نشرت صحيفة The Post Millennial الكندية تقريراً تصف فيه الانسحاب الأمريكي من سوريا بالعمل الجبان والهروب ما لم يتم تحرير “السبايا” الإيزيديات من قبضة تنظيم الدولة الإسلامية داعش. فمنذ أن أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية قوةً عالمية بعد الحرب العالمية الثانية, وسياستها في الشرق الأوسط تتجاهل بعض أسوأ الممارسات مثل “العبودية” التي تحدث بشكل يومي تقريباً والتي ارتفعت في سوريا والعراق، الممزقتين بالحرب الأهلية، بشكل مفاجئ. حيث يشير التقرير إلى الاغتصاب الممنهج و”الاستعباد” بحق النساء الإيزيديات من قبل مقاتلي تنظيم داعش والمدنيين المتواطئين مع هذه الممارسات والذين يعيشون في ظل الأنظمة المتغيرة باستمرار في كل من سوريا والعراق.
وقد استطاعت الصحيفة الحصول على لقطات شاشة لمحادثات جرت خلال السنة الأخيرة عبر تطبيقات على الهواتف الذكية تعمل على شبكة “كورك” الكردية، والتي تعود ملكيتها إلى رئيس الوزراء الكردي نيجرفان بارزاني الذي حكمت عائلته نصف كردستان لمدّة قرنٍ تقريباً. حيث يظهر في لقطات الشاشة إعلانات لبيع النساء “المستعبدات”، واللاتي يُرجّح أن جميعهنّ إيزيديات. وإحدى اللقطات تظهر مجموعة تضم 199 عضواً اسمها مقتبس من آية قرآنية تقول: “وأحل الله البيع وحرّم الربا”. حيث ينشر شخص يدعى أبو أسامة إعلاناً عن “سبية” إيزيدية (يصفها بصفة سيئة) للبيع، ويبدأ السعر من أربعة آلاف دولار. وفي لقطة أخرى تظهر رسالة من أبو سليمان يعلن فيها عن بيع “سبية” أخرى مرفقاً صورة لها ووصف جاء فيه أنها “خادمة عذراء شعرها قصير”، تبلغ من العمر تسع سنوات، ويبدأ السعر من تسعة آلاف دولار. ونجد إعلاناً آخر عن بيع امرأة بعمر الـ 24، لديها طفلان، ومواصفاتها هادئة (حيث يشتهر داعش بتخدير أسراه) ومؤدبة، وتتحدث العربية بشكل جيد، ويبدأ السعر من 8300 دولار. وفي إعلان آخر عن بيع فتاة بعمر الـ 17، وصفت بأنها جميلة ومطيعة ونظيفة، تجيد الطبخ وتتحدث العربية بطلاقة، والسعر المطلوب 14 ألف دولار. وذكر أنها مسلمة ما يرجّح أنها أجبرت على تغيير دينها. وقد حذّر بدر، وهو أحد المعلنين عن بيع “السبايا”، بألا يتحدث إليه سوى المشترين الجادّين. لذا عرض أبو عمر الذي أرسل عشر رسائل إلى بدر أن يشتريها مقابل سيارة “أوبل” ألمانية.
ويشير التقرير إلى أنه ما يزال ثلاثة آلاف امرأة إيزيدية على الأقل في عداد المفقودات في سوريا والعراق. ومن المرجّح أنهن ما زلن على قيد الحياة مستعبدات لدى مقاتلي تنظيم داعش السابقين. وتحارب كل من أمريكا وحلفائها في العراق وسوريا للقضاء على هذا التنظيم. ويعتقد الرئيس ترامب أنه استطاع فعل ذلك، بالطريقة ذاتها التي أعلن فيها من قبل الرئيس بوش نصره في العراق، قُبَيل تصاعد الإرهاب هناك.
وتوضح الصحيفة الاختلاف بين قيم المجتمع العربي والكردي المسلم و المجتمع الأمريكي. فقيم الشرف والعار تسيطر على المجتمع العربي، إنه مجتمع تأتي فيه العائلة والنسب والقبيلة في المرتبة الأولى. إنه مجتمع “يكرّم الحصان القوي والرجل الكبير وأسياد الحرب”، وينظر إلى العلمانية الديمقراطية كنوع من أنواع الضعف اللا محدود. لكن هناك أيضاً العقلية الظلامية التي تمكّنك من قتل الرجال والنساء المسنات والأطفال عندما تذهب للحرب، واغتصاب النساء واستعبادهن وإجبارهن على الدخول في الإسلام وجعلهن زوجات أو “سبايا”. إلا أن قوات التحالف لم تفعل شيئاً حيال تحرير المستعبدين الإيزيديين ومحاسبة آسريهم. فلا دليل على أن قوات التحالف جعلت من هذا الأمر أولوية لها، الأمر الذي يجب بالتأكيد أن يتم. حيث يجب على القوات الأمريكية ألا تتسامح مع العبودية وعليها وقف تجارة الرقيق هناك.
ويحذر التقرير أنه إذا ما سحبت الولايات المتحدة الأمريكية قواتها من سوريا، فإن كل مفكّر استراتيجي مسلم، سواء عربي أو كردي، سوف يَخلص إلى نتيجة تفيد بأن الأمريكيين جبناء، وبأن أمريكا تهرب. وبأنه لا يمكن الوثوق بأمريكا وأن خطيئتها الكبرى هي ضعفها. كما سوف يستنتجون بأن ترامب ليس “رجلا أصيلا”. لذا سوف يمنحون ولائهم الجديد للخيل الرابح الحقيقي، المملكة العربية السعودية أو روسيا أو إيران. وهؤلاء الذين قاتلوا إلى صف داعش سوف يتشجّعون على التمسّك بعبيدهم الإيزيديين وربما يقررون أسر المزيد منهم طالما ليس هناك من يحميهم.
ويؤكد التقرير أنه على الولايات المتحدة الأمريكية، والتي يُعرف تاريخها الوطني بحربها الأهلية على العبودية، ألا تتخلى عن المستعبدين في سوريا والعراق. فيجب ألا تنسى الولايات المتحدة درسها التاريخي في حربها ضد النازيين خلال الحرب العالمية الثانية. فعندما جاء القادة اليهود إلى السياسيين الأمريكيين والبريطانيين ليخبروهم عن محرقة الهولوكوست طالبين منهم النجدة, أجابهم الحلفاء بأنهم منشغلون جداً بقتال هتلر والذي اعتبروه أهم من إنقاذ اليهود الذين لم يُقتلوا فقط، بل أيضاً تم استخدامهم كـ “عبيد نازيين”. فهل كان التحالف منشغلٌ جداً بحربه ضد داعش عن إنقاذ الضحايا الإيزيديين المستعبدين؟
وتختم الصحيفة تقريرها بالإشارة إلى أن سحب القوات الأمريكية من سوريا سوف يشجّع العبودية في سوريا والعراق أكثر. كما سيظهر للعالم بأن الغرب لم يتخذ درساً من الإبادة الجماعية لليهود خلال الحرب العالمية الثانية. وسيبين للعراقيين والسوريين، بما فيهم الأكراد، بأنه لا يمكن التصدّي للعبودية على أراضيهم. وأخيراً سوف يُترجم سحب الرئيس ترامب لقواته على أنه تخلّي عن إسرائيل التي قد يتعين عليها دفع ثمن هذا الانسحاب إذا ما تعرضت لهجومٍ قريب.

