اللجنة الدستورية السورية: هل ستؤدي جولة سادسة من المفاوضات إلى حل سياسي في البلاد؟

اللجنة الدستورية السورية: هل ستؤدي جولة سادسة من المفاوضات إلى حل سياسي في البلاد؟

بعد فشل خمس جولات من أعمال اللجنة الدستورية السورية في تحقيق أي تقدم. وخروج اللجنة حتى الآن بنتائج صفرية، خلال عامين من انطلاق أعمالها، بحسب مراقبين لمسارها، تستعد الوفود المشاركة فيها لعقد اجتماعات الجولة السادسة، في الثامن عشر من شهر تشرين الأول/أكتوبر الجاري. وسط توقعات باستمرار الفشل في الوصول إلى نتائج إيجابية. تحقق تطوراً نوعياً في عمل اللجنة.

ويرى كثير من المحللين أن سبب فشل مساعي اللجنة الدستورية السورية يعود لعوامل متعددة. على رأسها أسلوب التسويف والمماطلة، الذي انتهجته حكومة دمشق. وإصرار ممثليها على الخروج عن أجندة اللقاءات. وكذلك انسحاب الوفد الممثل لـ”هيئة التفاوض” المعارضة. كما لم يجر سابقاً تحديد جدول زمني لانعقاد جلسات اللجنة. فقد كان عقد كل جلسة يستلزم قيام “غير بيدرسن”، المبعوث الدولي الخاص، بجولات في  سوريا والدول المؤثرة في الملف السوري، وعلى رأسها تركيا وروسيا، لإعادة ترتيب أوراق عمل اللجنة. قبل بدء أي جولة جديدة.

 

“اللجنة الدستورية أداة روسية”

إلى جانب العوامل المذكورة سابقاً لفشل عمل اللجنة الدستورية السورية يتحدث مراقبون عن عوامل أخرى. تتعلق باختلاف الأطراف المتواجدة حالياً في اللجنة على الخطوط العريضة للدستور الجديد. المزمع كتابته. لا سيما “المرحلة الانتقالية”. فضلاً عن تأثير نفوذ الدول المساهمة بتشكيل اللجنة على عملها. وارتباط مسار جولاتها بالتطورات العسكرية في الشمال الغربي من سوريا. وكذلك في مناطق أخرى، تدخّلت فيها كل من روسيا وتركيا وإيران على مدى العامين الماضيين.

وتعتقد أطراف في المعارضة. تنظر إلى عمل اللجنة الدستورية السورية بإيجابية نسبية، أن مصير المفاوضات في النهاية ستُقرِّره إرادات القوى الإقليمية والدولية الكبرى. التي تتحكّم بالقضية السورية. وأن المفاوضات الجارية ليست سوى وقت مُستقطَع. إلى حين وصول تلك القوى إلى تفاهمات نهائية.

في حين يرى عديد من السوريين أن اللجنة الدستورية، ومنذ بداية تشكيلها، كانت أداة روسية لتمييع القرارات الدولية بشأن سوريا. وخصوصاً قرار مجلس الأمن 2254. ولتضييع الوقت لمنع تشكيل هيئة حكم انتقالي. حتى تصل حكومة دمشق، ومن ورائها حلفاؤها الروس والإيرانيون إلى مبتغاهم. في إعادة السيطرة على البلاد دون إحداث أي انتقال سياسي. وهو ما يتفق معه الكاتب والمحلل السياسي “فراس علاوي”، الذي قال لموقع «الحل نت» إن «مجموعة “أستانا” (روسيا، تركيا، إيران) هي من دفعت باللجنة الدستورية السورية للقفز على تراتبية القرار الأممي 2254».

وتابع  “علاوي”: «اللجنة الدستورية تتوافق مع الرؤية الروسية للحل. وهي إقرار دستور وانتخابات مبكرة. وموسكو تستخدم مسار اللجنة الدستورية بما يتناسب مع الحالة السياسية».

يذكر أن القرار 2254 صدر عن مجلس الأمن في الثامن عشر من  كانون الأول/ديسمبر 2015. وطالب جميع الأطراف بالتوقف الفوري عن شن هجمات ضد أهداف مدنية. كما حثّ الدول الأعضاء بمجلس الأمن على دعم الجهود المبذولة لتحقيق وقف إطلاق النار. وطلب من الأمم المتحدة أن تجمع بين طرفي النزاع للدخول في مفاوضات رسمية. وإجراء انتخابات حرة ونزيهة تحت إشراف أممي. بهدف إجراء تحوّل سياسي في البلاد.

 

غياب “مسد” عن اللجنة الدستورية السورية

ويرى كثير من المتابعين أن غياب قوى سياسية، تملك ثقلها الخاص داخل المشهد السوري، أثّر بشكل سلبي على فاعلية اللجنة الدستورية السورية. إذ أدى لعدم وجود رؤى متنوّعة. تعزز التشاركية بين الأطراف السورية. وتساعد على إيصال صوت جميع الأطراف. ما يحرم كثير من الفئات السورية من المشاركة في صياغة دستور بلادها.

فضلاً عن هذا فإن “الفيتو”، الذي وضعته الدول المُكوّنة للجنة الدستورية على مشاركة بعض القوى، زاد من عدم فعالية اللجنة الدستورية السوية. لا سيما غياب مجلس سوريا الديمقراطية “مسد”. الذي يمكن اعتباره هيئة سياسية تمثل الطيف الأكبر من المكوّن الكردي في سوريا.

“رياض درار”، الرئيس المشترك لمجلس سوريا الديمقراطية “مسد”، اعتبر، في تصريحاته لـ«الحل نت»، أن «غياب “مسد” كانت له عدة أسباب. أولها يتعلّق بعدم مشاركته بمؤتمر “سوتشي”، الذي عُقد في كانون الثاني/يناير  2018. وأطلق مشروع اللجنة الدستورية السورية. بعد التفاف روسيا على قرارات جنيف. فكانت تلك لعبة الروس. من أجل إعطاء دمشق فرصة استعادة الأنفاس». حسب تعبيره.

وبما أن مجموعة “أستانا” عملت على تأسيس اللجنة الدستورية السورية، فإن تركيا، بحسب “درار”، كان لها دور في «الضغط المباشر والمستمر لعدم مشاركة “مسد”. وكذلك قوات سوريا الديمقراطية “قسد”. باللجنة أو في أي مسار للحل في سوريا».

وتابع: «كنا منشغلين بتحرير مناطق شمال وشرق سوريا من تنظيم داعش. وكنا نعتقد أننا سننال حظوة على طاولة التفاوض في نهاية الأمر. وكان الجانب الأميركي يعدنا بذلك. لكن فوجئنا بعد القضاء على التنظيم الإرهابي بتغيّرات في الموقف الأميركي. فالرئيس دونالد ترامب كانت له حساباته التي تميل نحو تركيا. ويجاري الرئيس أردوغان في خياراته».

وتشكّلت اللجنة الدستورية السورية من مئة وخمسين عضواً. يمثلون حكومة دمشق. و”هيئة التفاوض” المعارضة. وممثلين عن المجتمع المدني. وكذلك تم تشكيل لجنة مُصغَّرة، من خمسة وأربعين عضواً. لحضور جلسات المناقشة (تم تقسيمها مثالثةً بين تلك الأطراف). بحيث تُتخذ القرارات في اللجنة عبر التصويت. شريطة موافقة 75% من أعضائها.

 

هل توجد بارقة أمل في عمل اللجنة الدستورية؟

“بشار الحاج علي”، الدبلوماسي السابق، وعضو اللجنة الدستورية السورية. يبدو أكثر تفاؤلاً بعمل اللجنة. إذ قال لموقع «الحل نت» إن «ما سيتم مناقشته خلال الجولة السادسة لاجتماعات اللجنة. وفق  ما أعلنه السيد “غير بيدرسون”، يتمحور حول نقاش المبادئ الأساسية في الدستور».

واعتبر أن ما ستدور حوله الاجتماعات هو «أهم ما يمكن نقاشه عند صياغة دستور بشكل عام. علمتنا التجربة أن لا نتفاءل كثيراً. لكن أعتقد أنه لم يكن من الممكن الإعلان عن انعقاد جلسة جديدة دون مؤشرات جديّة لنجاحها. وينتظر السوريون والسوريات بارقة أمل. علها تأتي هذه المرة من جنيف».

وبحسب “الحاج علي” فإنه «لا يكفي الدخول بنقاشات المبادئ الأساسية للدستور. بل يجب أن تنتهي الاجتماعات باتفاق عليها. أو على صيغ مبدئية. تبشّر بالمضي في العملية السياسية من البوابة الدستورية».

من جهتها لفتت “سميرة المبيض”،  عضو اللجنة الدستورية السورية عن قائمة المجتمع المدني، إلى أنه «من المفترض نقاش البنود الدستورية بشكل مباشر. وفق ما تم الاتفاق عليه سابقاً. وذلك عبر طرح مقترحات مسبقة لعدة بنود. ونقاشها والتوصّل لتوافقات حولها».

وأضافت، في حديثها لموقع «الحل نت»، أن «هذه الآلية لا تتضمن تعديلاً يذكر عن المسار السابق للجنة. وإذا لم يكن هناك تعديل حقيقي في آلية العمل والانجاز فلن تكون هناك أي فائدة من عقد جولة جديدة من الاجتماعات. لأنها لن تحمل آنذاك إلا مزيداً من المماطلة والتعطيل. المستمرين منذ بدء أعمال اللجنة المصغرة منذ عامين. وفق حالة استقطابية بين الحكومة والمعارضة. تسعى لتمرير الوقت. وتقاسم السلطة على الأرض بين قوى الأمر الواقع».

وشددت على أن «تغييب صوت قوى المجتمع المدني له أثر سلبي متفاقم في انعدام فاعلية العملية الدستورية. ويرتبط بغياب الرقابة والشفافية والثقة بمدى موائمة المُنتَج، الذي سيصدر عن عمل اللجنة الدستورية السورية».

واختمت حديثها بالقول: «في ظل هذه المعطيات يبقى واجبنا الأهم منع أي انحرافات. والدفع قدماً بعمل دستوري جدي. لا يقصي أية أطراف سورية. ويضمن تحقيق العدالة والمساواة لجميع السوريين».

 

الحل السياسي في مكان آخر؟

“فراس علاوي” يرى أن «اللجنة الدستورية السورية ليست طريقاً للحل. وإنما هي مناورة روسية. في محاولة لإقناع الغرب أن روسيا ماضية في الحل السياسي».

مضيفاً: «روسيا لن تبدأ بالحل السياسي إلا بعد ترتيب وجودها بشكل كامل في سوريا. وإنهاء جميع القضايا الشائكة. ومن ثم الذهاب إلى الحل وفق رؤية روسية. مع التأكيد على تجاهل تأسيس هيئة حكم انتقالي للبلاد. باختصار الجولة القادمة لعمل اللجنة الدستورية لن ينتج عنها أي شيء».

بدوره أشار “علي رحمون”، عضو العلاقات العامة في “مسد”، إلى أن «روسيا سعت إلى المماطلة والتسويف في تنفيذ قرار مجلس الأمن 2254. والذي كان ينصّ على تشكيل حكومة انتقالية ذات صلاحيات. ومن ثم إجراء انتخابات ووضع دستور جديد للبلاد. وبالتالي عملت روسيا على تشكيل اللجنة الدستورية السورية من أجل إجراء محاصصة بين حكومة دمشق والدول الحليفة لها من جهة. وتركيا من جهة أخرى. ولذلك فهذه اللجنة لا تمثّل السوريين. ولا يمكن أن تساهم بحل سياسي».

ويتساءل “رحمون” في إفادته لـ«الحل نت»: «هل كتابة الدستور لوحدها تؤدي لإيجاد حل سياسي؟ كل هذا مجرد محاولات لفتح مسارات للمماطلة. لن تؤدي لأي تقدم».

أما “رياض درار” فيعتبر أن «الحل السياسي سيكون في مكان آخر. خارج مسار اللجنة الدستورية السورية. يقوم على توزّع النفوذ على الأرض. والمشاريع السياسية، التي تتلقى دعماً من الأطراف الدولية المؤثرة، لرسم نهاية  الحرب السورية».