المساعدات الإنسانية في سوريا من “عبر الحدود” إلى “عبر الخطوط”.. ماذا تريد روسيا؟

المساعدات الإنسانية في سوريا من “عبر الحدود” إلى “عبر الخطوط”.. ماذا تريد روسيا؟
أستمع للمادة

عشية انعقاد جلسة مجلس الأمن الخاصة بتمديد آلية إدخال المساعدات الإنسانية إلى سوريا، مساء اليوم الخميس، قدمت روسيا مقترحها الخاص القاضي بتمديد الآلية لمدة 6 أشهر فقط بعكس مسودة المقترح الغربي الذي تقدمت به كل من النرويج وإيرلندا، والذي يطالب بتمديد آلية المساعدات عبر الحدود لعام كامل.

مسودة المقترح الروسي، تبرز فيها نقطة غاية في الأهمية وهي تكريس رؤيتها التي دعت لها منذ العام الماضي عبر تدعيم إدخال المساعدات الإنسانية إلى المناطق السورية “عبر الخطوط” وليس “عبر الحدود”، أي بمعنى زيادة حصر ما أمكن من مساعدات بيد دمشق خلال الـ6 أشهر المقبلة، دون وضوح ما ستحمله الفترة المقبلة فيما بعد ذلك، وإذا ما كانت روسيا ستحصر لاحقا جميع المساعدات “عبر الخطوط” أي كلها عبر دمشق، وبالتالي سيتم إغلاق معبر “باب الهوى” بعد 6 أشهر وفق التقديرات.

فما الذي تريده روسيا من هذه المناورة حاليا داخل مجلس الأمن، من خلال تمديد آلية إدخال المساعدات عبر الحدود لـ6 أشهر فقط، مع زيادة فعالية آلية “عبر الخطوط”، ليظهر في الوقت الحالي أن روسيا ذاهبة للدعوة لاحقا إلى إغلاق معبر “باب الهوى” وحصر كل المساعدات بيد دمشق، فما الذي تستفيده روسيا إذا أغلقت معبر “باب الهوى”.

مكاسب اقتصادية لموسكو

خلال السنوات القليلة الماضية وفي منتصف كل عام، يستأنف مجلس الأمن الدولي المفاوضات لتجديد قراره بالسماح لتمديد آلية إدخال المساعدات عبر الحدود إلى سوريا والتي أنشئت عام 2014، وكانت عبر تركيا والعراق  والأردن، لتقلص لاحقا إلى معبر “باب الهوى” في شمال البلاد، إذ تعتمد وكالات الأمم المتحدة على هذا التفويض للعمل في سوريا، وإدخال المساعدات من خلال المعابر الحدودية دون أن تقيدها الحكومة السورية، التي نادرا ما تسمح بوصول المساعدات إلى مناطق المعارضة بحسب تقارير حقوقية، بعد أن حصرت روسيا (حليفة دمشق) إدخال المساعدات عبر “باب الهوى” فقط بينما تدخل نسبة المساعدات الباقية “عبر الخطوط” أي من دمشق.

المفاوضات بحسب العضو السابق بإدارة التواصل العالمي في الأمم المتحدة، الدكتور عمر الهواري، أصبحت “نقطة متكررة في دراما الحرب السورية، في حين أن أعضاء المجلس يدعمون التفويض بشكل عام، فقد استخدمت روسيا بانتظام حق النقض الفيتو لتقليل عدد المعابر الحدودية التي يمكن لوكالات الأمم المتحدة استخدامها، لدرجة أن واحدا فقط، بات اليوم مفتوح حتى الآن وقبل التصويت”.

من ناحية أخرى، يُعد نظام إيصال المساعدات الذي استخدمته الأمم المتحدة منذ عام 2011 من أكبر الأنظمة وأكثرها تطورا، إذ تشرف الأمم المتحدة على مساعدات تتراوح بين 2 و4 مليارات دولار لسوريا كل عام، والتي تمر عبر مئات الوكالات الإنسانية والمنظمات غير الحكومية التي تتلقى تمويلا من مانحين غربيين في الغالب. ويعد هذا العمل أكثر أهمية من أي وقت مضى، حيث زاد عدد السوريين المحتاجين بنسبة 20 بالمئة منذ عام 2021، ليصبح المجموع الآن 14 مليون شخص.

وبحسب حديث الهواري لـ”الحل نت”، فإنه وبدون قرار من الأمم المتحدة، سيخسر مقدمو المساعدات التمويل، وسيضطر الكثيرون إلى الإغلاق، لأن قنوات الأمم المتحدة هي التمويل الضروري للمنظمات غير الحكومية السورية الأصغر، وتساعدهم أيضا على تجاوز بيروقراطية المنظمات المانحة. وتلعب الأمم المتحدة أيضا دورا مهما في النقل من خلال تسهيل شاحنات الإغاثة، وتتمتع بوصول فريد إلى البضائع بكميات كبيرة، “ما تسعى له روسيا، هو تحويل هذه المنظومة المتكاملة للعمل من خلالها، تنشيط اقتصادها من بوابة الدعم الإنساني في سوريا”.

الجدير ذكره، أن المساعدات الأممية تصل منذ عام 2014 للسوريين إما عبر الحدود من المعابر مع دول الجوار، أو عبر آلية “المساعدات عبر خطوط التماس”، وذلك بوصول المساعدات للمحتاجين من منطقة سيطرة إلى أخرى، وهي الآلية التي حاولت فيها الأمم المتحدة إيصال المساعدات للمناطق التي خرجت عن سيطرة دمشق، والتي فشلت في كل مرة بسبب رفض دمشق ووضعها للعراقيل.

انتصار مزيف

رؤية روسيا في لعبة لوي الأذرع، من وجهة نظر الهواري، أنه عند إغلاقها لمعبر “باب الهوى”، فإن السلطة والنفوذ والتحكم بالقرار السوري سيعود رسميا لها عبر الحكومة السورية، لتظهر أمام العالم أن المصالح التي تتنافس فيها مع الولايات المتحدة والدول الغربية التي فرضت عليها العقوبات، قد انتصرت فيها.

كما أن روسيا بحسب الهواري، تحاول إغلاق معبر “باب الهوى” وهو المعبر الوحيد المفتوح لإيصال المساعدات الإنسانية من تركيا إلى سوريا، واستخدامه ورقة مساومة مع القوى العالمية في حرب روسيا ضد أوكرانيا، إذ إن إغلاق معبر “باب الهوى” الحدودي مع تركيا سيجبر بالتأكيد آلاف الأشخاص على الفرار من سوريا، وسيؤدي ذلك إلى تفاقم أزمة اللاجئين في أوروبا، والشرق الأوسط التي تعتبر بالفعل أكبر أزمة في العالم منذ الحرب العالمية الثانية، وهذه بوابة للضغط على الأوروبيين وتركيا والولايات المتحدة.

أما الباحث في مركز “جسور” للدراسات، وائل علوان، يرى أن روسيا لن تذهب إلى “الفيتو”، ولن تذهب إلى تعطيل آلية دخول المساعدات عبر الحدود إلى سوريا، ليس لأن روسيا حريصة على الملف الإنساني وتخشى الكارثة الإنسانية.

ووفقا لما قاله علوان لـ”الحل نت”، فإن روسيا ستستغل وتستثمر الملفات السياسية التي تتعلق بدعم دمشق، لذا تبقي هذه الملفات الإنسانية كورقة ضغط بيدها، لتناور فيها، و تفاوض المجتمع الدولي ومن ضمنها مشاريع “التعافي المبكر” التي تتوقع روسيا أن توقف به الانهيار الحاصل في دمشق.

ووفقا لرؤية علوان، فإن موسكو تريد توسيع إدخال المساعدات عن طريق دمشق، “وهذا لن يكسب بالفيتو، لكن تستطيع أن تكسب ذلك من خلال المفاوضات بعد تمريرها للمشروع لستة أشهر فقط، وبعدها تريد العودة إلى المفاوضات والطمع بمكاسب إضافية بعد ستة أشهر”.

ومع اقتراب موعد تجديد قرار المساعدات عبر الحدود، أعادت روسيا إلى الواجهة مسألة “التعافي المبكر” كذريعة تتخذها الآن لرفضها القرار، وذلك لأن “الغرب لم يفِ بالتزاماته المكتوبة في القرار (2585)، بشأن إنشاء آلية تزويد سوريا بالأموال لبرامج (التعافي المبكر)، التي تم تخصيص 3 بالمئة فقط منها”، حسب قول المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة، فاسيلي نيبينزيا، في حزيران/يونيو الفائت.

تصويت مبكر

ساعات قليلة لجلسة مجلس الأمن، التي ستقرر مصير استمرار دخول المساعدات الإنسانية الأممية إلى مناطق شمال غرب سوريا عبر معبر “باب الهوى” الحدودي مع تركيا، إذ قالت وكالة “أسوشيتد برس”، أن روسيا اقترحت تعديلات على مشروع قرار، قدمته إيرلندا والنرويج، يسمح بمواصلة تسليم المساعدات الإنسانية عبر الحدود إلى سوريا لستة أشهر فقط.

ومن المقرر أن يصوت مجلس الأمن الدولي، اليوم الخميس، على تمديد تفويض القرار 2585، لمواصلة عمليات تسليم المساعدات الإنسانية إلى سوريا عبر الحدود. إذ سيؤدي الرفض الروسي لآلية إدخال المساعدات إلى مزيد من التوتر بين روسيا والعالم، وتحديدا مع تركيا التي لا تريد بالطبع إغلاق معبر “باب الهوى” أمام تدفق المساعدات الخارجية إلى مناطق نفوذها بالشمال.

وقالت الوكالة، إن روسيا وافقت على مواصلة تسليم المساعدات الإنسانية من تركيا إلى شمال غربي سوريا من معبر باب الهوى لمدة ستة أشهر، وليس سنة كما يسعى العديد من أعضاء مجلس الأمن وأكثر من 30 منظمة غير حكومية.

ووفق مسوّدة روسية اطلعت عليها “أسوشيتد برس”، اقترحت روسيا تعديلات على مشروع القرار الإيرلندي والنرويجي لتقليص الإطار الزمني لتسليم المساعدات الإنسانية عبر الحدود، ويدعو إلى زيادة الجهود لضمان تسليم المساعدات “بشكل كامل وآمن ودون عوائق عبر الخطوط” عبر خطوط الصراع داخل سوريا.

خلال الأشهر الماضية هددت روسيا في عديد المناسبات بوقف آلية دخول المساعدات إلى سوريا، وذلك عبر عرقلة تمديد الآلية في مجلس الأمن باستخدام “الفيتو”، إذ ترى موسكو أن دخول المساعدات إلى سوريا يجب أن يتم عبر حكومة دمشق، التي بدورها ستشرف على توزيع المساعدات على المناطق السورية بما فيها الخارجة عن سيطرة قواتها.

وتسعى موسكو لاستغلال ملف المساعدات الإنسانية، لابتزاز الأوروبيين والولايات المتحدة الأميركية، وكانت قد رفضت في المرات السابقة تمديد الآلية المعمول بها، قبل أن توافق مقابل الحصول على مكاسب سياسية أو في ملفات أخرى. ويرى محللون أن روسيا ستبدي تصلّبا أكثر هذه المرة لأن موقفها التفاوضي صعب بسبب تداعيات الغزو الروسي لأوكرانيا، وما أدى إليه من تصعيد الغرب للضغوط عليها، ما يجعل التنازلات التي ستطلبها هذه المرة كبيرة جدا، وقد تشمل الملف الأوكراني.

ووفقا لفريق “منسقو استجابة سوريا“، فإن أكثر من 4.3 مليون مدني بينهم مليون ونصف يعيشون في مخيمات شمال غرب سوريا، ينتظرون بصمت مصيرهم، ويترقبون “فيتو” روسيا الجديد في مجلس الأمن الدولي لإغلاق معبر باب الهوى أمام المساعدات الإنسانية.

وكان مجلس الأمن الدولي قرر، في تموز/يوليو 2021، تمديد آلية دخول المساعدات الإنسانية “عبر الحدود” إلى سوريا لمدة عام عن طريق معبر “باب الهوى”، لمدة ستة أشهر، تمدّد لستة أخرى بشرط نجاح إدخال المساعدات “عبر الخطوط”.

ويعني الوصول “عبر الخطوط” أن تدخل المساعدات من داخل سوريا (إلى جانب “باب الهوى” عبر الحدود أو بدونه)، وهو ما تطالب به روسيا.

وكانت روسيا هددت بمنع دخول المساعدات الإنسانية إلى شمال غربي سوريا عبر معبر “باب الهوى” الحدودي مع تركيا.

وصرح نائب المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة، دميتري بوليانسكي، في 24 من آذار/مارس الماضي، أن بلاده “لن تغض الطرف عن فشل الدول الغربية في الامتثال للقرار الخاص بالمساعدات الإنسانية عبر الحدود في سوريا”.

وتبنّى مجلس الأمن قرارا لأول مرة في عام 2014، يأذن بإيصال المساعدة إلى شمالي سوريا عبر أربعة معابر حدودية، من دون موافقة دمشق، لكن منذ عام 2020، اُستبعدت ثلاثة معابر من نطاق القرار، ما جعل “باب الهوى” المعبر الحدودي الوحيد المتبقي المصرّح به.

شاركها على ...
كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول أخبار سوريا المحلية