الوصايا – جائزة الحل للإبداع الصحفي

*تُنشر هذه المادة على موقع “الحل نت”، بعد فوزها بجائزة الحل للإبداع الصحفي – فئة القصة الصحفية (المركز الثاني) للكاتب السوري، عبدالله الحريري. (المادة خاصة بمؤسسة الحل ويحظر نشر أو اقتباس أي جزء منها قبل مراسلة المؤسسة وأخذ الإذن بذلك).


“أنا مثل عشرات من رفيقاتي الصبايا ورفاقي الشباب اللواتي والذين رحلوا؛ سأرحل عمّا قريب. لكن، في الوقت الحاضر عليّ أن أكمل بقية حياتي بأقل خسائر ممكنة”. هكذا كتبت فضيلة الشامي على صفحتها على “فيسبوك”، لكنها لا تعلن بذلك اقتراب الحافلة من المحطة الأخيرة، بل قرارها الذاتي بالنزول من الحافلة أخيراً.

هي لم تُرد، على حد تعبيرها، إلا أن تبني لنفسها عالماً مختلفاً تجد فيه قدراً كافياً من السعادة والحرية يليقان بها، ولم يكن الانتصار غايتها في يوم من الأيام، بل أرادت العيش بما توحي إليه الكلمة من بساطة وحق مشروع. كذلك تقول إن من حقها أن تهيئ لموت هادئ وبسيط مثلها، ولا ترى في ذلك حرجا عليها، فمن حق الجميع أن يقرروا شكل نهاياتهم.

فضيلة المتحدّرة من بنية اجتماعية متماسكة وصارمة بعاداتها الاجتماعية وضوابطها الدينية، وعلى وجه التحديد بما يخص زواج النساء، لم تُغفل الإشارات التي تنبئ بموقف مجتمعها من نهايتها، أي من موتها، فهي ليست الأولى التي تتحدى العادات والتقاليد وتذهب في خياراتها بعيداً لتحب وتتزوج بقرار حر مستقل؛ ففي نهاية 2022 توفيت الطبيبة السورية جوليا حسين في أمريكا، وهي ابنة الأمير فوزي الأطرش، وأول امرأة من مدينة السويداء تدرس الطب، إلا أن سيرتها كادت أن تمحى من ذاكرة جبل العرب بسبب زواجها من الطبيب لوثر حسين الذي أخذت منه كنيته بدلاً من الأطرش لتصبح جوليا حسين.

سمرة الحناوي، والدة جوليا، قابلت خبر زواجها من شخص “غريب” بموقف حاد لم يقبل المساومة، وأنشدت في ذلك قصيدة طويلة أصبحت جزءاً من التراث الشفوي لسكان جبل حوران ليس لقيمتها الفنية بقدر ما هي توثيق للمحرمات الاجتماعية والدينية. كتبت نجاة عبد الصمد عن القصيدة: “اللافت أن قصيدة سمرة الحناوي هذه لم تولد بسبب زواج سليم من قَبل أخته بامرأةٍ “أجنبية”، بينما فاض غضب الأم يوم زواج ابنتها حدّ أنها تمنت الموت لسليم:
(أسأل الباري بجازتك ما يهنيك.. وتبقى قرين السمر درج الأكفانِ)

ولم يرد اسم الابنة في القصيدة إلاّ مرة واحدة:
(لو تنطفي يا نار قلبي لطفّيك.. نهر جرى يا جوليا وما طفاني)
بينما ورد اسم سليم كثيراً وبحرقة وعتبٍ وغضبٍ أشدّ:
(اذكر يا سليم شو كنت أوصّيك.. بحياة أبوكم لا تضيّع الأمانة
لو تِنشَري يا كحل عيني لأشريك.. سليم تاجر بالدّوا ولا عطاني)

وكأن غضبها على ابنتها كان من الهول إلى الحدّ الذي حملها على أن تمحوَ وجود ابنتها من ذاكرتها، كـأنّ هذه البنت لم تكن. ليس غريباً عن أحدٍ أن أمهاتنا كنّ يفضلن الصبيان على البنات، وهنا لا يختلف الأمر عند الشاعرة، فمهما فعل الابن الذّكر، لن يموت رجاؤها فيه أو أملها من أن يعود إلى رشده ويتوب:
(ارجع لرشدك إن كان ربك بيهديك.. من تاب عند الله يلقى المكاني)

بينما لا شيء يمكن أن يمحو فعلة البنت، بل إنها تستحق أقصى العقاب الإنسانيّ، أن تُمحى من الذاكرة ومن حقّ الوجود”.

تزوجت فداء شاميّة (60 عاماً، مدبّرة منزل) قبل ثلاثين عاماً من شخص ينتمي لطائفة دينية مغايرة. لم تؤثر سنوات إقامة أهلها الطويلة في بلد غربي على موقفهم منها بعد الزواج، فكانت القطيعة سلاحهم للتبرؤ من فعلة ابنتهم التي لا تغتفر. فداء التي فرّت من بيت أهلها وهي حامل بالشهور الأولى تقرّ بأنها لم تحاول التواصل معهم قبل مرور أربع سنوات وذلك بسبب خوفها على نفسها وعلى ابنتها، كما أنها تدرك ما تعرض له أهلها من نبذ اجتماعي حتى من أقرب المقرّبين، وخصوصاً أمها التي حُمِّلت وزر سوء الخلفة وسوء التربية. بعد عشر سنوات انفصلت فداء عن زوجها وهي أم لابنة وابن، ما دفع أهلها للاستجابة للشخصيات الدينية والاجتماعية المعتبرة التي وسّطتها فداء لإصلاح علاقتها بهم. في تلك الليلة التي تجهّزت فيها لتنام في بيت أهلها بعد هذه السنين اختلَتْ أمها بها في إحدى الغرف وعرضت عليها جملة من الشروط التي لا مساومة عليها إذا ما أرادت أن تعود المياه إلى مجاريها، وكان على رأسها أن ترمي أولادها (المختلفين دينياً) في وجه أبيهم وأهله، وأن تتزوج بشخص من ذات ملّتها كانت قد اختارته لها الأم مسبقاً. رفضت فداء ذلك وخرجت بأبنائها بعد منتصف الليل ولم تنم في ذلك البيت أبداً حتى الآن.

تعبّر فداء بندم عن قسوتها مع أمها بعد هذه الواقعة، ومنه حين أخبرتها أمها هاتفياً عن موت صديق مقرب جداً لها فور خروجه من المعتقل عام 2013. كان رد فداء صادماً لها ولأمها: “لماذا يموت هو وأنت تعيشين؟”

بالعودة إلى طفولتها تبتهج فداء بالحديث عن علاقتها القوية بأمها حتى الخامسة عشر من عمرها، لكن صوتها يخبو شيئاً فشيئاً حتى تصل لمرحلة تقول فيها: “صرت أكره أمي”. بعد قليل تقول لعله ليس كرهاً، ربما عتب شديد. لم تكن حياة الأم جيدة مع زوجها الذي أخفى عنها زواجه الأول حتى اكتشفته صدفة وهي حامل في الشهر السابع ببكرها: فداء. وكان ضربه لها، ولبناتها لاحقاً، غير مستهجن، حتى أن الأم كانت تعلم بناتها أن كل الزوجات يُضربن هكذا. هذا دفع فداء للتعاطف مع أمها في المراحل الأولى، وقابلتها الأم بدعم مقابل لقراراتها بالحصول على الشهادة الإعدادية والعمل، وكانت تتحمل من أجل ذلك غضب الزوج الذي يعبر عنه بالضرب المبرح. بعد أن استدركت فداء تعليمها وبدأت مشوار العمل والنشاط السياسي، حاولت انتشال أمها وأخواتها من واقعهن الصعب، لكنها انتبهت شيئاً فشيئاً إلى أن أمها هي التي أوقفتها عن تعليمها واستغلتها كخادمة في المنزل حين اعتادت الإنجاب كنوع من التنافس مع القريبات والصديقات. هنا بدأ النفور يغلب على سلوك الابنة.

تقول فداء الآن، وقد أصبح أبطال الحكاية تحت التراب، إنها ورثت الكثير من صفات أمها، وأنها تحاول التخلص منها دائماً، وإنها تجنبت مع ابنتها أن تحاول السيطرة والتطويع، بل تركتها حرة بكل خياراتها حتى بشكل الميول والحياة الجنسية، فهي ليست إلا داعمة لها بكل ما تستطيع. وترى أن انفصال البنت عن أمها ضرورة حتمية للصحة النفسية وللاستقلالية، فهي لا تنكر تأثرها بواقعها الأسري في النصف الأول من حياتها، حتى أنها كانت تشعر بضرورة خدمتها لإخوتها الذكور بشكل خاص وبأفضليتهم، وتؤكد أنها لم تكن لتستطيع التعامل مع أولادها، وخصوصاً ابنتها، بهذا الشكل لو لم تنجُ من واقع بيت الأهل السام بشروطه القديمة.

لن يجد الباحث الكثير من الدراسات أو المقالات غير السريرية عن علاقة الأم بابنتها (أي العلاقة في الحالات الطبيعية وليس في الحالات المرضية أو ظروف الرعاية كالطفولة والشيخوخة)، على العكس تماماً من علاقة الأبوين بالأبناء الذكور. “إذ ينظر إلى العلاقات بين الأم وابنتها من افتراضات الأجيال السابقة: مزيج من وجهات النظر، سلبية في الغالب أو مثالية بشكل مفرط، حول النساء والأمهات وتأثيرهن السلبي المزعوم على بناتهن (وأبنائهن)”. وقد اختلفت مدارس التحليل النفسي (نطرح هنا التقليدية منها) في نظرتها لهذه العلاقة.

ولد فرويد عام 1856، وكبر كمثقف يهودي حين كانت معادة السامية (في فيينا على وجه الخصوص) في أوجها.

وكان الذكر اليهودي المختون مثالاً للحالة المعيبة، العاجزة، المنقوصة، وهو بذلك قرين الأنثى من حيث دونيتها جسدياً. حتى أن البظر كان يدعى بـ (اليهودي الصغير). من هذا الواقع يفسر ساندر جيلمان أساس نظرية فرويد لمبدأ (حسد القضيب) الذي يتنامى لدى الأنثى عند انتباهها لحالة التمايز (الأفضلية) الذكري عنها بالعضو التناسلي، مما يعطيه تفوقاً بيولوجياً ونفسياً فطرياً، فيصبح الحصول على قضيب حلماً لها تحققه بإنجاب الذكور. يرى جيلمان أن فرويد حين وضع كل الإناث مقابل كل الذكور، أوجد معادلة لا يكون فيها الذكر اليهودي دون الذكر الأوروبي الآري، بل هما سيان. أخذت هيلين دويتش عن فرويد نظريته وزادت عليها ضرورة انفصال البنت عن أمها لتنمو بشكل طبيعي: “إن حالة الطفولة النفسية الموجودة في العديد من النساء البالغات تمثل نتيجة ارتباط بالأم لم يتم حله خلال فترة ما قبل البلوغ”. لم تسمح الحالة الثقافية السائدة لوجهات النظر المخالفة بالظهور في تلك الفترة.

هاجمت الموجة النسوية الأولى نظرية فرويد والصورة المثالية للمرأة (الأم والزوجة) على أنهما سبب في تكريس القيم الاجتماعية التقليدية كالتضحية والعطاء المنوطين بالمرأة في كل أدوارها ومنها حياتها الجنسية، وإلقاء اللوم عليها ككائن ناقص مسبب لعيوب المجتمع وخصوصاً فيما يخص أبنائها (الإناث منهم على وجه التحديد). من هنا “كان الموقف النسوي المبكر الواسع الانتشار هو أن الأمهات عوامل اضطهاد بناتهن وأن أمومة المرأة ربما تكون السمة المركزية في إعادة إنتاج عدم المساواة بين الجنسين”. فعلى الرغم من انتقاد نانسي شودورو (عالمة اجتماع، عالمة أنثروبولوجيا، نسوية، محللة نفسية) لنظريات التحليل النفسي التقليدية، إلا أنها لم تتحرر منها بالكامل، بل اتفقت معها على أن للأنثى أنا عليا أقل صرامة وأكثر قدرة على التماهي مع الآخرين والاقتناع منهم، لكنها ركزت على فترة ما قبل أوديب في علاقة الابنة والأم، وبررت من خلالها شعور الذكور بالاستقلالية.

تقول مايا صبّاغ (أربعون عاماً، صحافية) إنها لم تحب كونها أنثى في طفولتها الباكرة، وحاولت تقليد الأطفال الذكور بتصرفاتهم وحتى باهتماماتهم فكانت تتهرب من نشاطات الغزل والنسيج المدرسية إلى الرسم. كما تضيف أنها لم تكن على علاقة ارتباط قوية مع أمها في فترة ما قبل المراهقة، حيث استعاضت عنها بعلاقتها القوية مع جدتها من أبيها، وهي إذ تبرر ذلك بالهروب من قواعد أمها الكثيرة حول سلوكها كابنة بكر في المنزل وضمن المحيط الاجتماعي الضيق، لكنها تشير أيضاً إلى موقف جدتها الناقد لأمها، وتقول إنها لم تنتبه لذلك حتى الرابعة عشر من عمرها حيث توطدت علاقتها بأمها واشتد الارتباط بينهما تدريجياً حتى الآن، أي بعد أكثر من عشرين عاماً. ولكن توطد علاقتها بأمها لم يحرفها عن ميلها إلى مجاراة عادات الصبيان أثناء مراهقتها، فكانت تفضل ارتداء الملابس الواسعة التي تخفي معالمها الأنثوية الآخذة بالظهور.

العادات والتقاليد لم تمنع الأم سلوى صبّاغ من التعبير عن شخصيتها وممارسة نشاطاتها وبناء علاقات اجتماعية قوية، لكنها التزمت بالضوابط العامة المفروضة على المرأة في مجتمعنا، على حد قول الابنة مايا. وقد دعمت الأم ابنتها منذ فترة مبكرة في مشوارها المهني لتحقق إنجازات مهمة، لكنها كانت حجر العثرة في طريقها العاطفي حين أحبت رجلاً من ملة أخرى. كان طلاق الأم الثمن المترتب في حال تكللت علاقة الابنة العاطفية بالنجاح. كانت هذه الحقيقة التي واجهت بها الأم حبيب ابنتها. لكن مايا لا تحمِّل أمها تبعية كل ذلك، بل تلوم الحبيب الذي فرّ من مساندة المرأة التي أحب. مشوار الخذلان هذا يأتي كالإرث في حياتها، وهي تتقبله وتحمله رغم معرفتها بكل نتائجه. وهي ترى الآن أن علاقتها بأمها علاقة مختلطة ما بين الأخوة والصداقة، وهذه العلاقة على درجة من القوة تكفي لتدفع مايا للاستمرار بها على الرغم من يقينها بضرورة الاستقلال عن أمها إذا ما أرادت أن تمضي بحياتها العاطفية قدماً، غير أنها توافق على تحمُّل كل التبعات المتوقعة من أجل المحافظة على الشخص الذي كان أكبر مصادر الأمان والدعم في حياتها، وكان، وما زال، يستحق فرصاً أفضل لحياة يعبّر فيها عن نفسه بشكل أكثر إرضاء، وهي أمها.

في تجربة أخرى، تقول سارة حدّاد (طبيبة، ثلاثون عاماً) إنها حاولت أن تقلّد زملاءها الذكور في المرحلة الابتدائية، فجربت أن تبول وهي واقفة، الحدث الذي تصفه بالكارثي، لم تولّد لديها هذه التجربة اهتماماً كبيراً بالاختلاف الشكلي بين الأعضاء التناسلية لدى الجنسين، حتى أنها لم تطّلع يقيناً على ذلك الاختلاف حتى نهاية مرحلة المراهقة، لكنها تجزم أن هذا الفارق البيولوجي لم يشعرها قط بتفوق الذكور أو أفضليتهم. وعن علاقتها بأمها في مرحلة ما قبل البلوغ فتقول إنها كانت الشخص الأقرب إليها من بين أفراد العائلة، لكنها ترددت عند وصف العلاقة بالقوية. وتَشخُص في ذاكرتها تجربة الحيض الأولى التي أرعبتها ظناً منها أن مرضاً خطيراً قد أصابها، لكن ابتسامة أمها تركت لديها أثراً سلبياً أكثر من أن يطمئنها؛ لعلها كانت بحاجة لأم تحضنها لا لأم تعلمها كيفية استخدام الفوط النسائية. تربط سارة بشكل ما بين عدم ثقتها بجسدها في مرحلة الدراسة الثانوية وبين أمها، لكنها لا تميل إلى وضع العلاقة مع الأم كسبب رئيس لعدم ثقة الابنة بجسدها أو حتى قابليتها للانصياع الجنسي. إذ تعطي الدور الأهم للعامل الذاتي، وتعلل ذلك بأن أختيها الأكبر منها سناً واللتين تعرضتا لضغوط عائلية أكثر منها لم تعانيا من مثل ذلك، ولعل إحداهما على الأقل مفرطة الثقة بجسدها.

تصف سارة حداد علاقتها بأمها بأنها علاقة رعاية من قبل الأم بابنتها، وتقول إنها ورثت من أمها مطواعية كبيرة وقدرة على المسايرة الاجتماعية، وقلة في الكلام أو إبداء الرأي، حتى في كثير من القضايا التي تخصها شخصياً، وحين تعبر عن رأيها فغالباً ما تعقبه نوبة بكاء أو فترة من الانكماش وعدم الرغبة في الاختلاط. لكنها تؤكد على دور أمها في حمايتها هي وأخواتها في مرحلة من مراحل تأثر أبيها بأفكار محافظة دينياً واجتماعياً، فضمنت لهن نافذة استطعن من خلالها العيش بهامش حرية معقول على أقل تقدير. وعلى الرغم من ذلك كله فهي متعلقة بعائلتها بقوة، إلا أن علاقتها بأمها ما زالت المفضلة لديها من بين البقية. ولا ترى سارة وجاهة في الرأي القائل بضرورة انفصال الابنة عن أمها. هذا يأتي في ظرف إقامة أفراد عائلتها جميعاً في بلد غربي تركز النظريات التقليدية فيه على طبيعية الاستقلالية والانفصال العائلي (عن الأم على وجه الخصوص) وضرورتهما للصحة النفسية. سارة تنفي بثقة أن يكون سبب تعلقها العائلي عائداً لحالة الغربة المعاشة في المنفى، الأمر الذي يحيل إلى الرأي القائل بأن المجتمعات غير الغربية تعطي أولوية أكبر للاتصال الأسري والترابط البشري.

الوشوشة تملأ آذان البنات الواقفات على عتبات المراهقة، حين تُخرج الأمهات الوصايا القديمة من الصناديق، ويتنهدن بعد أن ينفضن عنها الغبار: البعض منهن يلقين بها تحت أقدام بناتهن، والبعض يقدمنها كالهدايا، وقلوبهن تنفطر على مصير بناتهن المشابه لمصيرهن، والبعض يملينها كالتعاليم المقدسة وكأنهن يردن لكل نساء الكون أن يجربن ما جربنه، حتى لو كن بناتهن. تنبني على تلك اللحظات حالات نفسية وعاطفية ستخوض هي الأخرى تجربتها. ولو تأملنا قليلاً في خيوط هذه العلاقات المتشابكة في البيوت والحارات والقرى والمدن وعلى وسائل التواصل سنجد كماً من الوصايا يوازن رجحان كفته كم من التمرد والميل للاختلاف، لتحتفظ الحياة بطبيعتها وتجنح القارة المظلمة لتظهر للعيان بوضوح يوماً بعد يوم. هل يمكننا بعد ذلك أن نقول: “حط الجرة على فمها، تطلع البنت لأمها”؟! ألا يدفعنا شيء ما لإعادة النظر بتصوراتنا حول النساء؟

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم