الأنفاق الإيرانية في دير الزور: بنية تحتية لسيطرة الميلشيات الموالية لإيران على شرقي سوريا

الأنفاق الإيرانية في دير الزور: بنية تحتية لسيطرة الميلشيات الموالية لإيران على شرقي سوريا
أستمع للمادة

تزايد حفر الأنفاق الإيرانية في دير الزور في الفترة الأخيرة. إذ تسعى المليشيات الموالية لإيران، المسيطرة على أجزاء كبيرة من المحافظة الواقعة شرقي سوريا، إلى ابتكار طرق وأساليب جديدة. للالتفاف على  الضربات الجوية الموجعة، التي تستهدف أمكان توزعها وانتشارها وكل مايتبع لها. سواء التي ينفذها طيران التحالف الدولي ضد الإرهاب. أو الطيران الحربي الإسرائيلي. ويتركز جُلّ اهتمام تلك الميلشيات على التوسّع بعمليات إنشاء  الأنفاق السرية. للاعتماد عليها في التنقّل بين الحدود السورية العراقية. وأيضاً بين مقراتها داخل المحافظة.

مصادر خاصة من داخل مدينة البوكمال أكدت لـ«الحل نت» أن «شبكة الأنفاق الإيرانية في دير الزور، التي يتم العمل على توسعتها حالياً، عائدة لفترة سيطرة تنظيم داعش على المحافظة. وتسعى الميلشيات الإيرانية إلى إنشاء أنفاق جديدة لم تكن موجودة مسبقاً».

تكتيك الأنفاق الإيرانية في دير الزور

قائد عسكري في “الفوج 47″، التابع للحرس الثوري الإيراني، قال لـ«الحل نت» إن «الهدف الرئيسي من  الأنفاق الإيرانية في دير الزور. وخاصة التي تصل بين سوريا والعراق. هو أن تكون طريقاً للسيارات الكبيرة. تبعدها عن كاميرات  طائرات الاستطلاع. وتمكّن سائقيها من الاستغناء عن المعابر البرية، في نقل السلاح والذخيرة. بعد الخسائر الكبيرة، التي تكبدتها الميلشيات في الأرواح والعتاد، خلال الأشهر القليلة الماضية. نتيجة الاستهدافات الجوية المتكررة».

وأضاف القائد، الذي فضّل عدم الإفصاح عن اسمه، أن «الحرس الثوري الإيراني بدأ، في منتصف تشرين الأول/أكتوبر الفائت، بإنشاء شبكة أنفاق كبيرة جنوب بلدة “الهري”، المتاخمة  للحدود السورية العراقية من جهة البوكمال. حيث استقدمت قيادة الحرس الثوري كرفانات (غرف مسبقة الصنع). ورفعت عليها الأعلام السورية. لتخديم مشروع الحفر الجديد».

وأشار المصدر إلى أن «العمل في حفر الأنفاق الإيرانية في دير الزور يتم في وضح النهار. على خلاف المرات السابقة. إذ كان الحفر يتم ليلاً. وذلك لإيهام الطيران الحربي بأن المشروع الجديد هو حفر آبار مياه للبلدة. تابع للحكومة السورية. وليس للحرس الثوري».

أنفاق على الجانبين السوري والعراقي

ولفت القائد العسكري إلى أن «عمليات الحفر تتم على الجانب العراقي أيضاً. في منطقة القائم غربي العراق. ليتم ربط الأنفاق ببعضها من كلا الجانبين السوري والعراقي. ويشرف على عمليات الحفر من الجانب العراقي ميلشيات تابعة للحشد الشعبي وحزب الله العراقي. باستخدام آليات حفر متطورة. بإشراف مباشر من قيادة فيلق القدس الإيراني. وبتوجيهات من قبل أمين مستودعاته وذخائره المقدم “يار أسرار”، الملقب بـ”الحاج ميرزا”».

ويتابع المصدر سرده بالقول: «قيادة الحرس الثوري تركز على أن تكون الأنفاق الإيرانية في دير الزور متصلة ببعضها. كما تقوم بتغير مواقع بعض الأنفاق، التي تم رصدها من قبل طيران التحالف الدولي». منوهاً  إلى أن «الحرس الثوري حصل مؤخراً على خرائط أنفاق داعش. المنتشرة بالقرب من الحدود العراقية. ويعمل الآن على توسعتها وتحصينها. لتكون مستودعات للذخيرة. وغرفاً للعمليات والاجتماعات السرية أيضاً».

«وأسندت مهمة حماية الأنفاق الإيرانية من الجانب السوري لـ”الحاج جعفر” (إيراني الجنسية)، من قيادة “الفوج 47″. ومن الجانب العراقي  لـ”حاج سلطان الإيراني” من ميلشيا “حزب الله العراقي”. وكُلّف الطرفان بقتل كل من يقترب من أماكن الأنفاق الجديدة». بحسب المصدر نفسه.

واختتم القيادي حديثه مؤكداً أن «ميلشيا فيلق القدس، بالتعاون مع ميلشيا الحشد الشعبي والحرس الثوري. نقلت خلال الأشهر الأربع الماضية  أكثر من خمس شحنات صواريخ متطوّرة. وصواريخ أرض-أرض. بواسطة شاحنات الخضار والفاكهة القادمة من العراق إلى سوريا، عبر معبر القائم الحدودي».

أنفاق إيرانية وهمية

من جهة أخرى يقول “عمر”، اسم مستعار لشاب من مدينة البوكمال، إنه: «عمل وبعض أصدقائه في أيلول/سبتمبر الفائت في عمليات حفر الأنفاق الإيرانية في دير الزور. وذلك في محيط مطار “الحمدان” بريف مدينة البوكمال. وبالقرب من منطقة “الحزام الأخضر” وأطراف المدينة الشرقية. مقابل أجور مادية مرتفعة. تصل إلى ثلاثين ألف ليرة في اليوم. وكانت عمليات الحفر تتم في ساعات متأخرة من الليل. وبشكل متقطّع».

والهدف من ذلك، بحسب إفادة العامل لموقع «الحل نت»، هو «جذب انتباه طيران الاستطلاع لأماكن هذه الأنفاق. التي تقوم الميلشيات بإنشائها للتمويه. وصرف النظر عن الأنفاق الجديدة الحقيقية، التي تقوم بالعمل على توسعتها وتحصينها. والتي يشرف على إنشائها وتوسعتها طاقم إيراني وعراقي. ولا يتم إشراك عمال محليين في حفرها. كي لا يتم تسريب أي معلومة».

ونوّه “عمر” إلى أن العمال «لم يمنعوا من جلب هواتفهم المحمولة وارتداء ساعات في يدهم. على خلاف ما كان يحصل مع العمال الذين كانت الميلشيات تأخذهم لحفر الأنفاق والخنادق في المرات السابقة. وهذا دليل آخر على أن الأنفاق التي يحفرونها وهمية. وليست الإنفاق الإيرانية في دير الزور ذات الأهمية العسكرية الفعلية».

أنفاق إيرانية جديدة في الميادين

لم تقتصر عملية توسعة وإنشاء الأنفاق الإيرانية في دير الزور على مدينة البوكمال ونواحيها فحسب. بل بدأت ميلشيا الحرس الثوري الإيراني منذ تموز/يوليو الفائت بالعمل على توسعة الأنفاق بمحيط مدينة الميادين وباديتها. وإنشاء أنفاق جديدة. بدلاً من الأنفاق التي تعرّضت لاستهدافات جوية سابقة.

ووفق مصادر خاصة لـ«الحل نت» في الميادين فإن «عمليات الحفر تتم حول قلعة “الرحبة” ببادية المدينة. ومنطقة “المزارع”. وبالقرب من مقرات الميلشيات داخل أحياء المدينة أيضاً. بغية استخدام الأنفاق مستودعات للسلاح والذخائر. وتتم عمليات الحفر عبر آليات ثقيلة وحفارات قادمة من العراق. وتحت إشراف شخصيات إيرانية وعراقية. أبرزها “مهدي الإيراني“».

عنصر محلي من ميلشيا “فاطميون” الموالية لإيران تحدّث لـ«الحل نت». قائلاً إن «عمليات حفر الأنفاق الإيرانية في دير الزور تتركز في الميادين عند منطقة “المزارع”. حيث يتم العمل الآن على بناء شبكة أنفاق وخنادق. تصل إلى مستودعات الحرس الثوري الواقعة تحت قلعة “الرحبة”، لاستخدمها مستودعات للأسلحة القادمة من العراق».

وذكر المصدر، الذي طلب عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية، أهم ما عاينه من عمليات تشييد الأنفاق الإيرانية في دير الزور، بالقول: «ميلشيا الحرس الثوري أنشأت عشرة أنفاق بالقرب من نبع ماء “عين علي”. تتواجد بداخلها بشكل دائم حفارة أنفاق. مع سيارات عسكرية وعناصر إيرانيين وأفغان وعراقيين. وتوجد أيضاً أنفاق إيرانية أخرى بالقرب من مقر كتيبة المدفعية القديمة. تتبع لميلشيا حزب الله اللبناني. وتضم أربعة مستودعات تحت الأرض. بداخلها كميات ضخمة من السلاح. وعشر آليات عسكرية. وتخضع لحراسة مشددة من الحزب».

«هذا وعملت مليشيا الحرس الثوري، خلال شهر أيلول/سبتمبر الفائت، على حفر خنادق وأنفاق بين البيوت السكنية المتاخمة لمقراتها. بالقرب من مدرسة الصناعة القديمة. وفي منطقتي “الكورنيش” و”مشروع المياه”». وفقاً للمصدر ذاته.

أغراض متعددة للأنفاق الإيرانية في دير الزور

 العقيد “محمد فايز الأسمر”، الخبير العسكري، أكد، في حديثه لـ«الحل نت»، أن «الأنفاق الإيرانية في دير الزور تنقسم إلى عدة أنواع. دفاعية وهجومية. وأخرى لإخفاء المدفعية والصواريخ. إلى جانب أنفاق الإمداد وغرف العمليات. وأنفاق خاصة بقيادة المعارك والسيطرة».

وأضاف أن «هناك أنفاق المواصلات. وتكون قصيرة المسافة. وتستخدم للريط بين مناطق قريبة. بعيداً عن أعين الرصد والاستطلاع. وهدفها تعزيز المناورة والإسناد والانتقال والمتابعة وقت الحرب».

ونوّه “الأسمر” إلى أن «استراتيجية الحرس الثوري الإيراني وأذرعه تسعى للبقاء طويلا في سوريا. من خلال اتخاذ كل ما من شأنه تخفيف خسائر الميلشيات الإيرانية. ويعزز قوتها ووجودها. من خلال التمركز السري في مطارات وقواعد وقطعات القوات النظامية السورية. أو من خلال إنشاء شبكات من الأنفاق. أو التغير الدوري لتموضعات الميلشيات الميدانية ما بين الأحياء السكينة. وغيرها من الأساليب».

ومن وجهة نظر العقيد فإن «غاية الميلشيات من الأنفاق الإيرانية في دير الزور ليست دفاعية فقط. أو لإخفاء تحركاتها. بل من الممكن أن تلك الأنفاق تقام لأهداف هجومية. ويمكن ان تكون وراء انشائها تحضيرات ضد أي اجتياحات برية معادية. قد تستهدف مناطقها» وفق تعبيره.

بينما يرى الصحفي “بشير العباد” من دير الزور أن «مهمة الأنفاق الإيرانية في دير الزور. وخاصة الأنفاق التي تتم توسعتها في بادية الميادين. عرقلة خلايا تنظيم داعش. التي ازدادت الهجمات التي تنفذها على مقرات الميلشيات المنتشرة في أطراف البادية. والتي تسفر في كل مرة عن سقوط عشرات القتلى والجرحى». مشيراً إلى أن «ميلشيا الثوري الإيراني تركز على حفر إنفاق بالقرب من معسكرات التدريب التابعة لها. بالقرب من قلعة “الرحبة” ومزارع الزيتون».

ويضيف “العباد”، في حديثه لـ«الحل نت»، أن «ميلشيا الحرس الثوري تعمد على حفر أنفاق أخرى في أماكن بعيدة عن مواقعها. لإشغال العناصر المحليين الجدد في أعمال الحفر. بحجة تعويدهم على الصبر ومشقة القتال في المعارك».

الأنفاق الإيرانية تصل إلى مدينة تدمر

الصحفي “محمد نور العايد”، المتحدث باسم شبكة “البادية 24″، يقول لـ«الحل نت» إن «الأنفاق الإيرانية في دير الزور امتدت في البادية وصولاً إلى مدينة تدمر. وتتركز حول مستودعات الأسلحة التابعة لها في منطقة “جبل المزار” شمال شرقي المدينة».

واستبعد “العايد” وجود أي عمليات حفر داخل مدينة تدمر. فمن وجهة نظره «هدف الميلشيات من عمليات الحفر صد هجمات خلايا تنظيم داعش النشطة في المنطقة. التي تُكبدها في كل مرة عشرات القتلى والجرحى. ودماراً في الآليات  العسكرية والعتاد».

وأوضح أن «من يقوم بعمليات حفر الأنفاق الإيرانية في دير الزور وتدمر عناصر يتبعون للميلشيات الإيرانية. ولا يتم جلب عمال محليين إلى تلك المواقع».

ونقل موقع “المنيتور”، في تقرير نشره في آب/أغسطس الفائت، عن مصدر عسكري إيراني، طالب بعدم ذكر اسمه، أن «القوات الإيرانية تحفر أنفاقاً عسكرية في المناطق الخاضعة لسيطرتها منذ أكثر من ثلاث سنوات. والهدف هو ربط المقرات العسكرية ببعضها».

وأشار الموقع إلى أن «الأنفاق تم حفرها على عمق يزيد عن ثلاثة أمتار. وتم تصميم غرف من الاسمنت المسلّح داخلها. وتتركز الحفريات في تدمر. بهدف تعزيز وجود القوات الإيرانية في هذه المنطقة الغنية بالآثار. ومنع روسيا من طردها. وحماية مقراتها من الهجمات الإسرائيلية. ويتم تأمين الحديد ومواد البناء من خلال الدعم اللوجستي الإيراني القادم من الأراضي العراقية. عبر ميلشيا “حركة النجباء”. عبر قوافل الإمدادات».

وأضاف المصدر أن «خارطة حفر الأنفاق الإيرانية في دير الزور والبادية تشمل مناطق حيوية في مدينة تدمر. ومن المتوقع أن تمتد هذه الأنفاق إلى جميع المناطق الخاضعة للسيطرة الإيرانية. على الرغم من الاتفاقات مع روسيا، التي تستمر في تحديد مناطق الوجود الإيراني».

النزوح بسبب الأنفاق الإيرانية في دير الزور

حركة حفر الأنفاق الإيرانية في دير الزور ترافقت مع موجة نزوح في المحافظة. وحمّلت عدة عوائل من ريف ديرالزور الشرقي مسؤولية نزوحها لميلشيات إيران، التي انشأت مقرات لها ومستودعات للذخيرة على تماس مباشر من منازل تلك العائلات.

“أم مصطفى”، ربة إحدى العوائل، التي نزحت من منزلها في محيط مدرسة “المعري” بمدينة البوكمال، إلى مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) شمال شرقي الفرات. تقول لـ«الحل نت» إنها «ذاقت مرارة النزوح مرتين على التوالي. الأولى أثناء سيطرة القوات النظامية على المدينة وخروج داعش منها. والثانية بعد استيلاء ميلشيا الحرس الثوري على منزل بمحاذاة منزلها. وتحويله لمقر عسكري. مادفعها لترك بيتها هي وأطفالها. خشية استهدافه من قبل الطيران الحربي».

وأوضحت أن «عدداً من الأُسر اضطرت لترك منازلها .والسكن بخيم بعيدة عن مواقع الميلشيات».

“أبو محمد” أجبر يدوره على ترك منزله، في حي “الفيلات” داخل الأحياء المأهولة في مدينة دير الزور. والنزوح هو وعائلته إلى أقرباء لهم غربي المدينة. بعد أن حوّلت ميلشيا الحرس الثوري منزلاً بجوار منزله إلى مستودع للذخيرة. إضافة لوجود مقر آخر قرب المنزل لـ”الحاج كميل”، القيادي في الحرس الثوري.

يقول “أبو محمد” لموقع «الحل نت» إن «ميلشيا الثوري وحزب الله تتعمّد حفر الأنفاق الإيرانية في دير الزور. وإنشاء مقرات ومستودعات لها في أحياء سكنية معينة في المدينة. مثل “القصور”. بعد عجزها عن شراء ممتلكات ومنازل في تلك الأحياء. لرفض مالكيها ذلك. فتعمد على إخراجهم منها بأساليب أخرى كالتي تتبعها الآن». 

“حسن”، اسم مستعار لناشط مدني في دير الزور، يقول لـ«الحل نت» إن «ميلشيات إيران كثّفت من تواجدها داخل الأحياء السكنية في المدن والبلدات التي تسيطر عليها. لكثرة الغارات الجوية التي تستهدف كل ما يتبع لها، محاولة بذلك تجنّب القصف». وأضاف أنها «تحاول توريط التحالف الدولي أو الطيران الإسرائيلي بقصف المدنيين. في مسعى منها لتأليب الأهالي ضد هذين الطرفين. وكسب عدد من المتطوعين الجدد في صفوف الميلشيات. كما فعلت مع تنظيم داعش سابقاً».

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير وتحقيقات