الصراع على محافظة الأنبار: مَنْ يعرقل تحويل “ملاذ داعش” إلى مناطق خضراء؟

الصراع على محافظة الأنبار: مَنْ يعرقل تحويل “ملاذ داعش” إلى مناطق خضراء؟
أستمع للمادة

الصراع على محافظة الأنبار غربي العراق يتصاعد سياسيا واقتصاديا. إذ تتمتع هذه المحافظة بأهمية استراتيجية كبيرة، كون مساحتها تقدّر بثلث مساحة العراق، وتحاذي ثلاث دول، هي السعودية وسوريا والأردن، كما أن صحراءها، التي تعتبر الأكبر في المنطقة، متصلة بوادي حوران، الذي يمتد بين سوريا والأردن.

ووجهت جهات سياسية وشعبية، ومختصون في مجال الاقتصاد، دعوات بضرورة العمل على استثمار تلك الصحراء، عبر مشاريع زراعية، تساهم بتحقيق الاكتفاء الذاتي للبلد. إلا أن تلك المشاريع قد تصبح ميدانا لصراع إقليمي كبير على محافظة الأنبار.

وتتجه المملكة العربية السعودية إلى استثمار مليون هكتار من الأراضي العراقية، بهدف تحويلها إلى حقول ومزارع لتربية الأبقار والماشية والدواجن. في أكبر مشروع استثماري زراعي في العراق على الإطلاق، مستفيدة من تجارب شركاتها في هذا المجال.

وتكبّد القطاع الزراعي في محافظة الأنبار خسائر كبيرة، خلال فترة سيطرة تنظيم داعش، الذي وضع يده على الأراضي الزراعية والبساتين، وعطّل الحركة التجارية، وأجبر كثيرين على مغادرة منازلهم وحقولهم.

ومنذ إعلان النصر على تنظيم داعش يعمل العراق على إنعاش الإنتاج الزراعي في المناطق المحررة، ومنها الأنبار، وزيادة الإنتاج الوطني من المحاصيل الاستراتيجية كالقمح والشعير.

مشاريع تثير الصراع على محافظة الأنبار

وزارة التجارة العراقية قالت، في بيان سابق، إن “مجلس التنسيق العراقي السعودي يبحث في مسألة الاستثمار في مليون هكتار من الأراضي الزراعية في الأنبار، لتطوير وإعادة تأهيل القطاع الزراعي”.

وأكدت مديرية زراعة محافظة الأنبار، في بيان رسمي، أنه “على الرغم من أن مشروع استثمار الصحراء لم يقر بشكل رسمي حتى الآن، ولم توضع الخرائط على الأرض، إلا أنه سيسهم، إذا ما تم تنفيذه، بتحويل مساحات شاسعة من صحراء الأنبار إلى أراض خضراء”.

وبينت أن “المشروع إذا ما أوكل إلى شركات استثمارية، ذات خبرة عالية، ولها القدرة على إدارة ملف المياه بصورة صحيحة، قابل للتحقق والنجاح، لا سيما وأن تربة صحراء الأنبار تعد من الترب الخصبة الصالحة للزراعة”.

وتابعت أن “وزارة الزراعة تمكنت، في غضون عامين فقط، وبالتعاون مع مديرية زراعة الأنبار، من إعادة تأهيل خمسة وستين في المئة من الأراضي الزراعية المستصلحة”.

موضحة أن “بغداد يمكن أن تعزز دعمها للزراعة في الأنبار، بدعم الاستثمار الجديد، وتقديم التسهيلات للمستثمرين العرب والأجانب، لتنشيط الزراعة في المحافظة”.

وربما كانت هذه التصريحات الحكومية أحد أبرز أسباب تصاعد الصراع على محافظة الأنبار، إذا تحاول القوى الموالية لإيران ثني الحكومة العراقية عن المضي بتلك المشاريع.

من جانبه، اعتبر نعيم الكعود، وهو عضو سابق في مجلس محافظة الأنبار، أن “زراعة الأراضي الصحراوية، التي تمتد من الرمادي وحتى حدود البلاد، من شأنها أن تحولها من ملاذ آمن لداعش إلى مساحات خضراء، ذات مردود اقتصادي”.

لافتا، في حديثه لموقع “الحل نت”، أن “الأجهزة الأمنية قادرة على تأمين دخول المستثمرين إلى أي مكان في المحافظة وحماية استثماراتهم”.

وأضاف أن “مشروع زراعة الأراضي الصحراوية سيؤدي إلى تأمين فرص العمل لأكثر من خمسين ألف عامل، وهذا الأمر يساهم بتخفيف معدلات البطالة”.

ويستورد العراق ما يزيد عن خمسة وسبعين في المئة من احتياجاته الغذائية، ما يشكل ضغطا كبيرا على ميزانية الدولة، التي تغطيها إيرادات بيع النفط. ولذلك فإن الصراع على محافظة الأنبار يساهم بعرقلة مشاريع تخفيف اعتماد البلد على الاستيراد.

إيران هي العائق الأكبر أمام استثمار الصحراء

وتعارض إيران، والفصائل والأحزاب الموالية لها في العراق، الاستثمار السعودي، وهو ما ينبئ بتصاعد الصراع على محافظة الأنبار.

الكاتب والمحلل السياسي خالد الفهداوي يقول إن “إيران والميليشيات الموالية لها هي العقبة الكبرى أمام استثمار صحراء محافظة الأنبار”.


مبينا، في حديثه لموقع “الحل نت”، أن “إيران أرسلت الميليشيات الموالية للاستقرار على الشريط الحدودي مع المملكة العربية السعودية، لمنع دخول الشركات السعودية واستثمار الصحراء”.

وأكد أن “المشروع كان سيعود بالفائدة الكبرى على العراق من الناحية الاقتصادية، فضلا عن أنه ينهي سيطرة تنظيم داعش، وتواجده في صحراء المحافظة، إضافة إلى تقليل العواصف الترابية وزراعة حزام أخضر، ولكن الصراع الإقليمي على محافظة الأنبار قد يمنع المشروع من رؤية النور”.

وتتواجد مجموعة من الفصائل المسلحة الموالية لإيران في محافظة الأنبار، وتحديدا في مناطق القائم والرطبة وعرعر، وهي من يمسك الملف الأمني في هذه المناطق، بالرغم من المطالبات المستمرة من عشائر المحافظة بانسحاب تلك الفصائل، وتسليم الملف الأمني للقوات العراقية الرسمية.

كما يسيطر تنظيم داعش على مساحات واسعة من صحراء وادي حوران بمحافظة الأنبار، وبحسب تقارير صحافية فإن هناك آلافا من عناصر التنظيم، يتدربون في تلك المنطقة، ويتخذونها مقرات لهم.

وعرضت الشركات الاستثمارية السعودية، المتخصصة بتربية المواشي والأبقار، على الحكومة العراقية فكرة استثمار أربعة ملايين دونم في الصحراء الغربية، الواقعة بين محافظات الأنبار وكربلاء والنجف، وصولا إلى بادية السماوة، بعقد يمتد إلى أكثر من خمسين سنة، لزراعة المحاصيل الزراعية وتربية الأبقار.

إلا أن عون ذياب، المستشار الفني لوزارة الموارد المائية العراقية، أكد في تصريح صحفي أن “كميات المياه الجوفية في الصحراء الغربية غير كافية لتمويل مشروع زراعي كبير، يسعى لاستصلاح أراض زراعية، تقدر بأربعة ملايين دونم، وفي فترة زمنية تمتد إلى نحو أكثر من خمسين سنة. ولكن بالإمكان الاستفادة من المياه المستدامة (الأمطار)، دون المساس بالمياه الجوفية”.

وتتخذ القوى الموالية لإيران من هذه التصريحات التقنية المحايدة مبررا لرفض مشاريع استثمار الصحراء. الأمر الذي يؤدي لتصاعد الصراع على محافظة الأنبار.

تنويع الاستثمار لتخفيف الصراع على الأنبار

الخبير الاقتصادي محمد جمال يقول إنه “من الممكن عرض المناطق الصحراوية للاستثمار العام، وعدم حصرها بالشركات السعودية فقط، لتجنب الدخول في الصراع على محافظة الانبار”.

ويضيف، في حديثه لموقع “الحل نت”، أن “شركات أوربية متخصصة بالألبان والمواشي أيضا يمكنها استثمار مساحة واسعة، وخاصة القرى التابعة لمحافظة الأنبار، القريبة من الحدود الأردنية”.

مؤكدا أن “شركات خليجية أخرى، مثل الشركات الإماراتية والقطرية، يمكنها استثمار جانب آخر من الصحراء، في مجال زراعة المحاصيل المختلفة، وخاصة الخضار والقمح والرز”.

وأوضح أن “العائق الأكبر في الوقت الحالي أمام استثمار المساحات الصحراوية هو الجانب الإيراني، والفصائل الموالية لطهران، التي تمنع دخول الشركات الأجنبية إلى المنطقة، في إطار الصراع على محافظة الأنبار”.

مقالات قد تهمك: الاستثمار السعودي في العراق: قوى سياسية تُحذّر من “الاستعمار الجديد”، والرياض تنتقد “عملاء إيران”

وتشهد محافظة الأنبار حاليا أوضاعا أمنية مستقرة، وطفرة في مشاريع الأعمار والبناء، الأمر الذي جدد مطالب استثمار صحراء المحافظة، لتكون فرصة لتشغيل الأيدي العاملة، وزيادة مستوى دخل المواطنين، وتحقيق الاكتفاء الذاتي من المحاصيل الزراعية.

وشهدت مدن العراق المختلفة تكرار العواصف الترابية بشكل شبه يومي، الأمر الذي يعزوه عديد من المختصين لقلة المساحات الخضراء، وعدم استثمار الصحراء الواسعة.

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير وتحقيقات