المقامرة على إدلب.. هل ستنجو دمشق من مكائد روسيا وتركيا؟

المقامرة على إدلب.. هل ستنجو دمشق من مكائد روسيا وتركيا؟

على الرغم من الاستقرار النسبيّ لمناطق السيطرة في سوريا منذ أكثر من عام، إلا أنّ المؤشرات تدلّ على أنّ هذا الوضع لن يستمر طويلاً، أقلّه في ريف مدينة إدلب، وبالتحديد في الجنوب الشرقيّ منه، حيث عقدة الطريقين الدوليّين دمشق- حلب (M5) وحلب- اللاذقية (M4). الطريق الذي تريد موسكو أنْ تبدأ به رحلة إعادة دورة الحياة الاقتصاديّة في سوريا بعد ما يزيد عن 10 سنوات على بدء الحرب.

في الجانب العسكريّ الاستراتيجيّ، تقود روسيا مسرح العمليات بنفسها، دون أنْ تسمح لإيران أو للحكومة السورية بفرض رؤيتَيهما للحلّ في سوريا، وفي سبيل ذلك تنسّق مع تركيا بشكلٍ حثيث لهندسة الأوضاع في الشمال السوريّ، حيث معقل مواليّ أنقرة من الفصائل السورية المسلحة، ومع إسرائيل في جنوب البلاد، وكذلك لإزالة هواجسها من الوجود العسكريّ الإيرانيّ المتنامي فيها.

إعادة السيطرة الكاملة على الطريقَين الدوليّين (M5) و(M4) يشكّل أولويّة لروسيا وللحكومة السوريّة في المرحلة القادمة، ويمكن القول إنّ زيارة الرئيس السوريّ بشار الأسد إلى موسكو مؤخراً قد شكّلت علامة فارقة أخرى في الحرب السوريّة، ومن أولى تجلّيات المرحلة الجديدة، أنّ ما بات يعرف بـ “مناطق التسوية” ستكون أمام اتفاقات جديدة  تلائِم المرحلة، حيث بدأ هذا السيناريو في درعا مؤخراً ومن المتوقع تطبيقه في ريفها أيضاً.

أما في إدلب، فإن روسيا تضغط على أنقرة لإبعاد “هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة سابقاً) عن طول الطريق الدوليّ (M4) وعلى مسافة 10 كم شماله، وتخييرها بين الانسحاب طواعية، أو أن تطلق عملية عسكرية وتطردها نحو وسط المدينة.

سلاح آخر تستخدمه موسكو لخنق “تحرير الشام” في إدلب في مسعاها ذاك، وهو إغلاق المعابر الحدوديّة، حيث تمنع روسيا فتح أيّ معبر حدوديّ خارج عن سيطرة الحكومة السوريّة باستثناء معبر باب الهوى الحدوديّ مع تركيا، والذي تحرص في كل مرة على ألا تتجاوز فترة السماح باستخدامه الستة أشهر، وتلمّح دمشق منذ فترة أنها ستسعى لإغلاق هذا المعبر، وذلك كي تشكل وسيلة ضغط اقتصادية تجبر “هيئة تحرير الشام” على القبول  بالمطلب الروسيّ.

تبقى مشكلة سيطرة الفصائل السورية المسلحة على المنطقة الواقعة بين مدينتي رأس العين وتل أبيض، والتي تبعد مسافة قريبة من الطريق الدولي(M4)، وتمنع تشغيله بشكل فعليّ، وهي موضع تقييم دائم بين موسكو وأنقرة، ويعمد الأتراك بين الفينة والأخرى إلى قصف مناطق الإدارة الذاتيّة المتاخمة لمناطق سيطرة الفصائل السوريّة الموالية لأنقرة، بينما تلتزم موسكو الصمت، سعياً للضغط على قوات سوريا الديمقراطية لانتزاع تنازلات منها تتعلق بمناطق سيطرتها، وبتحالفها مع الولايات المتحدة.

يبدو أن نتائج قمة الرئيسين الروسيّ والتركيّ الأخيرة ستكون بالغة الأهمية في مسيرة التعاون بين البلدين في سوريا، خاصةً مع تأكيد الرئيس التركيّ رجب طيب أردوغان  إنه يشاطر نظيره الروسيّ الوصول إلى “حلّ دائم، نهائيّ، ومستدام” بشأن إدلب، وشدد على ضرورة رحيل القوات الأميركيّة من سوريا.

الأمر الذي يؤكد الهدف التركيّ الأوحد، وهو إسقاط الإدارة الذاتيّة لما تبقى من مناطق شمال وشرقيّ سوريا، وهو ما يتّسق من تصريح الرئيس الروسيّ لنظيره السوري بشار الأسد بأنّ 90% من الأراضي السورية باتت تحت سلطة الحكومة السورية، وأن الـ 10% الباقية (من الواضح أنها مناطق الإدارة الذاتية) فيها قوات أجنبية، دون قرار من الأمم المتحدة، وتشكل عائقا أمام توحيد البلاد، ويجب أنْ تعود إلى سلطة الدولة.

تريد تركيا أن تحصل على مكاسب استثنائية مقابل التنازل عن مناطق السيطرة الاستراتيجية الواقعة تحت سيطرة حلفائها السوريين، ولعلّ هدفها الأكثر إلحاحاً الآن هو القضاء على مشروع الإدارة الذاتيّة، ويبدو أنّ أنقرة مستعدة لدفع الكثير للوصول إلى مبتغاها هذا، ولن يكون التخلّي عن الطريق الدوليّ بالأمر العسير في هذه الحالة.

الأكيد أنّ قطار تعويم الحكومة السوريّة قد بدأ يسير بالفعل، وبخُطى متسارعة، فمن زيارة المسؤولين اللبنانيّين لأخذ موافقة دمشق على تمديد خط الغاز المصريّ إلى لبنان مروراً بدمشق، إلى زيارة وزير الدفاع السوريّ إلى الأردن والاتفاق على فتح المعابر، وإعادة زخم العلاقات بين البلدين، وكذلك لقاءات وزير الخارجية السوريّة فيصل المقداد مع عدد من وزراء خارجية الدول العربيّة والأجنبية، ومنها وأبرزها مع وزير الخارجيّة المصريّة، وهو الأول من نوعه على هذا المستوى منذ بداية الحرب السوريّة.

ويبدو أن الجامعة العربية هي الخطوة الأولى لذلك، وهناك دول عربيّة تقود حملة الجهود تلك، وخاصة العراق والإمارات والأردن، وانضمت دول عربية أخرى إلى هذه الحملة، لكن ما يمنع هذا الأمر من تحقيقه هو الموافقة الدولية، وخاصة الأميركية.

حيث صرّح عدد من المسؤولين الأميركيّين أنه لا مجال لتطبيع الأوضاع مع الحكومة السورية، دون الوصول لتسوية سياسيّة وفق القرار الدوليّ (2254)، وبالتالي فإعادة شريان الحياة الاقتصاديّة إلى سوريا من خلال إعادة فتح الطرق الرئيسيّة يمكن أن يساهم في الانتعاش الاقتصاد نوعاً ما، لكن من المؤكد أنّها لن تُنهي الأزمة السوريّة بشكل كامل.