثلاثة.
وتنهي الغارديان تقريرها بقول مصطفى: “أنا لا أعرف ما إذا كان بإمكاني العودة إلى بلادي مجدداً، فأنا أجهل المستقبل وما يحمله. الحياة في المملكة المتحدة وكل شيء فيها جيد، سواء في التعليم أو الرياضة أو حتى الأصدقاء. أنا أشعر بالأمان هنا، والحياة هنا جيدة لي ولأطفالي. لقد بدأت هنا حياة جديدة، أصدقاء جدد، عمل جديد، كرة قدم جديدة. أنا سعيد جداً ولدي أحلاماً كبيرة!”.

