رجا أمين – بيروت
بعد الحرب الأهلية اللبنانية وعمليات إعادة الإعمار التي تلتها، يبدو أن المساواة في الاستفادة من هذا الإعمار لم تكن عادلة أو تامة، فالمحاصصة السياسية والطائفية جعلت الوزراء المعنيين ومازالت يهتمون أولاً بمناطق طوائفهم وأحزابهم، ولم يكن الشيعة عادة من هؤلاء المستفيدين، فالوزارات المعنية بإعادة الإعمار لم تكن في أيديهم حينها.
وكما كان من الشائع القول أن الشيعة محرومون في #لبنان، الأمر الذي أدى في فترات سابقة لنشوء حركة أمل تحت هذا الشعار، تبدو هذه المقولة صائبة اليوم -بمعنى ما- كما في الأمس، رغم التغيير الهائل الذي طرأ على الشيعية السياسية منذ السبعينات حتى اليوم، إذ تحولت من طائفة محرومة إلى طائفة أفرزت شخصيات وأحزاب تحكم لبنان فعلياً، وعلى نحو شبه مطلق بلغة السلاح ومنطق القوة.
مناطق تركز الشيعة في لبنان وحيث يتجلى النفوذ الأكبر لحزب الله وحركة أمل هي منطقة بعلبك-الهرمل، وجنوب لبنان بما فيه مدينة صور، والضاحية الجنوبية للعاصمة بيروت. كلها مناطق عُرفت بتدني مستوى الخدمات فيها، وتراجع البنى التحتية على نحو فاق في كثير من الحالات مناطق لبنانية أخرى يرى أبناؤها فيها مناطق محرومة أيضاً.
لا شك أن هناك بلديات محلية تستفيد من المجال الواسع المتروك للبلديات كي تقدم الخدمات المحلية، وهي تقدم الكثير في بعض مناطق الضاحية الجنوبية، ولكن رغم ذلك تبقى مفارقة أن جمهور القوى الأساسية في لبنان يعيش في مناطق محرومة.
في هذا الإطار انتشر قبل أسابيع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي لنهر الغدير في حي السلم، الحي الأكثر بؤساً ربما في الضاحية الجنوبية. لا ترى مياه النهر في الفيديو، فقط مجرى متحرك من النفايات المتنوعة، أطنان من النفايات حولت النهر إلى مجرور ضخم يأخذ كل ما يحمله باتجاه البحر الملوث أصلاً.
جزء من منطقة النهر منطقة بناء عشوائي ذات حوارٍ وزواريب ضيقة، فلا حاويات قمامة ولا سيارات لجمعها، ما يدفع السكان الفقراء والبائسين إلى التخلص من نفاياتهم بأسهل الطرق المتوفرة، فيتحول النهر إلى مجرور موسمي كل سنة.
انتهت الضجة التي أثير حول الفيديو الذي وصل إلى وسائل إعلام عالمية ليأتي خبر آخر صادم: المياه في حارة حريك، أي المنطقة الرئيسية في الضاحية، هي مياه ملوثة بالبراز البشري بحسب تحليلات للمياه أجرتها مؤسسة مياه بيروت وجبل لبنان! ولم ينفع التبرير الصادر عن المؤسسة والذي يفيد أن “هناك بئرين ملوثين فقط وهذا لا يعني أن الكل مياه ملوثة”، ولكن مئات الآباء المحفورة على نحو غير شرعي تتغذى من مصدر واحد ومن المرجح أكثر أن يكون التلوث عمومياً لا جزئياً.
وبعيداً باتجاه الجنوب، تكفي زيارة سريعة لمجرى نهر الليطاني ليتبين أن الكلام عن موت النهر وتحوله مجرى للنفايات الملوثة والمسرطنة يبدو صحيحاً جداً، وما تزال الخطط المرسومة والميزانيات الضخمة التي قيل أنها رصدت لتنظيف مجرى النهر متوقفة في مكان ما.
كل هذا يطرح السؤال عن سبب قبول جزب الله وحركة أمل بهذا الواقع الذي يرزح تحته جزء أساسي من جمهور الثنائي الشيعي، خاصة مع بروز مشكلة باخرة الكهرباء الأخيرة. فقبل شهور، أعلن عن قدوم باخرة تركية جديدة مستأجرة تدعى إسراء سلطان لتوليد الكهرباء إضافة إلى باخرتين سابقتين، وقيل أنه من المخطط لها أن ترسو قرب معمل الزهراني في جنوب لبنان، فاستبشر أهل الجنوب خيراً إذ ستتحسن التغذية الكهربائية في مناطقهم التي يصل انقطاع التيار الكهربائي فيها أحياناً إلى 16 ساعة يومياً. ولكن حدث ما لم يكن في الحسبان، إذ اعتراض نواب حركة أمل على رسو الباخرة في الجنوب، وتحركت شخصيات وفعاليات بلدية محسوبة على حركة أمل لتهدد بالويل والثبور إن رست الباخرة في الزهراني، فما كان من أولياء الأمر إلا أن حركوا الباخرة نحو الجية ثم ذوق مكايل ليستفيد أهل منطقة كسروان والمتن من بعض الزيادة في ساعات التغذية الكهربائية لمدة ثلاثة أشهر.
أدعت حركة أمل أنها رفضت الباخرة لأنها تخفي فضيحة فساد، وأنها ستمنع بناء معمل دائم في الزهراني، خلا أنها ملوثة للجو! ولكن أصوات أخرى ارتفعت لتروي رواية أخرى، قد تكون هي التفسير لما يلاحظ من ضعف الخدمات والبنى التحتية في المناطق الشيعية.
مفاد هذه الرواية أن ازدياد ساعات التغذية الكهربائية في مناطق الجنوب سيعود بالضرر المباشر على مافيات المولدات الكهربائية التي تزود المستفيدين المحليين بإشتراك تيار كهربائي في ساعات التقنين، وهذه المافيا مرتبطة مباشرة بحركة أمل وتشكل مفاتيح انتخابية لها حين اللزوم، وعليه، فالحركة وتحت ستار محاربة الفساد والتلوث، حرمت الكثيرين من جمهورها وجمهور حليفها حزب الله من ساعات كهرباء إضافية، فقط لتحافظ على استفادة وتراكم ثروات مافيا المولدات. في الوقت عينه، صحيح أن بعض جمهور الحركة والحزب اشتبك افتراضياً حول هذا الموضوع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إلا أن الحزب نفسه لم يفعل شيئاً علمياً لإبقاء الباخرة في الجنوب!
بقاء مناطق الشيعية الرئيسية محرومة من المياه النظيفة والكهرباء معقولة التقنين والخلو من النفايات لا يمكن تفسيره بسبب أو سببين، ولكن هناك –بدون شك- دور لسكان هذه المناطق الذي يشعرون بأنهم محميون من قبل الحزب والحركة، وأنهم فوق القانون، فيتعدون على الشبكات الكهربائية، ويمتنعون عن دفع فواتيرها، ويحفرون الآبار العشوائية ويرمون النفايات هنا وهناك دون خوف من حسيب أو رقيب.
ومن جهة أخرى يبدو أن القادة السياسيين لهذه الفئة تهتم أولاً بطبقة اقتصادية ناشئة تراكم الثروات من مولدات الكهرباء على سبيل المثال، فتحمي مصالحها قبل حماية مصالح العامة والمواطنين العاديين الذين لا يُلتفت إليهم إلا قبيل الانتخابات.
وأخيراً، يعتقد بعضهم أن بؤس الحالة في كثير من مناطق شيعة لبنان، مضافاً إلى سرديات الشهادة والمقاومة والتحرير، والتصدي للإرهاب الداعشي، يغذي مشاعر كره الآخرين، سنة ومسيحيين ودروز، الذي يعيش كثيرين منهم في مناطق ذات ظروف أفضل ولا يقدرون –بحسب المتخيل الشيعي- تضحيات بيئة المقاومة في وجه إسرائيل وداعش.

