مجتمع Clubhouse الثوري السوري: مملكة الخوف والصمت باقية

مجتمع Clubhouse الثوري السوري: مملكة الخوف والصمت باقية

“أحسسنا بأن الثورة عادت”، “الثورة مستمرة “، “نحن خرجنا من أجل الحرية والكرامة” و”نريد سوريا وطناً لجميع السوريين”، عبارات وشعارات تسمعها كل يوم بشكل مستمر وساعي من عدة مجموعات وجهات أدمنت على ارتياد تطبيق التواصل الاجتماعي الصوتي Clubhouse الذي استقطب سوريين من كافة التوجهات والفئات العمرية والثقافية والأكاديمية.

يجتمع هؤلاء الرواد بغرف عامة وخاصة للنقاش والاستماع إلى الندوات والمقابلات الثقافية والسياسية أحياناً، وللشجار والتحزب والتحشيد أحياناً أخرى كثيرة.

يمكننا القول إن هذا التطبيق، ومن بعد زمن طويل، وفرَ أول تجربة فعلية، ولو بالعالم الافتراضي، للتداول والاحتكاك السياسي الكلامي المباشر بين السوريين، كمجموعات وأفراد وبأعداد تصل أحياناً لأعداد النواب في برلمانات الدول.

تُطرح في هذه الغرف من خلال العناوين، عدة مواضيع وقضايا لم يعتد السوريون على نقاشها بشكل عام وتشاركي، ويطرح كل فرد ومشارك وأحياناً كثيرة كل مجموعة ذات توجه سياسي وأيديولوجي معين أفكارهم ورؤيتهم، آمالهم وتخوفاتهم، عُقَدَهُم وأزماتهم، ليصار الوضع بعدها إلى توتر في الجو يتخلله سباب وتخوين، اتهامات ومزايدات، تحالفات ونميمة الى أن ينتهي الوضع أحياناً قليلة إلى تهدئة ما أو ما يسمى سورياً بـ “تبويس الشوارب” و “مسحة ذقن”….. أهلاً بك في مجتمع Clubhouse السوري!.

حرية افتراضية

أهم ما يوفره هذا التطبيق بشكل أساسي، هو التماس المباشر مع مجتمع من سياسيين وناشطين وعاملين ومؤمنين بالشأن الثوري السوري، إضافة إلى فاعلين جدد لم تُتح لهم الفرصة في السنين العشر المنصرمة أن يتعاطوا بالشأن السياسي والاجتماعي السوري بهذا الشكل القريب والمباشر.

فأول غيث هذا التماس، هو كسر الصور المرسومة والمتخيلة عن طبيعة القضية السورية وعن طبيعة العاملين والمؤثرين فيها طيلة العقد المنصرم، فتتبلور أكثر الاختلافات وتُفهم أعمق المشكلات ويصبح التصور والفهم واقعياً أكثر، بعيداً عن تأثير الإعلام والبيانات الحزبية والشعارات الرومنسية.

ويصبح السوري/ة الحالمين بالثورة والتغيير والحديثين في القرب على هذا المجتمع المؤثر على قضيتهم على دراية أوسع وفهم أكثر لبعض أهم أسباب ومآلات مصير الثورة السورية ولتصورات أوضح عن مستقبل الاجتماع والكيان السوري.

يُخيل إلى المشاركين والمشاركات الجدد في هذا الشأن وحديثي القرب من ذلك المجتمع، أنهم وجدوا ضالتهم وأن مساحة الحرية والتعبير المنشودين من الثورة السورية ها هي أمامهم بشكل حقيقي، وإن كانت بالعالم الإفتراضي من خلال هذا التطبيق.

وأنهم الآن قادرين على التعبير عن أنفسهم وأفكارهم بشكل حر ومنطقي بعيداً عن “وهن نفسية الأمة” وتهم العمالة والخيانة ورعب النظام السوري في النصف قرن المنصرم الذي جعل سوريا مملكة للخوف والصمت.

فالسوريون كسروا الخوف ورفضوا الصمت منذ ٢٠١١ وطالما نادوا بالحرية وحق الناس بالتعبير والمشاركة بالشأن العام، رافعين شعارات وقيم إنسانية وحداثية تستلهم تجارب أرقى المجتمعات والدول ومثالاً لا حصراً كشعارات تيارات النسوية المطالبة بالمساواة، وحقوق مجتمع الميم، ومبادئ العلمانية والليبرالية، وحتى مفاهيم الفيدرالية وضروراتها في مجتمع كمجتمعنا.

ضوابط على الحديث

يبدو الطرح فانتازياً، خصوصاً إذا ما علمنا أن هناك شيء هام آخر يوفر لنا هذا التطبيق اكتشافه والاحتكاك معه، وهو الرفض القطعي والنهائي لشرائح كبيرة من المشاركين والناشطين في الثورة، ويصل هذا الرفض أحياناً إلى درجات توتر عالية يتخللها تكفير وتخوين وعبارات مليئة بالكراهية والطائفية والشوفينية والمعادية للنساء والأقليات وللتنوع.

يبرع جداً في هذا المجال “جماعة الله” أو الناطقين الحصريين باسم الله والإسلام تحديداً، بعبارة أخرى، الإسلامويين وما يندرج تحت جناحهم وديماغوجيتهم وسردياتهم التاريخية الحالمة.

ليس عليك أن تكون ذو دراية وعلم وثقافة كمحددات وشروط في هذا المجال، يكفي أن تكون ظاهرة صوتية موافقة ومؤيدة لـ “جماعة الله” حتى يتسنى لك استخدام طاقات صوتك البشري وطبقاته وتأثيراته في أية مواجهة مع “مستلب” و”دخيل” و”غريب” عن “ثقافتنا ومجتمعنا”، ولا تنطبق ذات الشروط والمحددات على المعارض أو المعترض أو حتى المفنّد المدقق في أيديولوجيا وفكر هذه “الجماعة” وخطاباتها وفهمها لله والدين.

فهذا المعترض، واجب عليه أن يقرأ المكتبة التاريخية للعالم وجميع كتب دار الإسلام من لحظة النشوء إلى لحظة نطق كلماته، هذا عدا فحوص الوطنية والولاء الوطني وخصوصاً إذا فاته أن الوطنية والدين وجهان لعملة واحدة في فكر الإسلامويين.

تكمن العاقبة الكبرى هنا، في انتقاد وتفنيد حركات وفصائل الإسلاميين في سوريا وفي تأثيرها الكارثي على مسار الثورة السورية ومصير السوريين، فيقع المعترض المعارض بتابوهاتٍ ثلاث مميتة، نصبها له “الإسلاميين الوطنيين الثوريين” ألا وهي الدين والوطن والثورة، طبعاً جميعها محددة بمحدداتهم الخاصة جداً والفوق نقدية والتي لا يعيبها شيء كما هو حال الرجل في مجتمعاتنا!.

قانون “أم الصبي”

جماعة “أم الصبي” تأتي لاحقاً وتحاول التكتل على بعضها على نمط شلة الحارة أو المدرسة وتبرع في الهدنة الدائمة مع “جماعة الله”. “أم الصبي” نصبت نفسها حارسة للثورة والوكيل الحصري للماركة الثورية، وغالياً ما تجد مفاتيح الثورة معلقة في رقبتها، وعلى القادمين الجدد الراغبين في التماس المباشر بالشأن الثوري السوري، تفادي الاعتراض والتساؤلات على مسار الثورة وأخطاؤها التي لا داعي لها ولو كانت غاية في المنطقية والعمق.

عدم التفادي، غالباً ما يؤدي لمحاكمات ثورية علنية واغتيال معنوي صارخ لا ضير فيه أبداً من استخدام التشبيح والتنمر والسباب والبلوكات، وما إلى هناك من تقنيات وتكتيكات تكميمية امتازت بها سوريا في عهد الحكم الأسدي، ولكن هذه المرة افتراضياً من خلال تطبيق اجتماعي صوتي، يستثنى في غالب الأحيان من هذه المحاكمات “جماعة الله” والمهادنين والأنصار، ويتم غض النظر عن الكثير من السلوكيات والعبارات الطائفية والعنصرية الصادرة منها.

قاموس “أم الصبي” القمعي التخويفي، يحوي عدد وفير من المصطلحات والتهم الرادعة القامعة تتراوح من “جلد الذات”، “الشريك في المقتلة”، “شيطنة الثورة” إلى “الفوقية” و”الرفاهية” و “الإسلاموفوبيا”، تُتلى هذه الاتهامات على مسامع المُتهم اللامنتمي للجماعة في المحاكمة الثورية بحضور العشرات والمئات أحياناً من مستخدمي التطبيق، السوريين وغير السوريين.

“أم الصبي” أغلقت الانتساب والانضمام إلى الثورة وأقفلت الباب بمحددات ومفاهيم وسلوكيات تراها مناسبة، وجعلت لحرية التعبير والتفكير، سقف على غرار “سقف الوطن” لدى النظام يمكن تسميته بـ  “سقف الثورة” وطبعاً هذا كله وفقاً لتعريف “أم الصبي”.

يكفي لصبيةٍ نسوية في بداية العشرينات أن تطرح تساؤلاتها ومخاوفها، وأن ترفع صوتها رافضة الضم والقولبة والتكميم حتى تتأكد أن مملكة الخوف والصمت باقية وتتمدد، وأن الشعارات المذكورة بدايةً لا تعني ذات معناها عند كل من يرفعها، وأن الجماعات آنفة الذكر ترى فيها الخطر الأكبر على الثورة والوطن والدين والمجتمع.

هذه الجماعات التي لا تقيم وزناً ولا ترى خطراً في كثير من السلوكيات الطائفية والعنصرية والشوفينية والمتطرفة الصادرة من داخلها، بل تراها مبررة ومفهومة ويجب استيعابها بداعي المظلومية، ترى في المقلب الأخر من صوت تلك الصبية ورفيقاتها ومن يوافقها، مداعاة لحملات يومية من السب والشتم والتنمر والتهديد ولأوصاف وآراء تبرر بحسب أحدهم وجماعته الثورية “عدم الوجود السياسي والفيزيائي أيضاً” في سوريا المستقبل.