ما أهمية مصادر الطاقة المصرية على استقرار المنطقة؟

الطاقة المصرية

منذ أن حققت مصر الاكتفاء الذاتي من الغاز الطبيعي أواخر عام 2018، سعت القاهرة لتطوير موقعها كمركز إقليمي للطاقة لتسييل الغاز وإعادة تصديره، وقد استطاعت فرض نفسها كأبرز منتج مصدّر الطاقة، وافتتحت العديد من المشاريع لتعزيز مكانتها الطاقوية في المنطقة والعالم.

الاكتشافات العديد في مصر بمجالات الطاقة، إضافة إلى تركيز الحكومة المصرية على دعم مشاريع الطاقة الأحفورية إلى جانب مشاريع الطاقة المتجددة، جعلت من مصر هدفا للعديد من الدول حول العالم، من أجل تعزيز العلاقات، لا سيما في ظل أزمة الطاقة التي يعيشها العالم وزادت بعد الغزو الروسي للأراضي الأوكرانية.

في ظل بحث الاتحاد الأوروبي عن مصادر جديدة للطاقة بعد وقف تدفق النفط الروسي، كانت مصر إحدى أهم مصادر الطاقة في الشرق الأوسط، الأمر الذي ساهم كذلك في سعي الولايات المتحدة إلى جعل العلاقات مع مصر أكثر متانة في محاولة لقطع الطريق على روسيا والصين، اللتان تسعيان إلى حرمان الدول الأوروبية من الحصول على بدائل للنفط الروسي.

مطامع روسية

روسيا والصين سعتا خلال السنوات الماضية إلى الاستحواذ على جزء كبير من قطاع الطاقة في الشرق الأوسط، وذلك للسيطرة على شبكات الكهرباء في المنطقة، وبالتالي ممارسة السلطة على البلدان التي تعتمد على تلك الطاقة، ما قد يؤثر على العلاقات بين الدول واستقرار المنطقة، كون أن أهداف الصين وروسيا تتمحور بشكل أساسي حول حرمان الدول الأوروبية من الطاقة.

لكن العلاقات الغربية الجيدة مع مصر، ساهمت في قطع الطريق على موسكو وبكين، خاصة بعد الإعلانين الغربيين الأخيرين عن الاكتشافات الجديدة الكبرى على الأراضي المصرين، حيث الإعلان الأول كان من قبل شركة “شيفرون” الأميركية، التي أعلنت أنه من المقرر أن ينطلق حفر أول بئر استكشافية للنفط والغاز الطبيعي في البحر الأحمر بمصر خلال النصف الأول من سنة 2024.

بحسب صحيفة “العرب”، فإن هذا الإعلان “بمثابة جزء من دفعة استراتيجية كبيرة تتبعها شيفرون والحكومة الأميركية، لضمان بقاء مصر حليفا رئيسيا في النظام العالمي الجديد لسوق النفط، وتلقت البلاد دفعة حيوية في 2019، عندما فازت شيفرون بأول جولة مناقصة مصرية دولية للتنقيب عن النفط والغاز في البحر الأحمر”.

استقرار العلاقات الغربية المصرية في ظل التصاعد الطاقوي في مصر، يصبّ في مصلحة أمن واستقرار المنطقة بحسب محللين، فإبقاء مصر خارج دائرة نفوذ الصين وروسيا، يعني قطع الطريق على المطامع الروسية خاصة، والتي تسعى لتحقيق أهداف قد تُشعل التوترات بين دول المنطقة والعديد من الدول حول العالم.

كذلك فإن مساعي الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة الأميركية لاستقرار علاقاتها مع مصر واستمرار مشاريعها المتعلقة بالطاقة، جاءت مدفوعة مؤخرا لتعويض التأثير الجزئي ربما للمملكة العربية السعودية، بعدما كان هناك ميلا جزئيا للرياض نحو محور الصين وروسيا، خصوصا فيما يتعلق بقضايا الطاقة والاقتصاد خلال تداعيات الغزو الروسي لأوكرانيا.

مصر قوة إقليمية؟

مديرة المركز الدولي للاستشارات الاقتصادية ودراسات الجدوى الاقتصادية الدكتورة هدى الملاح، رأت أن مصر أصبحت تتمتع بقوة إقليمية في الشرق الأوسط ضمن مجالات الطاقة، نتيجة العمل على المشاريع الطاقوية منذ سنوات، مشيرة إلى أن مكانة مصر مرشحة للتطور أكثر في ظل استمرار الاكتشافات والانتقال نحو مشاريع الطاقة المتجددة خلال السنوات القادمة.

الملاح قالت في حديث خاص مع “الحل نت”، “مصر بفضل بنيتها التحتية القوية، التي دعّمتها منذ الإصلاح الاقتصادي عام 2016، أصبحت تُعتبر قوة إقليمية في الشرق الأوسط في مجالات الطاقة. فأصبحت تمتلك محطات لتسييل الغاز، هذه المحطات تعمل على تصدير الغاز إلى الدول الأوروبية، خاصة بعد بدء الحرب الأوكرانية”.

في ظل التوجه العالمي إلى تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، والتوجه نحو الطاقة المتجددة فقد كانت لمصر أيضا بصمة في هذا المجال، حيث افتتحت العديد من المشاريع المتعلقة بإنتاج الطاقة النظيفة، آخرها إعلان الحكومية المصرية مطلع الشهر الجاري توقيع اتفاق مع شركة “سكاتك” النرويجية لإقامة محطة لطاقة الرياح غرب سوهاج باستثمارات 5 مليارات دولار.

بحسب بيان لمجلس الوزراء المصري، فإن القدرة الإنتاجية للمحطة ستبلغ 5 جيغا وات من الكهرباء سنويا. ويسهم المشروع في تحقيق هدف مصر بأن تشكل الطاقة المتجددة 42 بالمئة، من مزيج الطاقة في البلاد بحلول عام 2030.

حول ذلك أضافت الملاح، “العالم الآن يتحدث عن الطاقة المتجددة، ممكن خلال السنوات الماضية نشهد تراجعا كبيرا في الاعتماد على الطاقة البترولية من أجل التغيرات المناخية، في هذا الصدد مصر أنشأت مصانع في مواقع متعددة بينها العين السخنة لإنتاج الهيدروجين الأخضر من خلال التحليل الكهربائي لمياه البحار”.

مشاريع متقدمة

من وجهة نظر الملاح، فإن مصر وصلت إلى موقع متقدم من الوعي الطاقوي، خاصة من خلال مشاريع الطاقة المتجددة التي تعتمد على الرياح والشمس، إضافة إلى استمرار العمل على مشاريع تسييل الغاز وتصديره إلى الدول الأوروبية في ظل ارتفاع الطلب على الغاز عالميا.

إقليميا شهد العام الماضي إعلانا عن زيادة تعاون القاهرة وعمّان في مشاريع توصيل الغاز داخل الأردن بخبرات مصرية من خلال شركات قطاع البترول المتخصصة. وأُعلِن قبل ذلك عن موافقة العراق على إعادة تصدير النفط الخام من كركوك إلى مصفاة الزرقاء في الأردن.

مصرتنتج يوميا 58 ألف ميغاواط من الكهرباء، وفقا لبيانات رسمية، بينما يبلغ استهلاكها اليومي 33 ألف ميغاواط حسبما نقلت “وكالة أنباء العالم العربي”، وبلغت صادرات مصر من الكهرباء لأربع دول عربية هي الأردن والسودان وليبيا والسلطة الفلسطينية حوالي 71.5 مليون دولار في 2021، وفقا لبيانات رسمية.

مصر تصدرت بحسب رصد “غلوبال إنرجي مونينور”، قائمة أكثر الدول العربية توليدًا للكهرباء من طاقة الرياح بنحو 1641 ميغاواط، وتبلغ سعة محطات طاقة الرياح المتوقع تركيبها خلال السنوات المقبلة (المعلنة أو قيد الإنشاء أو في مرحلة ما قبل الإنشاء) في مصر نحو 19.683 جيغا واط.

كذلك فإنه وبحسب أرقام الحكومة المصرية، ارتفع إجمالي الكهرباء المولِّدة من مصادر الطاقة المتجددة خلال العام الماضي 2022 إلى 25.59 ألف جيجا واط/ساعة، مقابل 23.97 ألف جيجا واط/ساعة في 2021.

This picture taken on February 6, 2023 shows a view of Tibbin dual fuel (natural gas and fuel oil) powerplant and Helwan Steelworks, in the Helwan suburb south of Egypt’s capital. (Photo by Amir MAKAR / AFP)

الطاقة الشمسية وطاقة الرياح على وجه الخصوص، يُتوقع لها أن تكون المصدر الرئيسي للكهرباء في العالم بحلول العام 2025، وذلك عبر التخلص من الفحم حيث تسعى الدول إلى تقليل اعتمادها على الوقود الأحفوري (الفحم والنفط والغاز)، خصوصا بعد غزو روسيا لأوكرانيا.

وفق تقرير لـ “وكالة الطاقة الدولية”، فإن الطاقة المتجددة يُتوقع لها أن تضيف 2400 ميغاوات خلال الفترة بين العامين 2022 و2027، أي بما يساوي قدرة الطاقة الكهربائية الحالية في الصين.

هذا التقدم الذي حققته مصر في قطاع الطاقة خلال السنوات الماضية، سمح لها بالتأكيد إلى أخذ موقع هام لها على الساحة الإقليمية كونها أبرز مصادر الطاقة، كذلك فإن تأثيرها في أمن واستقرار المنطقة ارتفع بسبب علاقاتها مع مختلف الدول، فقطاع الطاقة أصبح له دورٌ هام في تطور الدول التي تسعى إلى تعزيز استخدامها منه، كما أصبح أحد أبرز أسباب تعزيز العلاقات بين الدول حول العالم.

محمد وسام

محمد وسام

صحفيٌ سوري عمل في عدد من وسائل الإعلام المحلية والعربية والدولية.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم