ما زال العالم يدفع ثمن مغامرة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في حربه على أوكرانيا منذ شباط/فبراير من العام الماضي لغاية اليوم، إذ تدهور الاقتصاد العالمي بشكل كبير، وارتفع التضخم حتى صار المواطن في دول العالم الثالث يدفع الثمن، فكيف هو الحال مع المجتمع الروسي.
رغم ادعاءات الحكومة الروسية بأن حال اقتصادها أفضل مما قبل الحرب بعد الكم الهائل من العقوبات التي فرضت على روسيا من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، والتي تعتبر أكبر حزمة عقوبات تفرض بالتاريخ.
إلا أن المتجمع الروسي تأثر وبشكل كبير من هذه العقوبات التي تحاول موسكو إنكار ذلك بأي طريقة، نظرا لتحكم سلطات بوتين بجميع مؤسسات الإعلام، بعد حظر وسائل التواصل الاجتماعي وتحديدا “فيسبوك” و”تويتر” وذلك بعد عشرة أيام فقط الغزو الروسي على أوكرانيا. حتى بات المجتمع الروسي يتلقى المعلومات فقط من جهة واحدة وهي الوسائل الرسمية التابعة للدولة والخاضعة لقرارات الكرملين، كما أن المؤسسات الإعلامية الروسية التي لم تخضع لشروط الكرملين، تم إغلاقها ومنعها من النشر، ليتم محاصرة المجتمع الروسي وجعله مجتمعا منغلقا لا صوت له ليعترض، ولا جهة يتلقى منها المعلومات سوى التي يريدها بوتين.
الاقتصاد الروسي المحلي
في أول اجتماع حكومي في العام 2023، قال بوتين “إن الاقتصاد الروسي، وكذلك الأنظمة المالية والمصرفية في البلاد، في حال مستقرة”. إلا أن ذلك يخالف الواقع تماما بحسب الصحفي وديع الحايك، الذي أوضح في حديثه إلى “الحل نت“، بأن الاقتصاد الروسي “تأثر بشكل كبير ويمكننا ملاحظة ذلك”، وتعقيبا على كلمة بوتين حول استقرار الاقتصاد والأنظمة المالية والمصرفية، علق الحايك وهو المقيم في روسيا، “صدر قرار قبل أسبوعين من البنك المركزي الروسي يمنع بموجبه البنوك من بيع الدولار إلى المواطنين، علاوة على ذلك، فإن من لديه حساب بنكي بالدولار حتى لو من عشرة أو عشرين عام، لا يستطيع سحب أمواله بالدولار إنما بالروبل الروسي وبسعر صرف البنك المركزي، وهذا أكبر دليل على تأثر الاقتصاد”، وأضاف الحايك أن الروبل الروسي “ليس قويا كما يدعي بوتين وحكومته، سعر الدولار الواحد قبل الحرب كان بـ 75 روبل، ومع بداية الحرب وصل الدولار الواحد إلى 140 روبل، وحاليا الدولار الأميركي بـ 80 روبل روسي، إضافة إلى ارتفاع الأسعار، وهذا دليل على أن العملة ليست قوية، كما أنه لو كانت العملة قوية لما صدر من البنك المركزي قرار بمنع بيع الدولار”.
ونوه الحايك إلى تأثر قطاع العقارات بالحرب والعقوبات التي فرضت على روسيا “انخفضت أسعار العقارات بشكل كبير جدا، وذلك نتيجة ارتفاع نسبة العرض أكثر من الطلب، لكون الغالبية تعرض منازلها وعقاراتها للبيع من أجل الهروب من روسيا، وهذا التأثر شمل البيع والشراء وحتى منازل الأجرة، وهو ما شكل عبئا كبيرا على تجار العقارات أو المالكين، وتحديدا تلك الفئة التي تعتمد على تأجير منازلها لتأمين مصروفهم الشهري”.
إلى جانب العاصمة موسكو، تعد مدينة سان بطرسبرغ كثاني أكبر مدينة في روسيا وسادس أكبر مدينة في أوروبا. تأثرت المدينتان بشكل كبير بالعقوبات الغربية وذلك “نظرا لكونهما أكبر مدينتين بروسيا وهما اللتان يجتمع فيهما المثقفين والناشطين ورجال الأعمال والتجار وغيرهم” بحسب الحايك، مضيفاً بأن “باقي المدن الروسية لها طابع ريفي أكثر من الحضرية، كما أن المدينتين تأثرا على سبيل المثال من عدم توفر الأجهزة الإلكترونية الغربية إن كان على سبيل أجهزة الهاتف أو الكمبيوتر المحمول؛ وغيرها نتيجة العقوبات، وإن توفرت وذلك عن طريق طرف ثالث يقوم باستيرادها إلى روسيا، فأسعارها ارتفعت، أما باقي المدن لا تهتم لمثل هذه الأمور، ومع فقدان المنتجات الغربية من الأغذية فأيضاً هاتان المدينتان تأثرا بشكل كبير، أما باقي المدن كما أسلفت لها طابع ريفي وعلى سبيل المثال مع فقدان اللحوم الغربية، توجهوا إلى لحوم الخنازير لكونها أرخص لهم”.
السلع الصينية بديلا عن الغربية؟
مع بداية الحرب وفرض حلفاء أوكرانيا حزم متتالية من العقوبات على روسيا، وسحب الماركات العالمية من جميع الاختصاصات في الأسواق الروسية، بدأت البضائع الصينية تغزو الأسواق الروسية بديلا عن البضائع الغربية، إذ كانت موسكو تستورد البضائع من الصين بنسبة 23.6 بالمئة في بداية الحرب لترتفع إلى 41 بالمئة مع نهاية شهر آذار/مارس الماضي، وهو ما أكد عليه الحايك “البضائع الصينية كانت موجودة بالأسواق ولكن الآن بشكل أكبر، إلا أن الأسعار ازداد ارتفاعها. اليوم نجد البضائع الصينية منتشرة وعلى المثال ذاته بإمكاننا أن نقيس على باقي السلع الغذائية والتجارية وغيرها”.
في حين نوه الحايك إلى أن أرتفاع الأسعار في الكثير من الأحيان “لا يكون نتيجة فقدان السلعة من السوق، إنما بسبب جشع التجار الروس الذين يرفعون الأسعار بشكل كبير، أو يقومون بتخزين المواد في مستودعاتهم حتى تنفد من الأسواق وبعدها يقومون بطرح بضائعهم بالأسعار التي يريدونها”.
لربما أعتاد الشعب الروسي على التكيف مع الأزمات الاقتصادية، وأصبح لديه مناعة في ذلك نظرا لتاريخ روسيا الطويل مع الأزمات الاقتصادية والدور الروسي الإشكالي في عديد القضايا الدولية، إلا أن الغزو الروسي لأوكرانيا؛ كلما طال سيدفع بوتين ثمن ذلك مع الاستنزاف البشري والاقتصادي الكبير في حربه على أوكرانيا، كما أن استمرارية الحرب بهذا الشكل سيدفع بوتين إلى توجيه الدعم الحكومي بشكل أكبر للجيش وهو ما سيضغط على الميزانية العامة وارتفاع نسبة الفقر أكثر فأكثر. وبكل الأحوال فإن المستفيد الوحيد من هذه الحرب هو بوتين والطبقة الاقتصادية المحسوبة عليه التي تجني ثرواتها من قوت الشعب الروسي.

