بشكل واسع؛ انتشرت مؤخرا الزراعات الاستوائية في مناطق الساحل السوري، وشهدت الأسواق السورية انتشارا لعدة أنواع من الفاكهة الاستوائية في المحال التجارية والبسطات، وذلك بعد أن كان بيعها محصورا بالمولات وبعض المحال بسبب غلاء أسعارها.
المزارعون في الساحل، اتجهوا إلى زراعة هذه الأنواع، بسبب مردودها المادي المرتفع، مقارنة بالخضار والحمضيات، وذلك في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج، سيما وأن الفواكه الاستوائية تتميز بقيمة غذائية عالية لوفرة المعادن والفيتامينات فيها.
مشاكل مزمنة في الزراعة السورية
جاء ذلك في وقت يعاني فيه قطاع الزراعة في سوريا، منذ سنوات، من واقع سيء، حيث ما تزال المعضلات تتفاقم دون إمكانية على حل المشكلات، سواء بفعل الأوضاع الاقتصادية المتدهورة ككل، أو ضيق المساحات المزروعة في مناطق سيطرة حكومة دمشق.
رويدة النهار، مديرة السلامة البيئية في وزارة الإدارة المحلية والبيئة، قالت في تصريحات صحفية، مؤخرا، إن من أبرز المصاعب التي تواجه التنمية في سوريا لا سيما الزراعية منها، تتمثل بظاهرة الجفاف، “يمكن رؤية تأثير الجفاف في كل النشاطات، خاصة الزراعية والاقتصادية والاجتماعية بدرجات مختلفة”.
مشيرة إلى أن سوريا تتعرض في الوقت الحالي لأسوأ موجة جفاف منذ سبعين عاما نتيجة انحباس الأمطار في معظم المناطق، في مقدمتها المناطق الساحلية التي عادة ما كانت تتعرض للعواصف المطرية. إضافة إلى موجات الحر العالية في بعض مناطق سوريا، وبالتالي لحق الضرر بالمحاصيل والمزارعين.
المهندس الزراعي، سام خضير، أشار خلال تصريحات لـ”الحل نت” متحدثا حول واقع الزراعة السورية بالعموم وتأثيره على إنتاج محصول القمح، إلى عدم وجود “موارد زراعية كافية، سواء من حيث البذور الهجينة، المغذيات، الأسمدة، المبيدات، الأدوية البيطرية، معدات التصنيع، قطع التبديل، آلات زراعية، بخاصة وأن كل ما سبق يحتاج إلى عملة صعبة لاستيرادها أو الحصول عليها، وهذا لا يمكن في ظل خزينة دولة شبه فارغة من العملة الصعبة.
يضاف إلى ذلك بأن المساحات الزراعية حاليا في سوريا هي مساحات صغيرة جدا. وبنيتها التحتية هشة وبحاجة إلى صيانة من قنوات الري والصرف، وصولا إلى استصلاح الأراضي الموبوءة بمخلفات الحرب. والمحاصيل الاستراتيجية يتم زراعة أغلبها خارج مناطق سيطرة حكومة دمشق.
تبرز أيضا أزمة المحروقات والمياه، فمع موجة الجفاف التي تضرب سوريا فضلا عن طبيعة طقسها الجاف، فقد زاد الاعتماد على الآبار بالسقاية ما يتطلب كهرباء (أي وقود) وهو أمر مكلف في حال توفره، حيث تشكل الأراضي المروية 0.73 مليون هكتار من أصل 1.68 مليون هكتار مزروع أي ما نسبته 43 بالمئة وباقي النسبة 0.96 مليون هكتار بعلية أي 57 بالمئة وقد انخفضت نسب الأمطار هذا الموسم بمقدار 43 بالمئة، ويشكل ما نسبته 70 بالمئة من إنتاج القمح من الأراضي المروية.
أسعار ملتهبة
في سياق الزراعات الاستوائية في سوريا وانتشارها الحالي، فإن ما يجب الإشارة إليه هو أن هذه الفاكهة يتم بيع معظم أنواعها بالحبة، حيث يبلغ سعر الحبة الواحدة من فاكهة البابايا حوالي الـ 8000 ليرة سورية، وسعر حبة الدراغون الاستوائية 6000 ليرة سورية، وسعر كيلو من المانغا 16000 ليرة سورية، أما سعر حبة المانغا المصرية 6000 ليرة سورية، وسعر حبة فاكهة الشوكولا الاستوائية 6000 ليرة سورية، بينما سعر حبة القشطة 6000 ليرة سورية، وتختلف الأسعار حسب الجودة والوزن.
يذكر أن المواطنين في عداء مطلق مع الفاكهة في هذه الأيام، بعد أن ارتفعت أسعارها إلى أرقام كبيرة، وضعف قدرتهم على شرائها ، رغم أنها في موسمها ويفترض أن تكون رخيصة أو ذات أسعار معقولة، فقد بلغ سعر كيلو التفاح الجيد نوعا ما 4500 ليرة، والدراق ما بين 4500-5500 ليرة حسب نوعه، والخوخ 4000 ليرة، والإجاص الجيد بـ3500 ليرة، والنوع الثاني بـ2500 ليرة، والعنب ما بين 2500-3500 ليرة، والتين تراوح سعر الكلغ ما بين 6000 إلى 7000 ليرة، والكرز النوع الأول 7000 ليرة والثاني بـ5500 ليرة، أما البطيخ الأحمر فالكيلو يباع ما بين 550 -650 ليرة، والبطيخ الأصفر تراوح سعر الكلغ ما بين 850 إلى 1000 ليرة للكيلو، والأسعار تختلف بين سوق وآخر.
معظم المزارعين السوريين منذ مطلع العام الحالي، يعانون من ارتفاعات متتالية لأسعار تكاليف الزراعة لمختلف المحاصيل، ما جعلهم يلجؤون إلى تسويق محاصيلهم عبر التجار والشركات المستقلة بعيدا عن الجهات الحكومية، التي تم تحييدها في ظل فشلها في إيجاد آلية ترضي المزارع وتراعي التكاليف.
الشراء من المزارعين يتم بعقود مسبقة يجري الآن بدون عقود مكتوبة بين أصحاب المراكز الزراعية وتجار أسواق الجملة، وفق آلية يتوجه المزارع بموجبها إلى أحد المراكز الزراعية الكبيرة سواء في سوق الجملة، أو في المدينة، فالمزارع ينقل إنتاجه إلى تاجر سوق الجملة عند الحصاد، لبيعه بالأسعار الرائجة ويأخذ من القيمة نسبته، وقيمة المستلزمات، أو المديونية يتم تسديدها للمركز الزراعي ويعطي البقية للمزارع، أن الارتباط المعنوي بين المزارع والتاجر والمركز الزراعي، هو الذي يحدد العملية، وليس عقدا مكتوبا بينهم.
عجز مستمر
يشار إلى أن عجز الحكومة في القيام بهذا الدور، وذلك لأسباب متعددة أهمها، أن النظام المالي للشركات الحكومية لا يسمح بالشراء بهذا الشكل، هذا إذا تم تجاوز موضوع استدراج العروض، وعليه فـ”السورية للتجارة”، لا تستطيع الشراء من المزارعين بعقود مسبقة إلا بمبلغ محدد في العقد، فقد يرتفع سعر السوق ويرفض المزارع التسليم فيتحول الأمر إلى القضاء الذي يحتاج فترة طويلة ليقرر بها.
في حين حذر مزارعون في اللاذقية، ورئيس اتحاد الفلاحين في المحافظة أديب محفوض من كارثة زراعية قد يتعرض لها الموسم الزراعي نتيجة فقدان الأسمدة وارتفاع أسعارها، بعد رفع الدعم عنها من قبل حكومة دمشق.
ونقلت صحيفة “الوطن” المحلية عن مزارعين في قرى ريف اللاذقية أن “السماد بات مادة دسمة للسمسرة في السوق السوداء مع تفاوت سعر كل نوع من دون ضوابط لتسعيره خارج المصرف الزراعي، مطالبين بتوفيره عبر المصرف بالسعر المحدد رسمياً من دون دعم، أرحم من التعرض لابتزاز التجار في السوق”.
وقال أحد الفلاحين إن “رفع الدعم عن السماد أدى إلى تضاعف سعره في السوق السوداء، ليتراوح سعر الطن الواحد من مادة اليوريا بين 4 و6 ملايين ليرة في السوق السوداء، في حين حُدد في المصرف بسعر 2.4 مليون ليرة”.
وحذر مزارعون من مستقبل الزراعة في ظل الصعوبات والتعقيدات بآلية توفير مستلزمات هذه المهنة، متسائلين “هل يعقل أن ينجح القطاع الخاص في توفير جميع المواد والأسمدة في الصيدليات والمراكز الخاصة مقابل عجز حكومة عن تأمينها لقطاع تتغنى بأنه الداعم للاقتصاد الوطني”.
إلى ذلك بينت مصادر خاصة لـ”الحل نت” بأن الفروقات بأسعار الأسمدة باتت كبيرة، حيث كان سعر طن اليوريا قبل الحرب لا يتجاوز 200 ألف ليرة، ليصل اليوم إلى مليونين و400 ألف ليرة حسب التسعيرة الرسمية، أي بمعدل 10 أضعاف عن السابق، كما يزيد حوالي الضعفين في السوق السوداء حالياً، وكذلك الأمر بالنسبة لباقي الأنواع من الأسمدة.
وأضافت المصادر أن معظم تكاليف الإنتاج الزراعي تضاعفت 10 مرات، إلا مدخول المزارع، فلا يزال ضعيفا جدا”. الفلينة أيضا صارت عبئا، إذ ارتفع سعرها من 10 ليرات إلى ألفي ليرة، إضافة لتضاعف أجور الحراثة والنقل وغيرها.
وحذرت المصادر من كارثة حقيقية سيتعرض لها الموسم الزراعي في حال عدم توفير الأسمدة. مؤكدة أن بعض الفلاحين اقتلعوا الأشجار المثمرة من زيتون وحمضيات واستعاضوا عنها ببيوت بلاستيكية بسبب مشكلات المستلزمات الزراعية وعدم القدرة على التسويق.

