تستكمل السلطات السورية أعمال إعادة تأهيل مطار المزة العسكري في دمشق، تمهيداً لتحويله إلى مطار مدني مخصص للطيران الخاص والتنفيذي، رغم وجود وثائق وشهادات وتحليلات ميدانية تشير إلى احتمال احتواء الموقع ومحيطه على مقابر جماعية ورفات معتقلين خلال عهد النظام السوري السابق.
وأعلنت الهيئة العامة للطيران المدني السوري بدء أعمال التأهيل الأولية، وتشمل إزالة الركام وإعادة تأهيل أجزاء من البنية التحتية المرتبطة بالملاحة الجوية، بالتوازي مع استكمال الإجراءات الفنية والتشغيلية والتنظيمية اللازمة لإعادة تصنيف المطار.
وتقول الهيئة إن الأعمال تنفذ بالتنسيق مع المؤسسات المعنية وبالتعاون مع الهيئة الوطنية للمفقودين، وإن المواقع التي يشتبه بوجود مقابر جماعية أو رفات بشرية فيها ستُراعى أثناء العمل. لكن منظمات وحقوقيين يحذرون من أن بدء الأعمال قبل إجراء تحقيق شامل في تاريخ الموقع قد يؤدي إلى الإضرار بأدلة يمكن أن تكون أساسية لمعرفة مصير مفقودين وتحديد هوية الضحايا.
مطار ارتبط بالاعتقال والإعدام
يستند القلق بشأن أعمال التأهيل إلى روايات متداولة إلى وثائق عسكرية وشهادات وتحقيقات حقوقية تناولت الدور الذي لعبه مطار المزة خلال سنوات حكم النظام السوري السابق.
فقد نشر “المركز السوري للعدالة والمساءلة” في وقت سابق من الشهر الجاري وثائق تعود إلى عام 2012، تظهر مراسلات على مستويات عسكرية عليا بشأن نقل تنفيذ أحكام الإعدام الصادرة عن المحاكم الميدانية العسكرية من سجن صيدنايا إلى مطار المزة.
وتظهر وثيقة مؤرخة في 3 تشرين الأول/أكتوبر 2012 اقتراح نقل إجراءات تنفيذ الإعدامات إلى مقر الشرطة العسكرية في القابون أو إلى مطار المزة، وسط مخاوف أمنية من تسرب معلومات عن تحركات اللجان التي كانت تنفذ الأحكام.
لاحقاً، جرى بحث استخدام موقع تابع للمخابرات الجوية داخل المطار، قبل تحديد حظيرة طائرات قرب الطرف الغربي من المدرج موقعاً لتنفيذ الإعدامات، وفق وثائق نشرها المركز.
وتشير المراسلات إلى تجهيز منصة ومواد أخرى، وإلى تنفيذ الأعمال تحت إشراف المخابرات الجوية وبـ “أقصى درجات السرية”.
ولا تثبت هذه الوثائق بمفردها أن عمليات الإعدام نفذت بالفعل في الموقع الذي جرى تجهيزه، لكنها تتقاطع، بحسب المركز، مع شهادة ضابط سابق في فرع المهام الخاصة بالمخابرات الجوية قال إن الحظيرة شهدت محاكمات ميدانية وعمليات إعدام.
مقابر محتملة.. وأدلة قد تتضرر
حدد المركز السوري للعدالة والمساءلة موقعين داخل محيط المطار يشتبه في ارتباطهما بدفن رفات معتقلين. ويبعد أحد الموقعين نحو 150 متراً عن الحظيرة التي حددها الشاهد السابق كموقع لتنفيذ الإعدامات، فيما يقع الموقع الثاني قرب مبنى كان يضم فرع التحقيق التابع للمخابرات الجوية.

واستند التحقيق إلى شهادات مسؤولين سابقين وتحليل صور الأقمار الصناعية، بينها صور أظهرت، بحسب المركز، أكثر من 30 رَدمة ترابية في إحدى المناطق خلال عام 2014، قبل أن تتم تسويتها لاحقاً.
ويؤكد المركز أن هذه المعطيات تحتاج إلى مزيد من التحقيق، ما يعني أن تحديد طبيعة هذه المواقع وهوية الأشخاص الذين قد يكونون مدفونين فيها لا يمكن حسمه من خلال الصور أو الشهادات وحدها، وإنما يحتاج إلى فحص ميداني وأعمال تنقيب جنائي وتحليل للرفات عند العثور عليها.
لكن الخطر الذي تحذر منه الجهات الحقوقية يكمن في أن أعمال إزالة الركام والتسوية والحفر قد تغير طبيعة الموقع أو تتسبب في إتلاف أدلة قبل استكمال هذه التحقيقات.
بين الاستثمار وملف المفقودين
يتعلق الجدل حول مطار المزة بطبيعة الاستخدام المستقبلي للموقع، حيث يرتبط بالتوقيت الذي بدأت فيه أعمال التأهيل، قبل حسم عدد من الأسئلة المرتبطة بتاريخه الأمني ومواقع الدفن المحتملة.

وتقول السلطات إن المشروع يهدف إلى تطوير منظومة الطيران المدني، وإن المطار سيخصص للطيران الخاص والتنفيذي، بما يخفف الضغط عن مطار دمشق الدولي ويضيف منشأة مدنية جديدة إلى قطاع الطيران السوري.
في المقابل، ترى منظمات حقوقية أن أي تطوير في موقع ارتبط بالاحتجاز والإعدام والاختفاء يحتاج إلى مسار متوازٍ لحماية الأدلة والتحقيق في مصير المفقودين. وكان “المركز السوري للعدالة والمساءلة” قد قال إن المطار شهد وفاة أكثر من 1150 معتقلاً، بعضهم نتيجة الإعدام والبعض الآخر نتيجة التعذيب أو سوء المعاملة، وهي أرقام تستند إلى تحقيقاته وتحتاج إلى توثيق وتحقيق رسمي شامل.
وتزداد حساسية المسألة لأن أي رفات تكتشف في الموقع تمثل الدليل المادي الأخير الذي يسمح لعائلات المفقودين بمعرفة مصير أقاربها. كما أن مواقع الدفن نفسها قد تحتوي على أدلة تساعد في تحديد كيفية وقوع الوفيات والجهات المسؤولة عنها.
استنكار حقوقي
يرى نشطاء وحقوقيون سوريون أن البدء بأعمال تأهيل مطار المزة قبل حسم ملف المقابر الجماعية والمفقودين قد يهدد أدلة مرتبطة بمصير آلاف الأشخاص الذين مروا بالموقع خلال سنوات حكم النظام السابق.
وينتقد أحد الحقوقيين ما وصفه بـ”مراعاة المواقع التي يشتبه بوجود مقابر جماعية فيها”، معتبراً أن هذه الإجراءات لا تكون كافية في غياب تحقيق شامل في ملف المفقودين المرتبط بالمطار، بما يشمل توثيق أسماء المعتقلين، ومراجعة الوثائق الموجودة في الموقع، والتواصل مع عائلات من فقدوا خلال احتجازهم فيه.
ويقول حقوقي آخر إن مطار المزة لم يكن، وفق ما يصفه، مجرد منشأة عسكرية، بل ارتبط بالاعتقال والتعذيب والإعدامات الميدانية، ولذلك فإن التعامل معه باعتباره موقعاً قابلاً لإعادة الاستخدام المدني قبل استكمال التوثيق والتحقيق قد يؤدي إلى فقدان جزء من الأدلة المرتبطة بهذه الانتهاكات.
ويطرح حقوقيون خياراً مختلفاً يتمثل في الحفاظ على أجزاء من الموقع المرتبطة بالانتهاكات وتحويلها إلى موقع للذاكرة، إلى جانب حماية مواقع الدفن المحتملة، بما يسمح بالوصول إليها مستقبلاً والتحقق من هويات الرفات وإعادتها إلى عائلاتها.

