نشرت مجلة “ماكلان” الكندية تقريراً عن وسيم الرملي، “رجل بشار الأسد” كما وصفته، والذي تم تعيينه مؤخراً قنصلاً فخرياً لسوريا في مونتريال، مما أثار فزع العديد من السوريين في كندا والذين يعرفون الرملي جيداً.
حيث يبين التقرير أن وسيم الرملي هو رجل أعمال شهير في مونتريال، ولا يخفي ولائه غير الاعتيادي للنظام البعثي سيء السمعة في دمشق والملطخة أيديه بدماء السوريين. وغالبًا ما شوهد الرملي وهو يقود سيارته ذات اللون الأحمر اللامع في شوارع المدينة، مع لوحات الترخيص السورية المخصصة لها، ونافذتها الخلفية مزينة بعلم الجمهورية العربية السورية. وكذلك النافذة الجانبية تحجبها صورة بشار الأسد. فمن بين الآلاف من اللاجئين السوريين الذين استقروا في مونتريال منذ عام 2015، الكويتي المولد هو شخصية سيئة السمعة. وبالنسبة للكثيرين، فإن تعيينه قنصلاً فخرياً هو مقلق ومزعج. وعلى الرغم من ذلك، فإن الرملي، صاحب مركز الاستشارات الإدارية الخاصة به ومالك مطعم كوكتيل هاواي في أشهر شارع في المدينة، لم يستطع السيطرة على الجالية السورية في مونتريال.
وفي الأول من شهر تشرين الأول وبمباركة أوتاوا، قد يصبح الرملي أقوى مسؤول في حزب البعث في أمريكا الشمالية. وبصفته القنصل الفخري السوري لمونتريال، سيتولى الرملي السيطرة على الشؤون القنصلية لعشرات الآلاف من الأشخاص السوريين في الشتات في شرق كندا ومعظم الولايات المتحدة. حيث يعمل القنصل الفخري السوري الآخر الوحيد حتى الآن في أمريكا الشمالية من مكتب في فانكوفر.
وكل هذا جاء بطريقة يمكن أن نسميها بشكل سطحي للغاية، حيث حدث كل ذلك بسرعة وبهدوء. ففي السابع عشر من شهر حزيران الماضي، كان الرملي من بين مجموعة صغيرة من أنصار الأسد الذين حضروا حفل جمع التبرعات للحزب الليبرالي في فندق ويليام جراي في شارع سانت فنسنت، حيث جلس على طاولة نقاش مع رئيس الوزراء جوستين ترودو والنائب الليبرالي مارك ميلر، المرشح الحالي في فيل ماري – لو سود أوست – إيل دي سور. ليقوم بعدها ترودو وميلر وبشكل منفصل بالتقاط الصور مع الرملي. وفي غضون أسبوع من حفلة جمع التبرعات الليبرالي هذه، كان الرملي في دمشق ، وكانت صورة فوتوغرافية له يقف بجانب ترودو وهما يبتسمان على صفحته على الفيسبوك، مع شعار الحزب الليبرالي في الزاوية. وقد وصف الرملي لقاءه مع ترودو بالمشرّف وكتب كذلك إلى جانب الملصق “مع فوز حكومته بالانتخابات الفيدرالية المقبلة، نأمل أن نرى كندا تلعب دورًا أكبر في السلام العالمي”. وخلال أيام، حصل الرملي على موافقة نظام الأسد باعتباره القنصل الفخري لسوريا في مونتريال. وفي الشهر الماضي، وافقت الشؤون العالمية في كندا (بمثابة وزارة الخارجية الفيدرالية) بهدوء على تعيينه قنصلاً فخرياً لسوريا في مونتريال.
ويشير التقرير إلى أنه وفي أمريكا الشمالية، كان القنصل السوري الفخري نشطًا بشكل متقطع وفقط في فانكوفر ومونتريال، منذ شهرأيار 2012. ففي أعقاب فظاعة ما ارتكبتها قوات الأسد في الحولة، والتي تمثلت بذبح 30 طفلاً دون سن العاشرة، انضمت كندا إلى الولايات المتحدة واستراليا والعديد من الدول الأوروبية في طرد جماعي للدبلوماسيين السوريين. وتم إغلاق القنصليات السورية في تورنتو وواشنطن العاصمة ولوس أنجلوس ونيويورك ولوس أنجلوس وهيوستن.
أما الآن واعتبارًا من الأول من شهر تشرين الأول المقبل، فلن يكون أمام المهاجرين واللاجئين السوريين في جميع أنحاء شرق كندا ومعظم الولايات المتحدة خيار سوى تقديم طلباتهم إلى الرملي لتجديد جوازات سفرهم وتوكيل رسمي في سوريا وترتيب التحويلات المالية لأفراد الأسرة أو الحصول على أي سجلات من البلد الأم كشهادة ميلاد أو دبلوم أو شهادة جامعية. فكل شيء سيمر عبر الرملي من الآن وصاعداً.
وقد أثارت موافقة أوتاوا على تعيين الرملي موجات من الخوف لدى مختلف أطياف الجالية السورية في مونتريال. والخوف شديد بشكل خاص بدى بين أولئك الفارين من قسوة نظام الأسد وجرائمه والذين وصلوا إلى كندا بعد الحملة الانتخابية الفيدرالية لعام 2015، عندما أعلن ترودو مشروعه مع تعهد لاستقبال 25000 لاجئ سوري. وقد تم توطين ما يقارب ثلث هؤلاء السوريين في منطقة مونتريال.
وفرضت دول الناتو عقوبات صارمة على نظام الأسد منذ عام 2011، عندما دفعت الثورة السورية نظام الأسد إلى تحويل سوريا إلى بلاد تعمها الفوضى والمقابر الجماعية. فبدعم من سلاح الجو الروسي والحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني، بالإضافة إلى استخدام الأسلحة الكيماوية، قام نظام الأسد بتدمير المدن وتهجير سكانها. فمن بين سكان ما قبل الحرب البالغ عددهم حوالي 22 مليون نسمة، قُتل نصف مليون شخص على الأقل وهرب أكثر من ستة ملايين سوري من البلاد. وعلى الرغم من ويلات تنظيم داعش ومحاولات اجتثاثه، فإن جرائم الأسد وحلفائه هي السبب وراء فرار معظم اللاجئين السوريين من البلاد.
وفي مقابلة يوم الأحد الماضي، أصرّ الرملي على أنه وإن كان مؤيدًا متحمسًا لنظام الأسد، فقد تمت الموافقة بشكل صحيح من قبل السلطات في أوتاوا، وأنه وفي الشهر الماضي تلقى تأكيدًا رسميًا بتعيينه بموجب رسالة من الشؤون العالمية الكندية. وأضاف أنه يشعر بالقلق إزاء ما يتم تداوله من أنه لن يعامل جميع المهاجرين السوريين على قدم المساواة. ورفض الراملي الكشف عن مبلغ المساهمة المالية التي قدمها في حفل جمع التبرعات في السابع عشر من شهر حزيران الماضي. كما نفى أن يكون عضواً في الحزب الليبرالي الكندي.
وعلى الرغم من التأكيدات حول التزامه بالنزاهة في التعامل مع الشتات السوري –لاسيما أن معظم السوريين في كندا يكرهون نظام الأسد ويدعمون المعارضة إلى حد ما – فإن ما يقوم به الرملي من الدعاية المتشددة للنظام المجرم في دمشق يشير إلى عكس ذلك.
ولعل أحدث مجموعة من اللاجئين السوريين الذين وصلوا إلى كندا هم حوالي 250 شخصًا مرتبطين بمؤسسة الدفاع المدني السورية والمعروفة بـ “الخوذ البيض”. وهم المستجيبون الأوائل ومراقبو جرائم الحرب من خلال أعمالهم التطوعية في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة والتي يتم قصفها بشكل يومي من قبل الطيران السوري وحليفه الروسي. حيث يتم استهداف الأحياء السكنية والمستشفيات والعيادات. وصل أفراد من ذوي الخوذ البيض وعائلاتهم الذين أعيد توطينهم في كندا في الخريف الماضي بعد عملية جريئة للإجلاء قامت بتنسيقها السفارة الكندية في عمان ، العاصمة الأردنية، بمساعدة من قوات الدفاع الإسرائيلية.
وقد قال الرملي عن الخوذ البيضاء في مقابلته المذكورة: “إنهم منظمة إرهابية”. وادع ىبأنهم يدعمون القاعدة، حيث قال جازماً: “إنهم مجرد فرع تابع للقاعدة “. أما بالنسبة للمهنيين الطبيين الذين يعملون في سوريا في الجمعية الطبية السورية الأمريكية، فقد لاقت النقد اللاذع نفسه من قبل الرملي، حيث قال:” لقد قدموا الأموال أيضًا لمنظمات إرهابية مثل جبهة النصرة والقاعدة “. وهذه هي الدعاية البوتينية – الأسدية ذاتها كلما تعلق الأمر بمنظمة إنسانية تنشط في مناطق المعارضة.
هذا ويعد المهاجرون واللاجئون السوريون من بين أكثر المؤيدين للحزب الليبرالي والمتطوعين في الحملة الانتخابية لهذا الحزب في مونتريال. وقد وافق البعض منهم على التحدث إلى المجلة عن صدمتهم بقرار حكومة ترودو هذا. لكنهم اشترطوا عدم ذكر أسمائهم، بسبب الخوف من أنهم إذا احتاجوا إلى خدمات قنصلية فإن الرملي سيرفض المساعدة أو يقوم هذا الأخير بنقل المعلومات إلى النظام السوري، الأمر الذي يعرض أقاربهم وأصدقائهم للخطر في سوريا. حيث قال أحد مؤيدي الليبراليين من السوريين الكنديين عن الرملي: “إنه يقود سيارته أمامنا لتخويفنا. وعندما يكون هناك مظاهرات، يأتي رملي ويلتقط الصور للمتظاهرين. لا أعرف لماذا وافقت الحكومة الكندية على تعيينه، أو كيف فعلوا ذلك. انا لا أفهم. أنا خائف جداً. لا يمكننا قبول هذا الرجل”.
في الوقت ذاته، ينفي رملي جمع معلومات استخبارية عن المتظاهرين المؤيدين للثورة السورية في كندا. لكن لاما شاكر، إحدى الناشطات السوريات في مونتريال، أكدت أن الرملي لا يزال يحتفظ بمعلومات عن المهاجرين السوريين المؤيدين للثورة في كندا منذ سنوات. حيث تؤكد شاكر: “أراه طوال الوقت لا يعجبه كلما فعلنا أي شيء لمساعدة المعارضة في سوريا. نحن نجمع المال ونرسل الطعام والملابس. والآن السوريون هنا خائفون طوال الوقت. إنه في السلطة الآن”.
وبينا قال الرملي أنه أيضًا يجمع أموالًا للإغاثة الإنسانية في سوريا، فقد تهرب من الأسئلة حول ارتباطه بالبيت السوري المثير للجدل والموالي للنظام في كندا “ائتلاف السوريين في مونتريال”. حيث قال للمجلة: “أنتم تستجوبوني لذلك، لا أعتقد أنني بحاجة للإجابة على أسئلة كهذه”. وفي نهاية المطاف، اعترف بأنه شارك في جمع الأموال للائتلاف المذكور، حيث قال: “لقد ساعدت في ذلك، نعم”. وقد جمع هذا الائتلاف آلاف الدولارات لصالح الصندوق السوري للتنمية، وهي وكالة متحالفة مع النظام السوري. وقد كان في وسط فضيحة منذ ثلاث سنوات شملت تحويل ما يقرب من مليار دولار من المساعدات الإنسانية إلى مناطق يسيطر عليها النظام. ويقول الرملي إنها منظمة شرعية تمامًا، وأنها نالت الثقة السورية.كما أنها منظمة خيرية تعترف بها الأمم المتحدة. لكنه تجاهل طرد الصندوق السوري للتنمية من الميثاق العالمي للأمم المتحدة مع العديد من المنظمات غير الحكومية الأخرى في سوريا في شهر تشرين الأول من العام 2016.وقد دعا رملي فريق المجلة إلى التفكير في مرافقته إلى سوريا، حتى يتمكن من رؤية الجهود التي يبذلها نظام الأسد لإعادة بناء الدولة التي دمرها بمفرده تقريبًا. لكن عرضه قوبل بالرفض.
وفي مساء يوم الثلاثاء الماضي وبعد نشر هذه المقابلة، قامت وزيرة الخارجية الكندية كريستيا فريلاند بالتغريد على تويتر قائلةً أنها “صدمت من التصريحات التي أدلى بها القنصل الفخري السوري في مونتريال للصحافة والآراء التي تبناها علنًا على وسائل التواصل الاجتماعي وأماكن أخرى”. وتابعت: “لا أنا ولا فريقي كنا على دراية بأن المسؤولين في الشؤون العالمية الكندية قد وافقوا على هذا التعيين. لقد طلبت من الإدارة إعادة النظر في هذا الموضوع على الفور”.
وفي حديث للمجلة، قال أيمن عبد النور، أحد الإصلاحيين السوريين البارزين، إن هناك طريقة لكي تجد كندا طريقها للخروج من الفوضى التي خلقتها بهذا القرار. حيث يمكن أن تطلب كندا من دمشق تعيين أحد السوريين المحايدين لإدارة مكتب للتعامل مع القضايا القنصلية. فليست هناك حاجة إلى “قنصل فخري”. ويمكن إقناع نظام الأسد بقبول هذا الترتيب لأسباب ليس أقلها التحويلات المالية التي قد تتدفق إلى سوريا من الشتات السوري في الخارج. وبذلك يمكن طمأنة المغتربين السوريين بالتعامل العادل في الخدمات القنصلية السرية دونما تعرض أقاربهم للخطر في الجحيم البعثي. واختتم عبد النور حديثه بالقول: “لكن كندا.. حسنا، لا. لا أريد أن أقول ذلك. لكن لا يمكنك دائماً الاعتماد على الكنديين. إنها فوضى هناك. انها مشكلة..”.

