سفن سوريّة بنشاط مشبوه تستقر في المياه التركية

عندما زار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان نظيره الأوكراني فلاديمير زيلينسكي قبل 18 شهراً في قصر مارينسكي، أو حتى عندما قال أردوغان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة إن تركيا تعلق أهمية على حماية وحدة أراضي وسيادة أوكرانيا، بما في ذلك شبه جزيرة القرم، كان رد فعل روسيا سريعاً وغير سار. ويبدو أن التزام تركيا تجاه أوكرانيا يفوق مخاوفها بشأن رد فعل روسيا.

لكن الأمور ليست دائماً كما تبدو. حيث أبحرت مؤخرا سفينة شحن زرقاء داكنة طولها 450 قدماً في مضيق البوسفور بتركيا. 

ما يميز هذه السفينة “لاوديسيا”، عن السفن الأخرى في مضيق البوسفور هو أنها مملوكة لشركة “سيريا مار” وهي تتبع خط الشحن الرسمي للحكومة السورية، والتي تخضع حالياً لعقوبات وزارة الخزانة الأمريكية.

تدير “سيريا مار” ثلاث سفن، وهي لاوديسا، فينيقيا، وسوريا. لقد تم تصنيف السفن الثلاثة و الشركة التي تديرهم من قبل وزارة الخزانة الأمريكية على أنها جزء من شبكة تحصيل الدخل لقوات الجيش السوري وعائلة الأسد.

لقد تم محو بيانات تتبع سفينة لاوديسا بشكل تام. ويبدو أنها دخلت البحر الأسود منذ أسابيع واختفت تماماً، وهي الآن تغادر البحر الأسود دون أي بوادر على نشاطها. ومع ذلك، فإن التحليل الدقيق لبيانات الشحن والصور من الموانئ وصورة من قناة إخبارية تلفزيونية محلية، ومؤخراً، صور الأقمار الصناعية تشير جميعها إلى أن هذه السفن الثلاث ترسو في موانئ شبه جزيرة القرم وأبخازيا.

الأكثر غرابة هو أن هذه السفن تعمل بشكل حصري تقريباً خارج الموانئ التركية. وهي تحمل مواد البناء من تركيا إلى شبه جزيرة القرم وأبخازيا وعادة ما تجلب القمح أو الخردة المعدنية، حيث يبدو أن تجارة الخردة المعدنية تستخدم موانئ في خليج إزميت. وتتم التجارة بأكملها بشكل علني مع الشركات القائمة هناك، باستخدام أرصفة مملوكة للقطاع الخاص في بعض الأحيان. 

ورغم أن غرفة الشحن التركية أصدرت توجيهاً واضحاً بعدم خروج أي سفينة من الموانئ التركية إلى الموانئ في شبه جزيرة القرم وأبخازيا أو العودة منها إلى تركيا، إلا أن الحكومة التركية يبدو أنها غير راغبة في تنفيذه رغم الوعود للقادة الأوكرانيين والجورجيين بذلك.

فما الذي يفسر إذن استخدام السفن السورية للمجال المائي التركي؟ 

في الوقت الذي تبحر فيه السفن السورية من الموانئ التركية وتكسب “سيريا مار” المال في تركيا من خلال لعب دور الوسيط، يقوم الجيش السوري، بدعم من القوات الجوية الروسية، بضرب مواقع المعارضة السورية المسلحة المدعومة من تركيا. ونتيجة لذلك، تدعم التجارة التركية الجيش الذي تخوض الحكومة التركية الحرب معه بشكل غير مباشر.

علاوةً على ذلك، ونظراً لطرق تهريب المخدرات الجديدة التي نشأت في اللاذقية، فإن هناك شكوك كبيرة في أن تكون سفن “سيريا مار” متورطة في أنشطة جانبية غير قانونية، مثل نقل المخدرات أو الاتجار بالبشر، كونها تخفي مواقعها لأيام وأسابيع في كل مرة. 

إن أنشطة سفن الشركة السورية ربما تكون أكبر مثال على التناقضات في السياسة الخارجية التركية في السنوات الأخيرة.

تكتيكات روسيا القاسية

بالمقابل عززت روسيا من وجودها العسكري في البحر الأسود ونشرت سفن الإنزال والمدفعية لأسطول بحر قزوين هناك. وفي الوقت نفسه، أعلنت موسكو أنه في الفترة من 24 نيسان إلى 31 تشرين الأول من هذا العام، سيتم إغلاق ثلاثة أقسام من البحر الأسود أمام السفن الحربية الأجنبية والسفن غير التجارية بسبب تدريبات بحرية. ولا ينطبق الحظر على السفن التجارية الأجنبية، لكنه ينطبق على السفن البحرية الأوكرانية وسفن الموانئ، والتي تكون في الغالب زوارق سحب. ومن خلال إغلاق جزء من البحر الأسود بالقرب من مضيق كيرتش، أغلقت روسيا المضيق فعلياً أمام البحرية الأوكرانية، في انتهاك للاتفاقية الثنائية لعام 2003 بشأن استخدامه واتفاقية بحر آزوف.

ورداً على ذلك، أعلن الرئيس زيلينسكي في 19 آب الماضي عن خططه لعام 2035 للبحرية الأوكرانية، والتي تتضمن إنشاء بنية تحتية لبناء أسطولها البحري، بما في ذلك الغواصات الصغيرة والطرادات والقوارب الصغيرة المسلحة. بالإضافة إلى ذلك، ستبدأ أوكرانيا في بناء قواعد بحرية، سيكون أولها في بيرديانسك. 

وأشار زيلينسكي على وجه التحديد إلى مشاركة كل من المملكة المتحدة وتركيا في عمليات البناء هذه.

السياسة الغريبة لتركيا 

تدعم السياسة الرسمية لتركيا السلامة الإقليمية لأوكرانيا وجورجيا. وتبيع الطائرات بدون طيار والسفن لأوكرانيا، على أمل شراء محركات نفاثة. ومع ذلك، تستمر التجارة مع الأراضي التي تسيطر عليها روسيا في أبخازيا وشبه جزيرة القرم. ومن خلال السماح بهذه التجارة غير المشروعة، تقوض تركيا كلاً من مصداقيتها وأمن شركائها التجاريين. كما تجلب هذه التجارة أيضاً العملة الصعبة إلى هذه المناطق، التي تقع خارج النظام المصرفي الدولي.

وفي حين أنه من غير المرجح أن تعود روسيا إلى حدودها الأصلية أو تقبل استقلال الدول المسيطر عليها من قبلها حالياً، فإن السماح للسيطرة الروسية عليها بأن يصبح دائماً سيغير التوازن العسكري والتجاري في البحر الأسود لعقود قادمة. والدولة الأكثر خسارة من ذلك ستكون تركيا نفسها.