لماذا سيقاطع السوريون التدخين.. بسبب الغلاء أم الصحة؟

يبدو أن الزيادة الكبيرة في أسعار الدخان خلال الفترة الحالية ستجبر السوريين في الداخل على الإقلاع عن التدخين، أو قد يلجؤون إلى تقنين التدخين، أو اللجوء إلى استهلاك الأنواع الرخيصة، أو العودة إلى “سيجارة اللف”، مما سيؤثر بالتأكيد على صحة المدخنين وما حولهم من المدخنين السلبيين، وبالتالي سيجبر السوريين هنا أيضا للإقلاع عن التدخين.

لذلك فإن أسباب مقاطعة السوريين للتدخين عديدة اليوم، سواء من حيث ارتفاع تكلفة الدخان أو المشاكل الصحية التي سترافق الناس بسبب استهلاك دخان رديء الجودة، وبالتالي مسألة العزوف أو حتى تقنين التدخين للبعض في سوريا باتت حتمية.

الدخان.. “أسعار كاوية”

نحو ذلك، ارتفعت أسعار الدخان بشكل جنوني خلال الأسبوع الماضي بنسبة تراوحت بين 20-  30 بالمئة لبعض الأنواع، وذلك بالتزامن مع ارتفاع سعر الصرف. وفي جولة سريعة على أسعار الدخان في الأسواق لوحظ فروقات كبيرة في عمليات البيع بين محل وآخر، وكل محلّ يسعّر على مزاجه دون أي ضوابط، وأقل “باكيت” دخان أجنبي بـ 10 آلاف ليرة سورية، بينما كان سعرها في الأسبوع الفائت بين 6- 7 آلاف ليرة، وفق تقرير لموقع “غلوبال نيوز” يوم أول أمس الإثنين.

ارتفاع أسعار الدخان في سوريا- “إنترنت”

يقول بعض المواطنين للموقع المحلي، إنه “منذ شهرين كنت أشتري كروز الدخان بـ 60 – 69 ألف ليرة، واليوم أصبح بـ 90 ألفا، وكمعدل وسطي أحتاج إلى كروزين ونصف شهريا، لذلك قررت الإقلاع عنه تدريجيا”. أما السيد صفوان الذي يدخن النوع الوطني، قال بدوره، “ارتفع سعر الكروز من 35 ألفا إلى 49 ألفا”، وبالطبع سعر “الباكيت” الواحد يصل إلى 5 آلاف ليرة، رغم  تحديد سعره من قبل “وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك” بـ 2500 ليرة.

موظف حكومي يدخن نوع “الحمراء الطويلة”، يرسل شكاوى بشكل دائم دون كلل أو ملل إلى “وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك”، لعدم التزام الباعة بالتسعيرة المحددة من قبلهم. ويقول صاحب بسطة لبيع دخان “لم نعد نعرف كيف نبيع، فالسعر يتغير مرتين في اليوم الواحد، والزبون يشتري الباكيت صباحا بسعر ومساءً بسعر أعلى، والموزعون يقولون لا دخل لنا بالأسعار نشتريها مثلكم بأسعار مرتفعة”، مشيرا إلى أن عمليات البيع تراجعت بنسبة كبيرة فالناس أحجمت عن الشراء.

كذلك الدخان العربي، آخر الخيارات التي لجأ إليها عدد كبير من المدخنين مجبرين، لم يسلم بدوره من الارتفاعات، يقول أحدهم “كنت أشتري كيلو دخان أفضل نوعية العام الماضي بنحو 60 ألفا، أما اليوم فسعره يتجاوز الـ 150 ألف ليرة، بما يعادل راتبي كاملا ناهيك عن دفاتر السيجارة التي ارتفعت هي الأخرى”.

شراء الدخان بـ”الفرط”

في سياق متّصل، يشير تقرير لموقع “أثر برس” المحلي اليوم الأربعاء، أن أسعار الدخان المصنّع محليا والمهرّب، ارتعت بشكل كبير، الأمر الذي نتج بحسب باعة “الأكشاك والبسطات”، عن ارتفاع أسعار الجملة تبعا لسعر صرف الدولار في السوق السوداء، دون معرفة الرابط بين سعر الصرف والتبغ المصنّع محليا.

أحد باعة البسطات في دمشق يشرح أن باعة الجملة يلزمونه بشراء أنواع غير مرغوبة مثل “الحمراء الطويلة الجديدة”، لإعطائه كمية من “الحمراء الطويلة القديمة” التي تُعد من أكثر الأنواع المحلية رغبة، ويشير الرجل إلى أن أنواعا قديمة عادت للظهور في السوق مثل “إيبلا قصيرة – إيبلا طويلة – شام طويلة”، وهي مطلوبة من الطبقات الأشد فقرا بسبب رخص أسعارها التي تتراوح بين 1500-2500 ليرة سورية.

حول أسعار الدخان، فإن أرخص الأنواع المهربة باتت بسعر 7500 ليرة سورية، أي أن مَن يدخّن “الحمراء الطويلة” بمعدل عبوة واحدة يوميا بات يحتاج لـ 150 ألف ليرة سورية شهريا.

أما مَن يدخن أرخص الأنواع الأجنبية فيحتاج لـ 225 ألف ليرة سورية في الحد الأدنى، ومن يدخن أنواع غالية مثل “مارلبورو أحمر”، بحاجة لمليون ليرة تقريبا كمصروفٍ للتدخين في حال كان يدخّن عبوة واحدة.

على إثر هذا الغلاء الكبير في أسعار الدخان، وتدني مستوى الرواتب والأجور، اتجه عدد من المدخنين للاعتماد على الأنواع الرخيصة ودخان الفرط “اللف”، فضلا عن أن البعض لم يعد بمقدوره شراء “باكيت” بالكامل وبالتالي صار يشتري الدخان بـ”الحبة”، أي شراء 4-6 سجائر فقط، ويرجع البعض اتّباع هذه الطريقة لتقليل الدخان تدريجيا ومن ثم مقاطعته نهائيا.

استهلاك كبير للدخان

في المقابل، أكد رئيس “جمعية حماية المستهلك” عبدالعزيز المعقالي، أن ارتفاع أسعار الدخان الوطني غير مبرر، وهي عبارة عن استغلال لحالة الفوضى والفلتان المنتشرة في الأسواق، فلا يوجد سبب لرفعها كون المواد الداخلة في عملية الإنتاج صناعة محلية ولم تتأثر بارتفاع سعر الصرف.

ارتفاع أسعار التبغ أيضا- “سناك سوري”

المعقالي اعترف بارتفاع أسعار الدخان المحلي، وذلك عبر ورود العديد من الشكاوى إلى مديريته. ويدخل الدخان المهرّب عبر العديد من الشبكات إلى داخل سوريا، وأبرز مصادر التهريب تتمثل في دولة لبنان.

سوريا تعتبر من الدول التي ينتشر فيها استهلاك السجائر بشكل كبير، وبحسب مختصين فإن الأوضاع الاقتصادية والمعيشية المتردية، إضافة إلى ارتفاع نسب البطالة، هي أبرز أسباب انتشار عادة التدخين في البلاد. وسجلت نسب المدخنين ارتفاعا ملحوظا بحسب مختصين خلال السنوات الماضية، كما أن انتشار تدخين السجائر وصل إلى شريحة أوسع من المراهقين في البلاد.

مديرة برنامج الإقلاع عن التدخين في سوريا الدكتورة عبير عبيد، أكدت عدم وجود إحصائية دقيقة لعدد المدخّنين في البلاد، إلا أن آخر إحصائية رسمية، أُجريت عام 2000 تفيد بأن ثلث الشعب مدخن، وبالتالي يمكن القول إن النسبة ارتفعت اليوم إلى النصف، مشيرة إلى أن سوريا مصنّفة بين الدول الأكثر تسجيلا للوفيات بسبب التدخين، وفق إذاعة “المدينة إف إم” المحلية مؤخرا.

اللافت أن معدلات التدخين ارتفعت مؤخرا بين الشباب والمراهقين بالتحديد، حيث أكدت عبيد أن دراسات البرنامج تشير إلى ارتفاع نسب التدخين إلى أكثر من 60 بالمئة من طلاب الجامعات، خاصة منتجات التبغ “السيجارة والنرجيلة”.

كما بيّنت مبادرات عدة بعنوان “مدارس خالية من التدخين“ “وجود نسب من التدخين العابر بين طلاب المدارس تعادل 49.6 بالمئة، ونسبة انتشار التدخين السلبي 64.8 بالمئة من العينة المدروسة، كما تبيّن وجود نسب تدخين داخل المدارس بمعدل 40 بالمئة بين المدرّسين، وبمعدل 50 بالمئة بين الكادر الإداري”.

معدلات التدخين الواردة في آخر تقارير “أطلس التبغ”، الذي أصدرته جامعة “إلينوي شيكاغو“، وشركة “فايتل ستراتيجيز“، تُظهر أن الفرد في سوريا يستهلك 1275 سيجارة سنويا.

رئيس “الاتحاد المهني لعمال الصناعات الغذائية والتبغ” ياسين صهيوني، كشف عن إنتاج ما قيمته أكثر من 241 مليار ليرة من التبغ من “المؤسسة العامة للتبغ”.

صهيوني بيّن في تصريحات صحفية سابقة، أن الخطة الإنتاجية للمؤسسة قُدّرت لكامل عام 2022 بـ 8000 طن قيمتها 232.499 مليار ليرة.

كما وبلغت قيمة مبيعات “المؤسسة العامة للتبغ”، أكثر من 190.6 مليار ليرة خلال عام 2021، حيث حولت 57 مليار ليرة إلى الخزينة العامة للدولة، ودفعت أكثر من 8 مليارات ليرة كضرائب للمالية، وذلك في بيان ميزانيتها الختامي لعام 2021.

شيلان شيخ موسى

شيلان شيخ موسى

رئيسة تحرير "الحل نت"

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم