تقع مناطق سيطرة “هيئة تحرير الشام” في إدلب، شمالي غرب سوريا، تحت وطأة احتجاجات هائلة، وهي الاحتجاجات التي تطوق “الهيئة” منذ فترة ليست بالقليلة، غير أن الواقع يشير إلى تجاوز تلك الاحتجاجات بسياقها الجديد المتزامن مع محاولات التقارب التركي السوري مع حكومة دمشق، فكرة فرض أعباء أمنية لاستعادة الاستقرار والسيطرة، إلى سيناريوهات الوضع في المنطقة التي تبدو أمام مفترق طرق بعد الخرق الذي أحدثته المظاهرات والتي لا تبدو عفوية أو مجرد هبة شعبية مؤقتة وعرضية، إنما تعكس حوامل اجتماعية (واحتمالية انخراط فواعل آخرين) بامتداداتها العشائرية والدينية، تنفك عن ارتباطاتها أو حياديتها تجاه “الهيئة” وتتحرى حلحلة الوضع باتجاه تشكيل بدائل أو تقويض نفوذها وتصفية مصادر قوتها.
اللافت لدى “الهيئة” وكما سبق لكاتب السطور وأوضع في تقرير سابق، أن اعتمادها القوة الأمنية وبمنطق البطش فضلاً عن الموارد الاقتصادية، لن يعفيها من استحقاقات عديدة في إدلب تحتاج إلى مقاربة مختلفة غير تلك الإجراءات الشكلانية التي تقوم بها، مثل تدشين “ديوان/ هيئة المظالم”، وكذا تغيير في بعض المؤسسات من ناحية الاسم، أو استحداث قطاعات لتخفيف وطأة السمعة السيئة لسابقتها، وخلفيتها الأصولية الإسلامية المتشددة، وإضفاء الطابع المدني، مثل فكرة “حكومة الإنقاذ” و”الأمن العام” عوضاً عن “الجهاز الأمني”.
بالتالي، فإن مسار الانشقاقات داخل تنظيم أبو محمد الجولاني قد بدأ ولن ينتهي، بل ستشهد تصدعاته محطات جديدة، في ظل ضعف التماسك البنيوي والهيكلي أمام إغراءات المال والسلطة التي يحتكرها الجولاني وفئة محدودة من جناحه، كما أن الاحتجاجات في ظل بيئة تعاني من انحسار الوضع الاجتماعي وضعف البنى التحتية وسوء ظروفها المعيشية والاقتصادية سوف تشهد موجات متتابعة، بل من المرجح تصاعدها وتفلتها واحتدام المواجهة بعنف وعنف مضاد، خاصة مع استعمال الجهاز الأمني لـ”الهيئة” اليد الباطشة وتحريك ذراعه الأمنية، بداية من الاعتقال والتعذيب مروراً بالإخفاء القسري وحتى القتل بالرصاص.
تجدد التظاهرات ضد الجولاني
بحسب “المرصد السوري لحقوق الإنسان”، تشهد مدينة بنش بريف إدلب الشمالي، انتشاراً أمنياً واسعاً من قبل عناصر جهاز الأمن العام التابع لـ”هيئة تحرير الشام”، حيث انتشرت مدرعات عسكرية مدججة بالسلاح ورشاشات ثقيلة وسيارات مصفحة والعناصر داخل أحياء المدينة، لمنع خروج الأهالي في المظاهرة المناوئة لأبو محمد الجولاني. فيما تواصل العناصر الأمنية التابعة “الهيئة” انتهاكاتها بحق المدنيين والمشاركين في المظاهرات المناهضة لها ضمن مناطق سيطرتها.

وفي الـ 6 من تموز/ يوليو الجاري، اعتقل عناصر جهاز الأمن العام في مدينة بنش بريف إدلب الشمالي 11 شخصاً، وفق “المرصد السوري”، مقره لندن، وذلك على خلفية اتهام مخفر الشرطة، المتظاهرين باستهداف سيارة تابعة للمخفر وإصابة أحد عناصر الشرطة خلال مظاهرة شعبية غاضبة شارك فيها العشرات مطالبين برحيل أبو محمد الجولاني، متزعم “هيئة تحرير الشام.
كما سجلت في وقت سابق عدة مدن وبلدات في أرياف محافظة إدلب في الشمال السوري مظاهرات ضد “هيئة تحرير الشام” مطالبين بإسقاط زعيم “الهيئة” وفك الحصار الأمني عن مدينة بنش في ريف إدلب الشرقي، فيما خرجت مظاهرات في مدينة أعزاز شمالي محافظة حلب، رافضة للتقارب التركي مع الحكومة السورية.
التظاهرات في إدلب تكشف عن ميل حاد لدى الحوامل الاجتماعية المتملة من حكم “الهيئة”، باتجاه الإطاحة بالجولاني، والبحث عن بدائل للحكم، وطرح أفق سياسي إلى جانب الأجندة الحقوقية ورفع الأهداف المطلبية الفئوية، بداية من عزل مجلس الشورى وتشكل آخر جديد بقوام وهيكل مختلفين له تمثيل اجتماعي/ سياسي مختلف عن القائم والذي يخدم مصالح الفواعل بسلطة الأمر الواقع، وإنهاء الحصار الأمني عن بنش، ثم إنهاء ملف المعتقلين على خلفية اتهامات تتصل بآراءها المعارضة للهيئة وسياساتها.
ويقول “المرصد السوري” إن خروج المئات في مظاهرات شعبية غاضبة في عدة مدن وبلدات ضمن مناطق سيطرة “هيئة تحرير الشام” مطالبة بإسقاط أبو محمد الجولاني، متزعم “الهيئة”، للتأكيد على استمرار المظاهرات الشعبية والإصرار على المطالب بالإفراج عن المعتقلين وكف يد جهاز الأمن العام عن المناطق، واستقلالية القضاء والمؤسسات المدنية. وخرجت المظاهرات الجمعة الماضية في مدينة إدلب ومدينتي بنش وأريحا وبلدات قورقانيا وكللي ومخيمات دير حسان ومخيمات أطمة ومنطقة سهل الروج في ريف إدلب، ومدينة الأتارب وقرية الجينة في ريف حلب الغربي، مرددين هتافات مناوئة لهيئة تحرير الشام”، كما رفعوا لافتات تحمل إدانات مباشرة على ممارسات وسياسات “الهيئة”.
“البحث عن بديل للجولاني”
مطلع الشهر الجاري تموز/ يوليو، أعلنت “الهيئة” عن تدشين “ديوان المظالم”، وهي محاولة إجرائية وقائية بغرض تصدير رسالة للرأي العام أنها تسعى لامتصاص الغضب المجتمعي، والتحوط أكثر من الاحتجاجات المتصاعدة، غير أن استحداث هذا القطاع المعني افتراضاً بتلقي شكاوى وربما اقتراحات المواطنين، لم يسفر عن أي تهدئة بالشارع بل ما تزال تتنامى الاحتجاجات وتجد كافة الأسباب لتفجرها واستمرارها. كما قالت وزارة العدل في ما يعرف بـ “حكومة الإنقاذ”، التابعة للهيئة، إنها دشنت كذلك ما يعرف بـ”محكمة الجنايات” الثانية، لمراجعة الجرائم المرتبطة بالشأن الجنائي الأمني والبت فيها. وجاء القرار الأخير في غضون يومين من إنشاء “ديوان المظالم”.

إذاً، الحراك الشعبي الذي يطوق “الهيئة” ويفرض حصاراً ضدها يتجاوز فكرة الاحتجاج أو الهبة إلى اعتباره موجة ثورية، لديها رؤية مغايرة على نقيض سلطة الأمر الواقع، وكما تطرح مطالبها الفئوية الملحة، اجتماعية واقتصادية وأمنية وحقوقية، فإنها تبحث عن جسم سياسي/ اجتماعي من شرائح المجتمع، لتعديل الوضع القائم سواء من ناحية القمع المفتشي وسوء الوضع الأمني، أو تخفيف الأعباء الاقتصادية.
وإلى جانب فقدان “الهيئة” أي حاضنة أو حوامل مجتمعية، وانحسار أي شعبية، وتراجع إمكانية حدوث ترابطات مع المجتمع ووجهائه، ثمة مشكلة وجودية تهدد التنظيم في ظل الأزمات الهيكلية التي تكاد تطيح به، وتؤدي إلى انقسام حاد وصراع بين أجنحته خاصة مع فقدان بعضها النفوذ، كما هو الحال مع جناح الشرقية والذي لعب دوراً مهماً في تجسير العلاقة بين التنظيم وعشائر حلب بشرق سوريا. ومع تفكك ذلك الأخير، بدا التنظيم وعلى رأسه الجولاني يميل إلى معادلة الاقتصاد/ الأمن. إذ برز الانحياز لجناح بنش المعروف بقبضته الخشنة على المعابر والحقيبة المالية والقطاع الاقتصادي.
“الهيئة” تتحول لعبء على تركيا
إذاً، احتجاجات إدلب وما حولها ذات “طبيعة مركبة” يتداخل فيها السياسي بالاجتماعي والاقتصادي، وقد تلاقت مصالح أطراف عديدة للاحتجاج على سياسات الجولاني، والضغط على “الهيئة” لتغيير نمط تعاطيها مع السكان في إدلب، حسبما يوضح “مركز الإمارات للسياسات“، وقد كانت ممارسات “الهيئة” تجاه المعتقلين بمثابة الصاعق المفجر للانتفاضة ضدها، بعد خروج بعض المعتقلين وكشفهم عما يجري داخل السجون من تعذيب وتنكيل بالمعتقلين واختفاء بعضهم، في ظل وجود مئات المعتقلين من “فصائل المعارضة” والناشطين المدنيين وسجناء الرأي في سجون التنظيم وسط مخاوف من تصفيتهم.
غير أن للاحتجاجات أسباباً عميقة، فبالإضافة إلى التضييق على الحريات والتدخل الفج في سلوكيات السكان ومراقبتهم، تعيش المنطقة حالة من التدهور الاقتصادي بعد تراجع الدعم الدولي، وضعف البنية التحتية، ونقص الموارد الاقتصادية، وفرض “حكومة الإنقاذ”، التابعة للجولاني، ضرائب مرتفعة على البضائع التي تدخل إدلب، ما يسهم في رفع أسعارها، وفوق ذلك سيطرة “الهيئة” على المشاريع الاقتصادية واحتكار المجال الاقتصادي لصالح شخصيات في “الهيئة” دون إعطاء أي أهمية لتحسين الواقع المعيشي للسكان أو خلق فرص عمل لهم.
ويردف: “تكشف خريطة الفاعلين في الاحتجاجات عن تلاقي مصالح أطراف عديدة، بعضها يرغب في التخلص من حكم الهيئة نهائياً، وهي الشريحة الأوسع التي تضم الناشطين المدنيين لكنها الأقل فعالية، ويجاري هذه الشريحة حزب التحرير الإسلامي الذي اعتقلت الهيئة أعداداً كبيرة من عناصره، لكنه أيضاً ضعيف وليس لديه قوة عسكرية، ولهذا السبب تركته الهيئة ينشط في مناطقها، يضاف إلى هذه الشريحة عناصر من الفصائل المسلحة وعائلاتهم. وتضم الشريحة الثانية عسكريين من الهيئة غير راضين عن سياسات الجهاز الأمني وجناح بنش، وعناصر موالين لقيادات أبعدهم الجولاني عن مراكز القرار وشرعيين سابقين. وتختلف مطالب هؤلاء عن الشريحة الأولى، إذ يطالبون بحصول إصلاحات داخل الهيئة أو إزاحة الجولاني والإبقاء على هياكل الهيئة، أو يسعون للضغط على الجولاني من أجل إعادتهم إلى مواقعهم في هياكل الهيئة، وقد أضيف إلى هؤلاء عناصر من جناح بنش بعد إفراج الجولاني عن أبو ماريا القحطاني، حيث يطالبون بإسقاط الجولاني وتعيين قيادة جديدة للهيئة”.
وترجح أن أي تغيير ملحوظ في الوضع بإدلب قد يؤثر في ميزان القوى بأكمله في شمال سوريا، ففي حال ضعفت “هيئة تحرير الشام” ولم تستطع ضبط الأمور، فستتحول إلى عبء على تركيا التي تحميها، ما ستتحول إلى فرصة وذريعة جيدة لروسيا والحكومة السورية وإيران لتصعيد الأوضاع في إدلب والسعي للحصول على صفقة أفضل مما هو قائم حالياً. وتنتظر السلطة الحاكمة في دمشق مثل هذه الفرصة بفارغ الصبر. أما روسيا فقد تدعم التصعيد للضغط على تركيا، والتي تشهد علاقاتها تحسناً بالولايات المتحدة. وإذا ما تماشت إيران أيضاً مع روسيا والحكومة السورية، فإن احتمالية التصعيد ستزداد.

