هجرة سوريّة مستمرة.. طرق متعددة من أجل طوق النجاة

هجرة سوريّة مستمرة.. طرق متعددة من أجل طوق النجاة
أستمع للمادة

الهجرة أو الخروج من سوريا إلى أي مكان آخر، هو الحلم الذي يراود كثير من السوريين الآن، دون النظر إلى النتائج، أو إلى الطريق الذي سيسلكونه للوصول إلى الأمان المنشود في أوروبا أو غيرها، ولسان حالهم يقول “الوضع بات فوق الاحتمال، يجب أن نخرج مهما كان الثمن”.

ورغم عودة حوادث الغرق في الآونة الأخيرة وموت العديد من السوريين المهاجرين، إلا أن ذلك لم يمنع الآلاف من التحضر لسلوك طرق مختلفة، ولم تعد الهجرة تقتصر على السوريين في سوريا، فحتى أولئك الذين يعيشون في دول الجوار باتوا يسلكون ذات الطريق بحثا عن استقرار يكاد يكون مفقودا، منهم من يتبع طريق البحر، ومنهم من يسافر جورا لدول قريبة من أوروبا ليكمل من هناك بطرق التهريب البرية، واضعين في سبيل هذا الهدف كل ما ادخروه في حياتهم، أو من خلال بيع منازلهم وعقاراتهم.

لكل منطقة سورية وجهتها البحرية للموت

خلال الأشهر الأخيرة، بدأ الآلاف من السوريين بالخروج في طريق الهجرة، والتي لم تعد تقتصر على المناطق المعارضة لحكومة دمشق كما في السابق، بل شملت أولئك الذي كانوا حتى الأمس يؤيدون حكومة دمشق بشكل مطلق، بعد أن وجدوا أنهم وقعوا في فخ الفقر والتضحية دون طائل.

ولكن تختلف وجهات كل منطقة في سوريا في الشاطىء الذي سينطلقون منه إما إلى النجاة أو الموت، ولكن البحر المتوسط يجمعهم جميعا.

قارب يحمل لاجئين سوريين لحظة وصوله الشواطىء القبرصية “وكالات”

وسط سوريا ومدنها الساحلية، تلجأ إلى الشواطىء اللبنانية من عكار وغيرها للتوجه نحو قبرص واليونان، فهي أقرب جغرافيا وأقل كلفة من السفر إلى ليبيا بالنظر إلى الفقر المدقع الذي خلفته الحرب في هذه المناطق.

حمزة الأحمد من حمص يتجهز للرحيل هو الآخر عبر لبنان إلى قبرص، يروي الشاب العشريني لـ”الحل نت”، قائلا “لم يعد هناك أي شيء في سوريا يدعوني للبقاء، لقد تخرجت من الجامعة ولا يوجد أي عمل، وشبح الخدمة العسكرية يلاحقني، لقد باتت كل الطرق مسدودة هنا، ولم يبق إلا الهجرة ولافرق وصلت أم لا فنحن نعيش الموت في سوريا يوميا”.

ويضيف حمزة “ليس لدي القدرة للسفر إلى ليبيا، فأنا أحتاج لاستخراج جواز سفر مستعجل وتكلفته تتجاوز 1000 دولار، وبطاقة طائرة أيضا، وهذه المصاريف كفيلة بأن تساعدني بالخروج بأحد القوارب من لبنان إلى قبرص ولا يهم ما يحدث بعد ذلك”.

أما أبناء درعا، فلهم وجهتهم أيضا، حيث يفضلون السفر إلى ليبيا ومنها التوجه نحو إيطاليا أيضا عبر البحر، فتدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية في المحافظة دفعت المئات منهم لمغادرة مدنهم وبلداتهم وبتسهيلات من حكومة دمشق على الرغم من وجود مطلوبين لها من بينهم.

نبيل عواد، ثلاثيني من مدينة نوى، التي تشهد أكبر موجة هجرة في درعا، يتحدث إلى “الحل نت”، قائلا “لقد أصبحت درعا عبارة عن مكان يعج بالفوضى والاغتيالات والاعتقالات، وفوق كل ذلك نعاني من الضيق الاقتصادي نتيجة تدهور الاقتصاد السوري بشكل عام، ومن أجل تأمين تكاليف السفر باع والدي قطعة أرض وأعطاني ثمنها، ولولا ذلك فليس هناك إمكانية للخروج”.

مصدر مطلع في درعا، يؤكد لـ”الحل نت”، أن هناك نحو 40 ألف شخص من المحافظة بينهم عائلات، ونساء، وعائلات ترسل أطفالها تتجهز للسفر إلى ليبيا من أجل الخروج منها إلى أوروبا.

ويضيف المصدر، هناك بيع للمنازل والعقارات والمنازل بشكل غير مسبوق، مبينا أنه من بين كل 10 منازل هناك 4 معروضة للبيع، والكثير من المزارع، مبينا أن معظمها يتم شراؤه عبر مكاتب عقارية بعضها في دمشق وبأسعار مرتفعة.

إقرأ:وفاة الشباب السوري في بلادهم ودول اللجوء.. تعددت الأشكال والمأساة واحدة

روسيا ممر للعبور نحو أوروبا

لا تقتصر عمليات الهجرة للسوريين على من يعيشون داخل سوريا، فحتى أولئك اللاجئين في دول الجوار باتوا يسعون للخروج نحو أوروبا بحثا عن استقرار، وساهم في تنامي هذه الفكرة تراجع الدعم المقدم للاجئين من جهة، وتردي الأوضاع في سوريا بشكل جعلهم يفضلون عدم العودة إليها، أما بالنسبة للطرق التي يسلكونها، فهناك من يسافر إلى ليبيا كما البقية، أما من كانت حالته المادية تسمح له فيسافر إلى روسيا أو صربيا بواسطة فيزا سياحية ليتابع من هذه الدول برا إلى أوروبا.

عمر إبراهيم، شاب من محافظة حماة كان يعيش مع عائلته في مخيم الزعتري للاجئين السوريين في الأردن، تخرج قبل عامين من كلية الآداب في إحدى الجامعات الأردنية، ولكنه لم يجد عملا، وعلى الرغم من أنه تزوج قبل عام، إلا أنه وجد من الأفضل أن يهاجر إلى أوروبا ثم يقوم بلم شمل زوجته بعد أن تستقر أموره.

خفر السواحل اليوناني خلال اعتراض قارب يحمل لاجئين “وكالات”

عمر يتحدث إلى “الحل نت”، “قبل نحو 3 أشهر بدأت بالتفكير جديا بالهجرة ومن أجل ذلك لدينا منزل في قريتنا، فباعه والدي عبر وسطاء، وبدأت بالسؤال حول الطرق الممكنة للسفر بعيدا عن البحر، حاولت البحث عن طريق أكثر أمانا، واستطعت الوصول إلى خيار جيد وهو السفر إلى روسيا ومنها إلى إحدى دول الاتحاد الأوروبي”.

ويتابع عمر”من خلال أحد مكاتب السفر قمت بتأمين فيزا سياحية إلى روسيا، وعبر نفس المكتب تمكنت من التواصل مع أحد المهربين الذي سألتقي به في بيلاروسيا، حيث سيقوم بنقلي إلى بولندا ومنها إلى ألمانيا، وتم تقدير التكلفة بشكل كامل بنحو 10 آلاف دولار، بعد أن كانت قبل نحو عام لا تزيد عن 4 آلاف دولار، ولكن تبقى هذه الطريقة أكثر أمانا من البحر”.

موت في طريق اللجوء

يوم أمس الخميس، غرق قارب يقل عشرات المهاجرين السوريين واللبنانيين والفلسطينيين في المياه الإقليمية السورية قبالة سواحل مدينة طرطوس، بعد أن خرج القارب من السواحل اللبنانية، وأسفر عن موت نحو 60 شخصا حتى الآن بينما نجا نحو 19 آخرين، في كارثة ليست الأولى من نوعها تحل بطالبي اللجوء.

في إطار مسلسل الموت الذي يطارد الشباب السوري من كل الجهات حتى وهم خارج دائرة الحرب بسوريا، توفي اللاجئ السوري الشاب عبد الكريم مطلب الزيدان؛ نتيجة الجوع والعطش والتعب الذي حل به، في إحدى غابات اليونان، أثناء محاولته اللجوء إلى دول أوروبا، بحسب متابعة “الحل نت”.

إلى ذلك توفي قبل نحو أسبوع، ستة أشخاص منحدرين من محافظة ديرالزور، بينهم أطفال جوعا أثناء فقدان سفينتهم في البحر لمدة أسبوع، يذكر أن القارب كان يحمل نحو 30 شخصا جلهم أطفال ونساء.

وباتت أخبار الوفيات في الغابات اليونانية والبلغارية أثناء رحلة الهجرة خبرا شبه اعتيادي على مواقع التواصل الاجتماعي، ومؤخرا توفي عدد من الشبان السوريين، بسبب الظروف القاسية التي يعيشونها خلال محاولتهم عبور حدود دول عدة، باتجاه دول أوروبا الغربية.

وقد ارتفع عدد المهاجرين السوريين عبر البحر المتوسط باتجاه إيطاليا، في الآونة الأخيرة، سواء من تركيا أو لبنان أو من سوريا، ما ضاعف عدد ضحايا الهجرة غير الشرعية في ظل تردي الأوضاع المعيشية والاقتصادية عموما.

وفي منتصف آب/أغسطس الفائت، توفي الشاب عمار خطاب، من قرية الخيالة بريف الرقة، أثناءَ التوجه إلى إحدى الدول الأوروبية خلال محاولته عبور غابات اليونان؛ جراء التعب.

كذلك، لقي الشاب علي فياض الدعاس، حتفه في مقدونيا؛ بعد تعرضه لضربة شمس، خلال رحلة عبوره لإحدى دول اللجوء، وينحدر الشاب من مدينة دير الزور شرقي سوريا، ويبلغ من العمر 31 عاما، حيث كان يقيم في إسطنبول قبل محاولته الهجرة.

قافلة النور

آلاف اللاجئين السوريين جهزوا أنفسهم في تركيا، للخروج منها باتجاه أوروبا، في قافلة سير جماعية ضمن حملة نُظّمت على وسائل التواصل الاجتماعي، وأطلقوا عليها اسم “قافلة النور”، ووفقا لقناة الحملة على تطبيق “تلغرام”، فقد تجاوز عدد المنضمين 40 ألف سوريا، حيث ستنطلق القافلة قريبا إلى أوروبا.

السوريون الذين يستعدون للخروج بالقافلة، دعوا المنظمات الإنسانية ووسائل الإعلام، لدعمهم ومساعدتهم لتسهيل عبور القافلة بشل آمن وإنساني نحو أوروبا، مرجعين انطلاق هذه الحملة على خلفية تدني الظروف الاقتصادية، والمعيشية للاجئين السوريين في تركيا، والعنصرية المستمرة ضدهم، إضافة لحملات الترحيل والقرارات التي تضيق على تواجدهم في البلاد، التي يرى بعضهم أنها ازدادت بعد تبني الحزب الحاكم في تركيا “العدالة والتنمية”، عملية عسكرية وإعادة العلاقات مع دمشق من أجل تنفيذ منطقة “آمنة” لإعادة اللاجئين من أراضيه.

لاجئون سوريون خلال عبورهم إحدى الغابات الأوروبية “وكالات”

وبحسب المسؤول الإعلامي لـ”قافلة النور”، فإن القائمين على الحملة مجموعة شباب سوريين، وقد بلغ عدد الأشخاص الذين تجهزوا للهجرة، نحو 100 ألف شخص، لكنه اعتذر عن تحديد موعد انطلاق القافلة لأسباب أمنية.

من جانبها، أعلنت السلطات اليونانية، حالة الاستنفار والتأهب القصوى للتصدي للمهاجرين، ولا سيما المشاركون بـ”قافلة النور”، حيث أكد وزير الهجرة اليونانية، نوتيس ميتاراكيس، أن القوات الأمنية في بلاده أخذت وضعية التأهب والاستعداد وخاصة في منطقة “إيفروس” الفاصلة بين اليونان وتركيا.

شعار “الهجرة أو الموت”، هو السائد حاليا لدى العديد من السوريين داخل تركيا بحسب ما ذكره العديد من الحقوقيين والناشطين، ذلك لأن الأتراك، الذين يواجهون وضعا اقتصاديا متدهورا مع ارتفاع معدلات التضخم وتراجع قيمة الليرة، وجّهوا استيائهم تجاه اللاجئين، وخاصة السوريين والأفغان، متهمين إياهم بسرقة الوظائف، وزيادة الإيجارات.

تقارير أممية وصفت الوضع بـ”لانهاية في الأفق”، وقالت المتحدثة باسم المفوضية، شابيا مانتو، إن العام الفائت شهد تسجيل حوالي 3 آلاف و231 حالة وفاة، أو فقدان في البحر المتوسط وشمال غربي المحيط الأطلسي، أما عام 2020 شهد ألف و881 حالة وفاة، وفي عام 2019 شهد تسجيل 1510 حالة وفاة، وأكثر من 2227 حالة وفاة عام 2018، بحسب “الحل نت”.

قد يهمك:هجرة غير شرعية لسوريين عن طريق لبنان

سوريا ومنذ العام 2012 تشهد أكبر موجة لجوء ونزوح في العصر الحديث، فقد تجاوز عدد اللاجئين في الخارج الـ 7 مليون لاجىء، فيما نزح أكثر من 8 ملايين سوريا داخل سوريا نتيجة للحرب والتدهور الاقتصادي.

شاركها على ...
كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول سوريا