الصين تلغي “صفر كوفيد”.. تفوق للاقتصاد على المجتمع؟

الصين تلغي “صفر كوفيد”.. تفوق للاقتصاد على المجتمع؟
أستمع للمادة

في الثامن من كانون الثاني/يناير 2023، أعادت الصين فتح حدودها أمام العالم الخارجي، لتُنهي بذلك ثلاث سنوات من الإغلاق المتواصل الذي طبقته ضمن سياسة “صفر كوفيد” الصارمة لمكافحة مرض فيروس “كورونا”، والتي ترتّب عليها تباطؤ الاقتصاد الصيني إلى أدنى معدل نمو له منذ ما يقرب من نصف قرن، فضلاً عن تباطؤ الاقتصاد العالمي، وتعطل سلاسل التوريد العالمية.

لكن في المقابل لا تزال تشهد منذ قرارها بالإلغاء التدريجي، ما يمكن وصفه بأنه “تسونامي كورونا”، إذ تتعرض لموجة جديدة غير مسبوقة من انتشار الوباء، سواء فيما يتصل بأعداد الإصابات أو الوفيات الناجمة عنها، أو بالنسبة لما أثارته من قلق ومخاوف من جانب المجتمع الدولي، الذي ما زال يعاني تداعيات “كوفيد-19”، بالرغم من فتح دوله لحدودها وتعايشها مع الجائحة.

فتح الحدود وإلغاء سياسة “صفر كوفيد” رغم انتشار المرض يطرح أسئلة حول الأسباب التي دعت الصين لاتخاذ هذه الخطوة، وآثار ذلك على الاقتصاد الصيني والعالمي، وهل سيؤدي القرار إلى تحسين الاقتصاد الصيني.

الأسباب التي دفعت الصين لإلغاء “صفر كوفيد”

الاقتصاد الصيني وعلى مدار السنوات الثلاث الماضية، تعرض لضغوط كبيرة نتيجة الإغلاقات المتكررة والحجر الصحي الذي شمل مدنا ومناطق بأكملها، إضافة للإغلاق أمام العالم الخارجي.

استمرار تفشي كورونا في الصين

لذلك وجدت الصين أنه يجب منح الأولوية لعملية استعادة النمو والانتعاش الاقتصادي على حساب الخسائر الاجتماعية المتوقّعة جراء السياسة الصينية الجديدة للتعامل مع الجائحة، والتي سيترتب عليها نتائج وتداعيات اجتماعية سوف تطول في المقام الأول الفئات الأكثر ضعفا في المجتمع الصيني، وبصفة خاصة كبار السن والنساء الحوامل والأطفال الصغار.

بناء على ذلك اتخذت السلطات الصينية قرارها بإنهاء سياسة “صفر كوفيد”، وإعادة فتح الحدود مع العالم، وهي خطوة ستكون لها تداعياتها على الاقتصاديَن الصيني والعالمي.

الدكتورة وفاء علي، الخبيرة في الاقتصاد والطاقة، ترى خلال حديثها لـ”الحل نت”، أنه لاشك أن حالة التصعيد المستمرة منذ بداية الأزمة الروسية الأوكرانية أثّرت بشكل كبير على كل مناحي الحياة والحالة الاقتصادية العالمية التي لم تفرّق بين دولة كبيرة ودولة صغيرة دولة نامية ودولة ناشئة وإنما كان الوضع كارثيا على الجميع.

إقرأ:هل خلقت الصين لنفسها فخًا من خلال الإقراض الإفريقي؟

 مع دخول العام 2023 حمل معه تداعيات الجائحة والحرب معا لنجد أزمة الصين التي فرضت سياسة “صفر كوفيد” من أجل النجاة أثرت بشكل كبير على حركة التجارة العالمية التي تمثل الصين فيها نسبة 28 بالمئة، ولذلك تراجعت الصين عن سياستها الوقائية لأنها تعتبر كلمة السر في تحريك الأسواق العالمية، فعودة الصين تعني عودة زيادة الطلب العالمي، وهذا ما سوف يتجلى أيضا في زيادة حركة الطيران والسفر وبالتالي زيادة الطلب في سوق الطاقة مما يعنى زيادة أسعار الطاقة في ظل شح المعروض وسوف تعوض الإخفاقات الاقتصادية بسبب “كوفيد-19” أي سوف تعمل العوامل الاقتصادية بدلا من العوامل السياسية، حسب علي.

آثار القرار على الاقتصاد الصيني والعالمي

بالنسبة للاقتصاد الصيني، من المتوقع أن تشهد الصين تسارعا في وتيرة التعافي الاقتصادي في النصف الأول من عام 2023، وهو الأمر الذي يرتبط بقيام المزيد من المصانع بزيادة الإنتاج وإعادة فتح الشركات، وارتفاع الطلب في الداخل، وتعافي الاستهلاك، إضافة إلى تخفيف القيود المفروضة على شراء المنازل وقروض الرهن العقاري. ويُتوقع أن يسجل نمو الناتج المحلي الإجمالي للصين نحو 5.5 بالمئة خلال عام 2023، حيث تعهدت الصين بتوسيع الإنفاق المالي بشكل مناسب، مع ضبط أدوات السياسة المالية، بما في ذلك العجز المالي والديون الخاصة، في إطار جهودها لتعزيز النمو الاقتصادي في البلاد.

أما بالنسبة للاقتصاد العالمي، فهناك العديد من الاعتبارات التي تجعل إعادة الصين فتح حدودها ذات تأثير إيجابي على الاقتصاد العالمي، حيث يعني رفع قيود “كوفيد-19” استئناف الأعمال التجارية الدولية، وإحياء السياحة والإنفاق الاستهلاكي، وعودة التبادلات الثقافية، وتقليل المخاوف من حدوث ركود عالمي في وقت تتباطأ فيه الاقتصادات المتقدمة نتيجة ارتفاع أسعار الفائدة وارتفاع تكاليف الطاقة، حيث تُعد الصين أكبر محرك للنمو الاقتصادي في العالم، إذ تمثل حوالي 30 بالمئة من النمو العالمي.

أيضا من المتوقع أن تسفر إعادة فتح الصين حدودها عن تفاقم مشاكل التضخم التي تعانيها الاقتصادات في جنوب آسيا، إحدى أفقر مناطق العالم، حيث ستؤدي إعادة فتح السوق الاستهلاكية في الصين إلى ارتفاع الطلب على السلع الأساسية، مما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار في جنوب آسيا.

في هذا السياق ترى علي، أن عودة الصين للاندماج مع الاقتصاد العالمي مرة أخرى، ستغير الكثير حيث يعاني  العالم بسبب تباطؤ النمو الاقتصادي وارتفاع التضخم ونقص الطاقة وتعطل سلاسل الإنتاج مما أثر على حركة الاستثمار عالميا، لذلك سوف يأخذ جرعة من التنفس مرة أخرى للعودة بعدما تسببت سياسة الإغلاق التام لمدة ثلاث سنوات حالة انكماش تاريخي للاقتصاد العالمي والصيني، خصوصا أسواق المال والعقارات وارتفاع البطالة عالميا لأرقام غير مسبوقة.

من هنا يمكن القول أن الصين عادت في الربع الثاني من العام الحالي للّحاق بركب النمو الاقتصادي، وذلك بعد الركود التضخمي والتصدع الذي حدث في النمو الاقتصادي وتقلص حجم التجارة الصينية للعالم بنسبة 8,7 بالمئة عن العام الماضي، حسب علي.

بكين والمجتمع الدولي

إنهاء الحزب “الشيوعي” الصيني للإغلاق والتخلي التدريجي عن إجراءات مكافحة جائحة “كورونا”، أثار قلق المجتمع الدولي، الذي اتخذت العديد من دوله إجراءات احترازية مشددة تجاه بكين، لحماية نفسها مما ترى أنه خطر قادم إليها من الصين، حيث فرضت بعض الدول قيودا على حركة السفر من الصين، كإجراء الاختبارات السلبية لـ”كوفيد-19″ وارتداء الأقنعة الواقية.

إلغاء سياسة صفر كوفيد في الصين

أيضا برزت مخاوف عالمية من ارتفاع حالات الإصابة والوفاة في الصين، فهناك توقعات بارتفاع أعداد الإصابات بفيروس “كوفيد-19” في الصين بشكل كبير، كما وجهت العديد من وسائل الإعلام الغربية انتقادات للصين على خلفية تطبيقها سياسة “صفر كوفيد” للتعامل مع الجائحة.

من جهتها أعربت واشنطن عن قلقها بشأن النهج الصيني في التصدي لـ”كوفيد-19″، كما رفضت تهديد بكين بالانتقام من الولايات المتحدة والدول الأخرى التي فرضت قيودا على المسافرين منها. وهو ما يشير إلى أن تباين استجابة كل من بكين وواشنطن تجاه التعامل مع الجائحة سوف يظل أحد عوامل التوتر في العلاقات الصينية الأميركية خلال العام الجاري.

كما بدا لافتا الموقف الألماني المتشدد تجاه الصين، فلم تكتف برلين بنصح مواطنيها بعدم السفر إلى الصين، بسبب وضع “كورونا” هناك، وإنما أعلنت أيضا أنها ستُصنّف الصين اعتبارا من التاسع من كانون الثاني/يناير الجاري كمنطقة خطر لمتحورات “كورونا”، علاوة على ضرورة إجراء المسافرين القادمين إلى ألمانيا من الصين اختبار إجباري لـ”كوفيد-19″، وهو ما يعكس ميل برلين نحو التمايز عن الموقف الأوروبي المتساهل نسبيا تجاه الصين من جهة، ومن جهة أخرى عدم اهتمام ألمانيا بما قد يترتب على هذا الموقف من توتر علاقاتها مع الصين، لا سيما في بُعدها الاقتصادي والتجاري.

وفاء علي، أشارت إلى أن الصين كانت قد أصدرت مراجعات شاملة لإجراءات “كوفيد-19” التي عطلت ثاني أكبر اقتصاد عالمي عن النمو المعتاد ولكن السؤال المهم، هل الصين مستعدة لإلغاء قيود “كوفيد-19″، الحقيقة أن الأمر مبهم ويثير التساؤل والمخاوف وزيادة الهواجس فيما يخص تطور متحور “كورونا” خصوصا عندما تتحول الصين إلى سياسة رد فعل للمتحور.

الصين وبعد ثلاث سنوات من الإغلاق والحظر الصحي وصلت إلى مفترق طرق صعب وذلك بالاختيار ما بين الاستمرار في تطبيق سياسة “صفر كوفيد” وما يعنيه ذلك من تواصل التراجع في أداء الاقتصاد الصيني، أو إلغاء هذه السياسة رغم ما سيترتب عليها من خسائر اجتماعية، وأخيرا قررت الصين اللجوء إلى تبني الخيار الثاني، ومنح الأولوية للاقتصاد على حساب المجتمع، أي أن ذلك سيكون مفيدا للاقتصادَين الصيني والعالمي، ولكن من الممكن أن يكون كارثيا من الناحية الصحية على المجتمع الصيني.

قد يهمك:مع تلاشي نجم الصين.. الهند تؤثر على صورة بكين كمصنّع عالمي؟

كلمات مفتاحية

المزيد من مقالات حول تقارير معمقة