سيطرة ميليشيات النفوذ الإيراني تمنع من تطور العراق

سيطرة ميليشيات النفوذ الإيراني تمنع من تطور العراق
أستمع للمادة


كيف سيتعافى بلد أهلكته أربعة عقود من النزاعات والحصار، يتساءل تقرير لصحيفة “ليزيكو” الفرنسية. فبين ريع النفط الذي استولت عليه الميليشيات، والفساد المستشري والطائفية التي تمزق البلاد، تظل مكابح إعادة الإعمار قوية. ومع ذلك، فإن الطبقة الوسطى لا تزال تؤمن وتريد تصديق أن ذلك ممكن.

في مكتب كبير في أعلى برج عسكري يخضع لحراسة مشددة، وجرس لاستدعاء الموظفين وزي لا تشوبه شائبة، من الواضح أن خالد حمزة عباس شخصية قوية. حيث يترأس هذا الرجل شركة”نفط البصرة”، الشركة الوطنية المسؤولة عن تشغيل الحقول النفطية في محافظة البصرة جنوبي العراق، والتي تنتج 4 ملايين برميل من النفط الخام يوميا، حيث يتركز ما يعادل 4 بالمئة من الطلب العالمي و65 بالمئة من إيرادات الحكومة المركزية في منطقة لا يزيد عدد سكانها عن 4 ملايين نسمة.

وينطلق الرجل الخمسيني ذو النظارات الرقيقة في شرح لمخطط تقاسم الأرباح بين شركات النفط الكبرى وشركته العامة، ويتوقف فجأة عند رنين هاتفه. فيحاول ممازحاً إخفاء تعبيره القلق قائلاً: “سأطلب منك الخروج من مكتبي لبضع لحظات. إذا لم أقم بالاتصال بك خلال عشر دقائق، اتصل بالشرطة”، يقول عباس لمُعد التقرير المنشور في الصحيفة الفرنسية وترجمه موقع “الحل نت”.

ودون سابق إعلان، يقتحم فالح الخزعلي، زعيم ميليشيا شيعية قوية، بابتسامة صفراء الغرفة. ما الذي كان يمكن أن يقوله الرجلان لبعضهما البعض؟ ففالح الخزعلي، على أي حال، بعيد جدا عن دائرته الانتخابية في بغداد. ممزقة بين الفساد والطائفية ولعنة الذهب الأسود، سيتعين على بلاد ما بين النهرين أن تتحدى الصعاب لاستعادة ازدهارها المفقود.

النفط شريان الحياة في العراق

كان من الممكن أن ينهي الانتصار الأخير على تنظيم “داعش” الإرهابي، ما يقارب من أربعة عقود من الحروب والحصار. وحتى جائحة فيروس كورونا، التي دمرت الاقتصاد وفرضت أول تخفيض لقيمة العملة منذ عام 2003، بدأت تخفف قبضتها قدر الإمكان وتسمح للطلب العالمي على النفط باستئناف اتجاهه التصاعدي المبتغى، وفقا لمنظمة “أوبك”. وهذا يمكن أن يستمر حتى نهاية 2030. يعتمد العراق، خامس أكبر منتج للنفط الخام في العالم، على المكاسب المفاجئة لزيادة الإنتاج لإعادة بناء نفسه. وقد أعلن مؤخرا أنه يريد زيادة إنتاجه بنسبة 40 بالمئة بحلول عام 2027.

ومع ذلك ، فإن زيارة حقل الزبير، وهو واحد من أكبر المواقع في البلاد، لا تترك انطباعا بأن العراق جاهز لغزو السوق العالمية. فبغض النظر عن موضوع عمره وقدمه، يظهر الموقع متداعيا، مع آثار واضحة للتسريبات وانطلاق دخان أسود كثيف باتجاه السماء. ويقول موظف محلي حول ذلك: “مشروع بناء ضاغط الغاز، الذي من المفترض أن يقلل انبعاثات الغازات، متأخر للغاية”. يتم تشغيل هذا الامتياز بشكل مشترك بين شركة نفط الكويت وشركة أوروبية كبرى، ومع ذلك يجب أن يزيد الامتياز إنتاجه بنسبة 50 بالمئة على مدى السنوات الخمس المقبلة. وهذا تحد لوجستي يعتبره الكثيرون غير واقعي.

دولة تسيطر عليها الفصائل

يوضح عادل واكر، وهو مهندس من مواليد البصرة وخبير في الشؤون النفطية، أن مثل هذه الزيادة في الإنتاج الوطني ليس لها فرصة للنجاح، لأن العراق غير قادر على القيام بالاستثمارات اللازمة. ويتابع قائلا: “علينا أن نستكشف، ونحفر، ونبني خطوط أنابيب ومحطات وخزانات جديدة. مع ذلك، فإن العجز العام كبير للغاية بحيث يتم التضحية بالإنفاق الاستثماري بشكل منهجي”.

الدولة العراقية، حالها حال البلاد، مقسمة بين طوائف وفصائل كردية، عربية، سنية وشيعية، لكل منها طرف واحد من سلاسل القيادة وتجعل كل شيء غير قابل للحكم. والشيعة، الغالبية العظمى من السكان الذين يحتكرون السلطة اليوم، بعد استبعادهم في عهد صدام حسين، جعلوا بحر الهيدروكربونات في جنوب العراق القاعدة الخلفية لسيطرتهم على البلاد.

وبالتالي، فإن صناعة النفط، التي تمثل ما يقارب من 60 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي الوطني، تخضع لسيطرة منظمة إلى حد ما من المنظمات شبه العسكرية المنسقة إلى حد ما، وغالبا ما تكون تابعة للسيطرة الإيرانية، في جميع المراحل؛ سواء من خلال الشاحنات والمحطات، وسفن الشحن، “حتى تصل حركة تهريبهم إلى أبعد من ذلك لتزويد الناقلات الراسية في الخليج الفارسي بالوقود سرا”.

“نحن لا نسيطر على حدودنا”، هذا ما اعترف به وزير المالية علي علاوي، الذي قال إنه أطلق إصلاحا جمركيا في الأشهر الأخيرة. هذا تحد كبير، بالنظر إلى ضخامة الظاهرة! فحتى مطار بغداد الدولي، بوابة العراق إلى العالم، في أيدي الميليشيات. لذلك يدعي رجل الأعمال الذي يتاجر بمستحضرات التجميل بانتظام أنه يتعين عليه دفع ضرائبه الجمركية مرتين. ويشتكي، شريطة عدم الكشف عن هويته، قائلا: “لتصدير أو استيراد أبسط المواد، عليك أن تدفع للميليشيات”.
هذا الفساد المستشري يحرم الشعب العراقي من عائدات النفط، ويتعين على الشركات العالمية التعامل معه بفعل أفضل ما في وسعها. “إذا كان العراق يريد أن ينجح في العقود القادمة، فسيتعين عليه جذب شركات النفط الكبرى والاحتفاظ بها، لأنهم هم من يمتلكون المعرفة التقنية” يقول المهندس واكر.

ويضيف موضحا: “يصل البعض داخل حقيبة الاتفاقيات الدبلوماسية واسعة النطاق، مثل توتال وعقدها الأخير بقيمة 27 مليار دولار. لكن بدون الإرادة القوية للدولة الفرنسية، لست متأكداً من أن توتال قد تستثمر مثل هذه المبالغ في مثل هذا البلد الذي لا يمكن التنبؤ به”، مشيرا إلى عدد من الشركات الكبرى المتنافسة التي غادرت العراق مؤخراً، بسبب المشاكل الربحية والتحول نحو الطاقات المتجددة.

وظيفة عامة متضخمة

إذا لم يقض الفساد على صناعة النفط العراقية، فإن قضية المناخ قد تنهي المهمة قريبا. وتذكرنا الخطوط السوداء الضخمة التي تلون السماء حول البصرة، والقادمة من التوهجات بالنهار والليل، بأنه مع اقتراب نهاية عصر الوقود الأحفوري، أصبح العراق في الجانب الخطأ من التاريخ. ويوضح علي علاوي قائلا: “سوف يعمل مزيج الطاقة العالمي (هو توزيع مصادر الطاقة الأولية المختلفة المستهلكة في منطقة جغرافية معينة) ضدنا قريبا، وهذا هو بالضبط سبب زيادة الإنتاج. نحن بحاجة إلى الموارد لتنويع الاقتصاد قبل فوات الأوان”.

فهل يستطيع العراق “فطام نفسه” عن الهيدروكربونات؟ لا شيء مؤكد، حيث يعاني اقتصاده من خلل واضح. وفي التنافس مع وظيفة عامة عملاقة ذات امتيازات باهظة، مثقلة بغياب سيادة القانون ويعوقها ارتفاع قيمة العملة لفترة طويلة ونظام مصرفي جائع، يبدو القطاع الخاص العراقي بعيدا عن القدرة على تولي زمام الأمور.

لقد كان العراق في يوم من الأيام أحد أكثر الدول تقدما في العالم العربي، ويقدر الآن أن حوالي ثلث سكان العراق من الفقراء، ولا يكاد يتفوق على اليمن وسوريا في ترتيب التنمية البشرية.

فبعد أن قوضه الفقر وانقسامه المنهجي في عهد صدام حسين، وجد المجتمع العراقي تدريجيا ملاذا في الطائفية التي بلغت ذروتها خلال الحرب المروعة في 2006-2008. وقتل في ذلك الوقت ما يقارب من 70 ألف مواطن، فيما انقسم السنة والشيعة إلى أحياء منفصلة. وإذا هدأ الاستياء إلى حد كبير منذ ذلك الحين، فإن الجسم الاجتماعي يحتفظ بردود فعل معينة للهوية تغذيها بخبث طبقة سياسية حولت الخصومات الدينية إلى إيرادات انتخابية.

ليس بعيدا عن مدارج مطار بغداد الدولي، يسود إياد الجبوري، زعيم عشائري ونائب سابق، على دائرة انتخابية ريفية ذات أغلبية سنية.

السياسي المحصن في مسكن فخم صاخب ومحاط بالعشرات من أتباعه، هو في ذات الوقت موزع للمعدات الزراعية. “يمكن للسكان المحليين استعارة جرار مني وقتما يريدون”، يقول الجبوري وسط حوالي خمسين آلة لامعة ومصفوفة بدقة في مستودعاته.

فهل هذه طريقة لشراء ولاء مريديه؟ ينكر الرجل ويفضل اتهام الشيعة بزعزعة استقرار معاقل السنة، فيقول: “الشيعة يسيطرون على الدولة ويستولون على الموارد لشراء الأصوات من المناطق السنية. هم الآن سادة البلاد، لكنهم منقسمون ويبدأون في تمزيق بعضهم البعض من خلال الفصائل المتصارعة”.

وفي اليوم نفسه، احتشد بضعة آلاف من رجال المليشيات الشيعية احتجاجا على تزوير الانتخابات، وطالبوا بإعادة فرز الأصوات في الانتخابات التشريعية في 10 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، التي كانت كارثية لتشكيلاتهم الموالية لإيران ولكن لصالح مقتدى الصدر. لقد تمت سرقة الانتخابات”، يهتف علي محمد، 27 عاما، والذي وصل من البصرة ليلا. ويتابع قائلا: “الصدريون قاموا بالاحتيال، وعليهم أن ينسحبوا. نحن على استعداد لخوض المعركة إذا لزم الأمر”.

شارك المقالة ..,
Share on Facebook
Facebook
Tweet about this on Twitter
Twitter
Share on LinkedIn
Linkedin
Email this to someone
email
Print this page
Print
كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول صحافة غربية