“تبدأ الثورة بفكرة ويبدأ التغيير بكلمة”.. بعض الطرق للتغلب على ذكورية لغة الضاد

“تبدأ الثورة بفكرة ويبدأ التغيير بكلمة”.. بعض الطرق للتغلب على ذكورية لغة الضاد

اللغة العربيّة لغة عريقة فريدة تمتاز عن بقية اللغات بثراء المفردات والمترادفات والتضاد والمحسنات البديعية واللفظية والتشبيهات، لكن ورغم كل جمالها فإنها تمارس انحيازاً واضحاً للرجل على المرأة، حيث يمكن وفقاً لقواعد اللغة أن يلغي ذكر واحد مجتمعاً كاملاً من النساء.

هذه الذكورية ليست شيئاً طارئاً هامشياً عارضاً أو دخيلاً، بل أمر أصيل في تكوينها، وبنيانها، حيث تعكس اللغة المجتمعات المتحدثة بها، فكما يحاول المجتمع العربي الذكوري أن يلغي النساء ودورهن في الحياة اليومية، فلا بد أن يطغى اللفظ الذكوري في لغته على اللفظ الأنثوي، ليكون بمثابة “ختان” من نوع جديد يمارس بحق النساء جميعاً.

عند سؤال “عبير التميمي” عن رأيها بتحيز اللغة العربيّة ضد النساء، وهي مُدرسة لغة عربيّة مقيمة في دمشق وتُعلم الأطفال المغتربين لغتهم الأم عبر الإنترنت، قالت لـ(الحل نت): «يعتبر التذكير من الناحية اللغوية هو الغالب لأن اللفظ الدال على المذكر هو الأصل والمؤنث فرع من هذا اللفظ، كأن نقول، كاتب وكاتبة، إلا أن طبيعة التذكير في اللغة العربيّة تؤدي إلى حالة من استلاب المرأة المتلقية حقها بالمخاطبة، وبالرغم من احتمالية اعتيادها على مخاطبتها بصيغة المذكر، إلا أن ذلك لا يزال يحملها للتساؤل، لماذا دائماً يوجد افتراض مسبق بأن النصوص يقرأها الذكور فقط؟ وطبعاً هذا السؤال ما هو إلا انعكاس لواقع الذكورية في مجتمعنا العربي، هذا ولم نتحدث بعد عن استخدام العبارات التي تنطوي على تحيز جنساني أو تعزز القوالب النمطية الجنسانية مثل (الجنس اللطيف) للإشارة إلى النساء، (أخت رجال) للدلالة على المرأة الشجاعة والقوية، أو (عانس) عوضاً عن (غير متزوجة)».

معاً لنستخدم لغةً تخاطبنا بلا تمييز

التغيير يبدأ بالكلمة، فلنكن جزءاً من التغيير ونبدأ باستعمال هذه اللغة بطريقة شاملة جنسانياً تحترم وجود المرأة كما تحترم الرجل، لتحقيق ذلك يمكن أن نبدأ بخطواتٍ بسيطة، مثلاً أن نذكر الاسم والشهرة واللقب الوظيفي للمرأة والرجل بصورة متكافئة، كأن نقول “حضر الاجتماع كل من المهندسة سمر الأحمد والمهندس مدحت الحلبي” بدلاً من “حضر الاجتماع المهندسان مدحت الحلبي وسمر الأحمد”، وأن نمتنع عن استخدام عبارة مشابهة لـ”دعوة إلى السيد إسماعيل الحطاب وحرمه”، فنذكر اسم المرأة بشكل صريح كما ذكرنا اسم الرجل بدل اختزالها بكونها “حرمه”.

إن استخدام أسماء محايدة جنسانياً، لا تعبر عن النوع الاجتماعي، قد ينصف المرأة لغوياً، والأمثلة على ذلك عديدة، يمكننا الاستغناء عن كلمة “دار المسنين” لتصبح “دار رعاية الشيخوخة”، وعن “قائمة المرشحين” لتصبح “قائمة الترشيحات”، وعن “المصريون” لتصبح “الشعب المصري”، وغيرها، يمكننا أيضاً استخدام كلمة “جهة” للاستغناء عن ذكر النوع الاجتماعي في سياقات مختلفة، كأن نقول “جهة منسقة وجهة مانحة” بدل “المنسق والمانح”.

لا يجوز في ألقاب المناصب والأعمال، اسماً كان أم صفة، أن يوصف المؤنث بالتذكير، وذلك وفق القرار الصادر عن مجمع القاهرة في عام 1978، وعليه يجب أن يقال الدكتورة والمحامية والوزيرة، عندما تكون الصفة خاصة بامرأة، رغم ذلك لا نزال حتى اليوم نسمع جملة على غرار “وقد صرحت الدكتور ماجدة”. وهنا لا بد من التساؤل، هل يستسيغ الرجال تأنيث مناصبهم كما يستسيغون تذكير مناصب النساء؟

لا لتغييب نون النسوة

تقول المترجمة “رنا خير الدين” لـ(الحل نت) «اللغة العربيّة تخاطب المرأة والرجل كلٌ بصيغة خاصة به، ولكن عندما تتحدث عن الغائبة أو الغائب تصبح الصيغة مذكرة وكأنها تغّيب النساء جميعهن وتلغي وجودهن، وكأن الإشارة إليهن بشكل مباشر أمر مُعيب، يشكل لي هذا تحدي في العمل، أحاول الالتفاف على هذه المشكلة ما أمكن، والأمر ليس بسهل، لقد لاحظت أيضاً أن هذا التحيز انتقل من البشر إلى أجهزتهم الإلكترونية، عندما أستخدم برامج الكتابة على الكمبيوتر، فهي ترفض صحة جمع المؤنث السالم وتضع تحته خطاً أحمر للدلالة على خطأ في الكلمة».

عند استخدام الجمع وفي غياب الصيغ المحايدة، يمكننا استخدام المؤنث والمذكر معاً بدل الاستسلام لتغييب التأنيث، مثلاً “نريد للعاملات والعاملين في مؤسسات الدولة فرصاً متساويةً”، “نرجو من المتقدمات والمتقدمين للوظيفة ملء نموذج الطلب المرفق”، أما جمع التكسير فيمكننا بعده إضافة (نساءً ورجالاً) أو (إناثاً وذكوراً)، كأن نقول “يلعب الأطفال إناثاً وذكوراً في هذه الحديقة”، وبهذا لا يكون هناك تحيز لجنس على آخر. يمكن أيضاً استخدام المصادر بدل الأفعال كلما كان ذلك ممكناً: “على النساء والرجال الاشتراك (بدل “أن يشتركوا”) سوياً في بناء المجتمع”.

من الطرق الأخرى التي تجنبنا الانقياد وراء ذكورية لغتنا هي استخدام الضمير “نا” الدالة على الجماعة، فجملة “لقد صممنا على” شاملة ومتوازنة جندرياً أكثر من “نحن مصممون على”، ومن الممكن لنا أيضاّ حذف الضمائر المتصلة غير الضرورية مثل “ينجح العمل عند إسهام الجميع بالأفكار” بدل “ينجح العمل عندما يسهم الجميع بأفكارهم”، “تجنيد واستخدام الأطفال” بدل “تجنيد الأطفال واستخدامهم”.

بالإرادة والتصميم والعمل يصبح التغيير واقعاً

إن تغيير قواعد اللغة العربيّة يحتاج قراراً وإرادة من المجامع اللغوية العلمية العربيّة، حيث أن النظر في إصلاح اللغة وتنقيحها وتعديلها هو جزء من عملها، وهذا أمر ليس بمستحيل إذا ما كان هناك ضغط كافٍ من المجتمع ومن الجمعيات والمنظمات النسائية ودراسات واقتراحات معمقة مقدمة منها بهذا الشأن، لقد كان لمجمع اللغة العربيّة بالقاهرة على سبيل المثال دور في تعديل القاعدة اللغوية التي تقول إن بعض الصفات لا تدخلها تاء التأنيث ويستوي فيها المذكر والمؤنث، أي يجب أن نقول: هذا رجل عجوز وامرأته صبور، أو طفلة جريح وامرأة قتيل. بحث المجمع في هذه المسألة بعد الكثير من المطالبات، ثم خلص إلى جواز لحاق تاء التأنيث كل مؤنث من الصفات. وبناء على ذلك يجوز أن يقال اليوم: رجل صبور وامرأة صبورة، ورجل جريح وامرأة جريحة. ولأن التغيير يتطلب وقتاً، وكي لا نقف مكتوفي الأيدي نستمع للذكورية تطغى على حضورنا، وبغية ألا نكون جزءاً من هذا التحيز، لنبدأ بخطوات بسيطة تصنع فرقاً وتعزز وجودنا بالكلمات والنص أيضاً.