- تُنشر هذه المادة على موقع “الحل نت”، بعد فوزها بجائزة الحل للإبداع الصحفي – فئة التحقيق الصحفي (المركز الأول) للصحفي السوري، مايك سالم. (المادة خاصة بمؤسسة الحل ويحظر نشر أو اقتباس أي جزء منها قبل مراسلة المؤسسة وأخذ الإذن بذلك).
“تحمِلُك إلى عالمٍ من سِحر، تُدغدغ أعصابك بالسرور وتُحرض فيك مشاعر لا تدري ماهيتها، تملؤُك بالنشوة المصطنعة فلا نومٌ يغلِبُك ولا جوعٌ يشوش أفكارك”، بهذه الكلمات يصف باسل دياب (اسم مستعار)، رحلته على دروب الغريق والحريق.. دروب إدمان الحبة السحرية (الكبتاغون المخدر)، قبل خمس سنوات.
يعود الشاب السوري إلى البدايات ليقول: “عندما كنت في الرابعة والعشرين من عمري بدأت الحكاية، يومها دعاني أحد الأصدقاء لتجربة هذه الحبة، كنت قد أمضيت حينها سنتين بلا عمل بعد تخرجي من كلية الآداب قسم اللغة الفرنسية بجامعة دمشق، أوصَدَتْ الحياة كل أبوابها في وجهي، فلا عمل ولا مال ولا مستقبل، بل أن كلمة المستقبل التي تحمل بحد ذاتها معنىً مُتفائلاً صارت تعني لي رُعباً وأياماً قاسية”.
أسابيعٌ قليلة بعد تلك الدعوة، جرى ما كان يرفض باسل تصديقه وما لم يستطع أن يألفه في قَرارةِ نفسه، قادتُه خُطاه إلى ما لا تشتهيه أيامُه، إلى صباحاتٍ غاب عنها السلام وانبعث فيها الكبتاغون الذي لطخ حياته، أدمن الشاب الحبة السحرية، وأصبحَ غيرَ قادرٍ على تمضية يومٍ واحدٍ من دونها.
كان باسل يحترق في داخله دويٌ أصم، ومن خلال عينيه سحابةٌ من دموع أخذت تنتشرُ بسرعة، وهو يقول: “كنت استلقي في سريري ليلا وأفكر (يا الله ما هذا الذي أفعله)، ورغم إدراكي خطورة انزلاقي من مجرى الحياة إلى مجاريها، غير أن الكبتاغون كان (يعمَلّي) جو مُختلف بالدماغ، وفي هذا الوقت كنت محتاجاً لهذا الجو كي أتخلص من ضغوط الحياة التي أمر بها.. كي أنسى ما أنا فيه من تخبط وخيبة.. صرت مستعداً لعمل أي شيء للحصول علي حبةٍ واحدةٍ منه”.
صار الشاب السوري دريئة لسهام “الكبتاغون” التي أصابته بإحكام ونفذت عميقا وتوغلت تحت جلده، خلال تلك الفترة كان يعتمد على صديقه الذي قاده لدروب التعاطي والتوهان لتأمين ما يحتاجه من حبوب، قبل أن يجد دروب تأمينها ووسائل التواصل مع من يتاجرون بها بمفرده.
يحكي باسل فيقول: “عرفت مِن أصدقائي مَن يتاجر بالكبتاغون في المنطقة المحيطة ببيتي، وكنت أتواصل معهم عبر واتس آب، لنتفق على سعر البضاعة ومكان التسليم”.
أنفق باسل ما يُقارب الـ100 ألف ليرة “حوالي الـ25 دولار” أسبوعيا على حبوب الكبتاغون، كان يتحصل على المال بطريق السرقة، سَرِقَة والده ووالدته وإخوته وأخواته، وذلك قبل أن يُقرر التوقف عن تعاطيها في بداية العام ما قبل الماضي، وذلك بعد خمس سنوات من الإدمان. أحجم الشاب عن تعاطي الكبتاغون بعد حادثة قلبت مجرى حياته رأساً على عقب.
يصف ما جرى تلك الليلة، يقول: “خرجت للتنزُه برفقةِ صديقٍ لي بسيارته، (نفس الصديق الذي عرض عليه تعاطي الكبتاغون لأول مرة)، كلانا كان في عالمٍ آخر تحت تأثير المخدر. تعرضنا لحادث سير مروع بقيت على إثرِه أياماً غائبا عن الوعي، نَجَوت لكن للأسف توفي صديقي”.
يُردف: “كانت لحظةً فارقة، شعرتُ بعدها أن الله منحني فرصة ثانية لأعيش حياةً مُختلفة، بعد أن كنت أُهددُ أسرتي للحصول على المال لشراء المخدر، أمهلني القدر بعضاً من وقت لأُصلح كل شيء”.
“آهٍ كم أعشق النسيان وكم أتمنى أن تفارقني الذكريات التي تَنخُرُ روحي وتنهشُ جسدي. كنت ولا زلت في كل ليلة أغطي رأسي لأنام ولكن كان يمنعني من النوم”.
أنهينا جلسة البوح في منزل باسل الذي همس في أذني بكلمات قادتني إلى مركز الإدمان الذي عولِجَ فيه، المرصد الوطني لرعاية الشباب في عاصمة الياسمين والكبتاغون “دمشق”.
في المرصد الوطني لرعاية الشباب
كان يومُ خميس من شهر تموز 2022 عندما دخلت المرصد الوطني لرعاية الشباب حاملا بطاقة صحفي وورقة مزورة لتسهيل مهمة حاملها. بدأ الأمرُ برُمَتِه بالصدفة، كما هو الحال في كثيرٍ من الأحيان داخل المرصد “أحد مركزين اثنين لعلاج إدمان المواد المخدرة في دمشق، الثاني مشفى ابن رشد”، وَجَدنا أمراً أكثر إثارة للاهتمام من المُدمنين.
اكتشفنا أن المرصد بات وكرا للترويج واستقطاب الزبائن، هذه المعلومات همس بها لنا لأول مرة باسل دياب، “بالمناسبة الاسم مستعار حفاظاً على من إتمننا على سِرِه” وبرغم عدم امتلاكه ما يُثبت كلامه كنا مهتمين بما قاله.
داخل المرصد لم يكن من السهل متابعة التحقيق ومحادثة الرجال الذين كانوا يتحدثون بالشيفرة والرمز. في ذاك المكان كانت تتطاير فوق رأسي كلمات مثل الشبح والأبيض والحليب والألماني، ولكن المتابعة لم تكن مستحيلةً تماماً.
ببطء أصبح من الواضح أن باسل لا ينطقُ عن الهوى، فمن خلال محادثتنا لبعض المدمنين في المكان تجمعت الخيوط عند شخص يدعى “أ . م” الذي يبدو أنه يتولى السيطرة على التوزيع في المرصد. كانت بضاعتُه تُبحِر من شخص لآخر ويبدو أنه كان مدعوما من أقوياء في هذا البلد.
تبلور لدينا شكٌ في أن أحد الأخصائيين الاجتماعيين “يبدو أنه في قلب العصابة” يحصل أيضاً على جزء كبير من عائداته من خلال المبيعات الداخلية لمُركّب الأمفيتامين، “الاسم العلمي للكبتاغون” الذي يُطلق عليه أسماء دارجة أخرى من مثل أبو هلالين نسبة لحرف “سي” اللاتيني المرسوم على القرص، وأحيانا يطلق عليه اسم “الألماني” نسبة لبلد المنشأ للدواء الأصلي، و”الأبيض” نسبه للونه، و”الشبح” نسبة لتأثيره.
يُوصف الكبتاغون أيضاً بأنه الشجاعة الكيميائية على اعتبار أن مُتعاطوه يشعرون بالقوة بعد تناوله ويتصورون أنهم يُشبهون الموتى الأحياء “الزومبي”، أو أنهم خارقون لا يخشون شيئاً.
“في البدايات يُخامر المُتعاطي شعور لطيف، يُحس وكأنه يملك قوة لا يَملِكُها أحد ولكن النهايات شيءٌ مُختلفٌ تماما وفقا لما يقوله “أ . م”.
مع زيادة المعروض في السوق السورية، انخفض السعر، ليجد الكبتاغون وحشيشة الكيف طريقهما إلى طلاب المدارس والجامعات والنوادي الرياضية. وهذا ما يؤكده الشاب باسل دياب، فمن واقع تجربته فالشباب والطلاب منهم تحديدا هم الأكثر إقبالاً على الكبتاغون تحديداً وهذا الأمر لم يكُن مستغرباً، لكن الغريب أن يجد “الشبح” طريقه إلى داخل مركز لمعالجة الإدمان.
“يُمكن لتوجيه إصبعك إلى الكبار أن يُكلفُك حياتك بسهولة” وفقا لـ “أ . م”. هنا تصل قصته التي استودعنا إياها في حديثٍ ودي طالبا عدم نشرها، إلى نُقطةٍ يُحجم عندها عن الكلام، عليه أن يظل صامتا بشأن أولئك الذين يعتبرهم المحققون والسلطات الغربية المشتبه بهم الرئيسيين في تهريب المخدرات من سوريا وإليها.
قبل أن يعود ليتنبه لخطورة ما يقول ويرفض الإجابة على الأسئلة التي وجهتُها له، قائلا “أنت لست مخولا أن تسألني هكذا أسئلة” ثم أنهى الحديث حين بتنا قاب قوسين أو أدنى من كشف المستور، مُهدداً بمحادثة إدارة المرصد في الأمر.
هنا انتهت رحلتنا في المرصد القابع على أطراف ساحة العباسيين الشهيرة وسط دمشق. غادرنا على عجل خوفاً من انكشاف التزوير وتعرُض مُعد التحقيق للملاحقة. ما بدا لنا عندما دخلنا المرصد الوطني لرعاية الشباب أنه قضية أخرى تتعلق بمعالجة المدمنين تبين أنه شيءٌ مغايرٌ تماماً، فالمرصد تحول إلى وكر لعصابة مخدرات تقبع في المُجمع الأبرز في دمشق لمعالجة الإدمان. قُلنا انتهت رحلتنا في المرصد ولكنها ابتدأت في مكان آخر.
المخدرات السورية ما قبل العالمية
برحلةٍ عبر الذاكرة إلى زمن الوصاية السورية على لبنان “1976 ــ 2005″، حينها كان لدمشق ورجالُ أعمالٍ مُرتبطين بها، دوراً في غرس الأفيون في رحم البلد العربي الصغير، ونصيبا لا يُضاهيه نصيب في تجارة المواد المخدرة وطرق تهريبها من وإلى لبنان.
جعلت دمشق من زراعة القنب الهندي في البقاع زمن هيمنتها العسكرية والاستخبارية على الدولة اللبنانية، مادة للمساومة مع الولايات المتحدة. كان الضباط السوريين وعناصر الاستخبارات يحمون مُزارِعي حشيشة الكيف وتجارها، والمقابل حصةٌ من الإنتاج، أما اليوم فباتت هذه الزراعة تجارة للسلطة الحاكمة في سوريا، تُدر على خزائنها المليارات بالعملة الصعبة.
دروب الذاكرة تحملُنا أيضاً إلى بداية التسعينيات من القرن الماضي. وقتها أغرق فرع الأمن الجنائي في دمشق، عاصمة الياسمين ببيوت الدعارة للاستفادة منها مهنياً إن في تجنيد العملاء “العواينية”، أو في الإيقاع ببعض الأشخاص وتوريط آخرين.
في ذلك الزمان سارت دمشق على خُطى تجارة اللحم الأبيض بعد أن تطور الأمر من الاستفادة المهنية إلى تحصيل الفائدة المادية، مع عقد شراكات بين ضباط الأمن ومديري هذه البيوت المشبوهة، كُشف عنها بدايات العام 2005 نتيجة الخلافات بين بعض الكبار، في حين دفع ثمن خلافات الضباط الكبار مجموعة من الضباط الصغار المتورطين في العملية. أمرٌ يؤكد أن سياسة إغراق المجتمع السوري بالموبقات ليست بالجديدة بل تمتد تاريخيا إلى العقد الأخير من القرن الماضي.
“ما أشبه اليوم بالأمس وما أشبه التاريخ بالتاريخ” يقول خالد زهران المُتتبِع لشؤون كارتلات المخدرات في الشرق الأوسط. ويُردف: “يبدو أن تاريخ سوريا يُعيد نفسه مع الأسباب نفسها وبالنتائج نفسها، ويبدو أن تاريخ تجارة اللحم الأبيض في البلاد يُعيد تصنيع نفسه على شكل تجارة مخدرات”.
في البدء وفقا لزهران، وتحديدا في العام 2012 عام انطلاق تصدير المخدرات من سوريا، “لم يكن هدف دمشق من صناعة الموت المُخدر تحقيق مكاسب مادية فقط، بل السعي لملء الأرض حشيشاً وكبتاغون انتقاما من دولٍ دعمت الحراك السوري، عبر إغراقها بالمخدرات. ولكن ما حدث بعد ذلك كان شيئاً مُختلفاً تماماً”.
لم تكن المخدرات نبتاً شيطانياً بلا جذور في الأرض التي أُطلِقَ عليها يوما “بلد الشمس”، فقد وَجَدَت المواد المخدرة على أرض السوريين المناخ الملائم لنموها. وعن هذا تقول الباحثة الأميركية في شؤون الاقتصادات غير المشروعة، كارول ماركيز: “من الأهمية بمكان أن نؤكد أن تجارة المخدرات ليست بالظاهرةً الحديثة في سوريا، فَعُمُر عقار الإمفيتامين (الاسم العلمي للكبتاغون) يصل لأربعة عقود في البلاد”.
“ليس ذلك فقط. فالسلطات في دمشق شاركت في زراعة حشيشة الكيف وتهريبها بالتنسيق مع حزب الله اللبناني لاسيما في أوائل القرن الحالي” وفقاً للخبيرة الأمريكية، التي تُشير إلى أنه: “لسوريا تاريخ طويل في إنتاج الحشيش، غير أن الكبتاغون، المادة المخدرة التي باتت شائعة خارج الشرق الأوسط وفيه، هي الأكثر التصاقاً بالأزمة الطويلة في البلاد”.
من أفغانستان طالبان وإيران الحرس الثوري كانت تعبر المخدرات سوريا إلى شبه جزيرة العرب قبل العام 2011. كان لهذا العبور أثر في تنشيط شبكات التهريب في طول البلاد وعرضها تحت إشراف شخصيات مقربة من السلطات الحاكمة وبغطاءٍ من بعض الأفرع الأمنية. في ذلك الزمان كانت كميات المواد المخدرة المُنتَجة محلياً محدودة.
لسنوات وسنوات قبل الحرب السورية اشتُهر “مخيم النيرب” بريف حلب، كبؤرة تصنيع وترويج لمادتي الهيروين والحشيش بغطاء من رئيس فرع أمن الدولة بحلب آنذاك عمر حميدة وهو من أبناء “النيرب”. كان العميد عمر مُقرباً من الأسد الأب، ويبدو أن الحال استمر على هذا المنوال في زمن الأسد الابن، فشُحنة ساليرنو الإيطالية الشهيرة “سنأتي عليها تفصيلا لاحقا في سياق آخر من ملف التحقيق هذا” نقلها رجل الأعمال عبد اللطيف حميدة وهو من العائلة نفسها.
اخترق جدار الصمت
بشيء من صبر، وكثيرٍ من مُصابرة، توصلنا وتواصلنا مع أحد القضاة الذي نذرَ مُذ غادرَ سوريا صوماً عن الكلام، كان الرجل يعمل في قصر العدل بالعاصمة السورية، نتحفظ عن ذكر اسمه احتراماً لطلبه وحساسية موقفه بسبب تواجد جزء من عائلته داخل البلاد.
في حديثه لنا يقول: “إن كلماتي لا تُشكل فرقا؛ لا تُغير ولا تُبدّل من الأمر شيئا. ولكن ما طُلب مني في منتصف أيار الـ2011، ضرب رأسي كصاعقة وقد آن أوان كَشفِه”.
يُتابع: “يومها وصلتني عبر وزير العدل في حينه أوامر من القصر الجمهوري تطلب مني تعميم كفّ بحث بحق 11 مطلوباً ممن كنت قد أصدرت بحق كلٍ مِنهُم العديد من الأحكام الغيابية تصل حد الإعدام، ويُمثل هؤلاء، الشخصيات السورية الكبرى في تجارة وتهريب وترويج المواد المخدرة داخل سوريا وخارجها قبل الحرب”.
فيضٌ من ذكريات يجتاح رجل القانون، يتذكَر، فَيَذكُر اسمي شخصين من أولئك ينتميان لعائلة “بِرّي” المعروفة بنشاط معظم أفرادها في مجال المخدرات والسلاح في مدينة حلب، “شعبان بري وعبد الملك بري”، اللذان اشتُهرا بإنتاج المخدرات والاتجار بها، وهما شخصيتان عشائريتان تحالفتا مع السلطة واستفادتا من هذا التحالف ونشطتا في تصنيع المخدرات في معقلهما بـ”تل الزرازير” بريف حلب.
تنتمي بقية الأسماء وفقاً للقاضي المُتعب بِوَجَعِ إجباره على الدوس بقدميه فوق جثة مبادئه، لِعَوائِل من مناطق شمال حلب، والقلمون والبلدات المحيطة بوادي بردى بريف دمشق الغربي وحمص والساحل السوري، بعضهم كان على صلةٍ بشبكاتٍ عالمية للاتجار بالمخدرات في كولومبيا وإيطاليا وغيرها.
لم يُغفل الرجل التطرُق إلى أن “بعض المحكومين من مجرمي المخدرات المُنحدرين من حماة ودرعا تم إخلاء سبيلهم بعد مضي فترة وجيزة على وجودهم داخل السجون”.
يُتابع القاضي حديثه بالقول: “إن كل واحد من هؤلاء كان ولا يزال يمتلك شبكة واسعة من المروجين المنتشرين داخل معظم المدن السورية”.. ويُردف بأن قسما من عناصر هذه الشبكات كان داخل السجون المدنية، بعضهم كان يقضي فترة محكوميته والبعض الآخر تحت الحُكم. أولئك أيضاً سرعان ما تم إطلاق سراحهم، بعد أن شملتهم مراسيم العفو الرئاسية.
عودة دولة المخدرات السورية إلى العالمية
ما إن دقت الحرب طبولها في سوريا حتى تسربل أمراؤها بالحديد، ناشرين دُخانَ المرارة السوداء في أرواح السوريين، أخذَ صخب الدم يخفق في كل مكان وأوقعت الحرب المُستعرة منذ عقد من الزمان، جُل السوريين في براثن الفقر بعد أن دمرت اقتصاد البلاد، بينما بحث أعضاء النخبة العسكرية والسياسية والتجارية عن طرقٍ جديدة لكسب المال.
لم تتسبب الحرب في سوريا فقط في تدميرِ مُدنٍ وبلداتٍ بالكامل وفقا لمُحدثنا المحلل الاقتصادي نُمير حسن، بل تسببت أيضا بانهيارٍ تام للاقتصاد في أعقاب الأزمة المصرفية اللبنانية” (كان لبنان مُتَنَفَس سوريا الوحيد، حيث فُقد هذا الأوكسجين فجأة تزامنا مع الانتكاسة المالية اللبنانية).
تلى ذلك وفقاً لرجل الاقتصاد السوري، وباءُ كورونا المُستجد وقانون العقوبات “قيصر”، ما حول البلاد رسميا إلى دولة فاشلة تبحثُ عن طوقِ نجاةٍ مالي وَجَدَتهُ في التحول إلى دولة مُنتجة ومُصدرة للمخدرات، تحول معها عدد من رجال أعمال مقربين من السلطات الحاكمة بدمشق وأمراء الحرب في سوريا إلى “أمراء مخدرات”.
استثمر بعض هؤلاء الشركاء بالكبتاغون، ليتطور كارتِل (نقابة) مخدرات مُرتبط بالدولة يضم أقارب للرئيس السوري وضباطا في الجيش وقادة ميليشيات وتجاراً ورجال أعمال بارزين ازدهرت أعمالهم المشبوهة خلال الحرب، لتصعد بصعودهم جمهورية الكبتاغون السورية.
يقول خالد زهران المُتتبِع لشؤون كارتلات المخدرات في الشرق الأوسط: “إنه من الاستحالة بمكان وضع تصور لنشوء جمهورية المُخدرات في سوريا دون تحديد الجذور التي قادت لهذا الأمر أولاً. لقد ازدهرت دولة الكبتاغون والحشيش السورية كنتيجة غير مباشرة لتصعيد حملات مكافحة المخدرات في أوروبا، خاصة في بلغاريا، في بداية الألفية الجديدة”.
لقد أدى اجتثاث صناعة الكبتاغون في أوروبا وفقاً لزهران إلى انتقال الإنتاج إلى البلدانٍ الهشة والأقرب لأسواق الاستهلاك الرئيسية لهذا المخدر في شبه الجزيرة العربية.
الموقع الجغرافي الاستراتيجي لسوريا، الرابط بين عدة محاور شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً جعل منها قبل الحراك الشعبي في سوريا، بلد عبور للمواد المخدرة بامتياز وفقا لتصنيف الأمم المتحدة. أنكرت دمشق اكتشاف أي مختبر للكبتاغون في البلاد حتى العام 2011، على الرغم من إقرارها بارتفاع الطلب على المخدرات، وازدياد ما تم مصادرته من كبتاغون في الداخل السوري بين عامي 2008 و 2009 إلى ضعف ما تمت مصادرته في العام 2007.
انتهى هذا الإنكار الذي كان قابلا للتصديق، حين سقطت ورقة التوت الأخيرة مع دخول الحراك مُنحناه الخَطِر واندلاع الصراع المسلح بين من كانوا أهلاً في سوريا. يقول الباحث في الاقتصاد السياسي معتز حمادة: “إن الحراك في العام 2011 شكل محطة فاصلة ومنعطفاً في إنتاج المخدرات في سوريا مع تزايد الطلب على الكبتاغون بين المقاتلين والمدنيين”.
“في الفضاء الذي أخلته الدولة تحت وقع ضربات المعارضة المسلحة” وفقا لحمادة، “ازدهرت الاقتصادات غير المشروعة، واستغل المُصنعون فوضى الحرب وتوافُر الهياكل الأساسية اللازمة للإنتاج (كانت سوريا ثاني أكبر مُوَرِد للأدوية في المنطقة قبل اندلاع الحرب). لتتحول الأراضي السورية من تصنيف العبور إلى تصنيف الإنتاج المُنظم وبامتياز”.
باتت سوريا وحش مخدراتٍ برأسين يثيران قلق العالم، الحشيش والكبتاغون، وتحولت البلاد لمركزٍ عالمي لإنتاج الحبة السحرية (لقب يطلق على الكبتاغون)، المادة المخدرة الأكثر تصنيعا وتطورا تقنيا من أي وقت مضى في سوريا. لا تُكلف حبة الكبتاغون الواحدة سوى بضعة سنتات أمريكية لإنتاج كل منها في سوريا، ولكنها تباع بعدة يوروهات في دول كالسعودية والإمارات، يبدو أن هنالك هوامش ربح رائعة.
2018.. نًقطة التحول؟
سنواتٌ كثيرة من عمر الحرب مضت وانقضت وأصبحت في طيات الماضي إلا أن إنتاج المخدرات في هذه السنوات لم يكُن إلا نُقطة فقط، ذرة ضئيلة بالمقارنة مع ما شهدتُه البلاد منذ العام 2018. في ذلك العام تغيرت في سوريا أشياءٌ وأشياء، تقدمت دمشق وتراجعت المعارضة، وأحرزت الحكومة السورية سلسلةً من الانتصارات العسكرية على الأرض بمساعدة روسيا بشكل رئيسي، مُستعيدةً السيطرة على جيوب المعارضة في الغوطة الشرقية وريف حمص الشمالي وجنوب سوريا.
في ذات العام أطلق “حزب الله” مستعينا بالميليشيات الإيرانية العنان لقواته لتنتزع المعارضة من مناطق واسعة في البلاد. أطبق الحزب قبضتهُ على المنطقة الحدودية في ريف حمص كالقصير وفي ريف دمشق كسهل الزبداني ومنطقة القلمون “التي تخضع بشكل شبه كامل لسيطرة الحزب والعشائر المُسلحة الموالية له”.
بعثرت حملات السلطات في دمشق وحلفاءئها العسكريين بمجموعها المعارضة بشقيها المُسلح والسياسي وأنزلتها عن عرش السيطرة على مساحةٍ تُعادل ثلثي أراضي البلاد ودفعت بها إلى مناطق هامشية على خط الحدود السورية التركية، وأعادت بسط سُلطة دمشق على شبكات الطرق الرئيسية والحدود الدولية الإستراتيجية والمعابر التجارية النشطة.
“استثمرت دمشق وحلفائها عديد المناطق التي سيطرت عليها من خلال استثمار أراضيها الخصبة في زراعة الحشيش، ما حولها مناطق محرمة تتركز فيها عمليات صناعة المخدرات”، وفقا للخبيرة الأمريكية كارول ماركيز، الباحثة في شؤون الاقتصادات غير المشروعة.
يرى خالد زهران المُتتبِع لشؤون كارتلات المخدرات في الشرق الأوسط بأنه قد كان “لأحداث العام 2018 الذي يمكن وصفه بأنه نقطة انعطاف في النزاع؛ أثراً كبيراً على تحول سوريا إلى دولة مخدرات لا تقل أهمية عن نظيراتها في أمريكا الجنوبية”.
يُتابع حديثه بالقول: “تزامنت استعادة الدولة للسيطرة مع إعادة تشكيل تجارة المخدرات بشكلٍ حاسم لصالح القوات الموالية لدمشق، وحصلت طفرة في تجارة المواد المخدرة بعد أن هيمنت الدولة على الاتجار بالممنوعات بأنواعها، وأخضعت كل المهربين المحليين لسلطتها مُستغلةً سيطرتها على الأجهزة الأمنية والعسكرية”.
دفعت السلطات في دمشق حدود إنتاجها إلى أقصاها لتُحلِّق بعيدا في فضاء التجارة الحرام بالمواد المُخدرة. لقد أصبحت عوائدُ هذي التجارة وفقا لمُحدثنا، الباحث في الاقتصاد السياسي معتز حمادة “شرياناً مالياً حيوياً لدمشق وحلفائها، مع تسجيل العمليات الأجنبية لاعتراض شحنات الكبتاغون والحشيش أرقاماً قياسية”.
يقول الباحث السوري: “ارتفع حجم صادرات المخدرات السورية كما ارتفع حجم المواد المخدرة المُصادرة حول العالم والقادمة من سوريا بين عامي 2018 و2020 إلى 21 ضعفاً مقارنة بالعام 2011. ما يُعدُ برهاناً على تحولٍ كبير في تدفق المواد المخدرة من سوريا وتطور الصناعة والوصول لمستويات جديدة من الإنتاج على نطاق واسع في البلاد”.
اقترن النمو الكمي لصادرات المخدرات السورية، بِتَغَيُرٍ نوعيٍ بالغ، فقد أصبح إخفاء شحنات المخدرات أيضاً أكثر تطوراً من الناحية التقنية، وبرزت دمشق على أنها عاصمة الكبتاغون العالمية وتحولت عملياً إلى ماركة مسجلة في صناعة وترويج المخدرات، وذلك مع صعود عبارة صُنع في سوريا لتكون الأكثر رواجا في تجارة المواد المخدرة التي باتت نهراً جاريا من العملة الصعبة يُمَكِّن السلطات المُفلِسة وحلفائها الإقليميين من إعادة ملء خزائنهم التي استنزفتها الحرب.
ترى كارول ماركيز خلال حديثها لنا بأن “القدرة الإنتاجية لكميات ضخمة من المخدرات الصناعية السورية أكبر من قدرة الأفراد والعصابات على إخفائها عن عيون الجهات الرسمية. كما وأن أيضا القدرة التسويقية لكميات ضخمة من تلك المواد المخدرة أكبر من قدرة الأفراد والعصابات”.
وتقول ساخرةً: “يبدو أن الجحيم بات خالٍ من شياطينه فكلُّهم مجتمعون في سوريا يرعون تجارة المخدرات التي أضحت تجارة قوية ومحمية في البلاد”. وتعود لتؤكد أن “هنالك تنسيقاً مركزياً مسؤولاً عن غالبية عمليات تهريب الكبتاغون بين أقارب الأسد وشركاء رئيسيين أقوياء في صناعة الموت المُخدر المُربحة، من بينهم رجالُ أعمال تربطهم صلات وثيقة بالسلطات السورية وجماعة حزب الله اللبنانية”، وفق مصادرها.
تقود المسارات التي تتبعها ماركيز وفقا لما أخبرتنا به، مرارا وتكرارا إلى تورط الهيئات العسكرية ذات الخلفيات والانتماءات المتنوعة في سلاسل توريد ونقل المخدرات؛ كالفرقة الرابعة المُدرعة في الجيش السوري، والمخابرات الجوية، والحرس الجمهوري، وفرع المخابرات العسكرية 215، إلى جانب ميليشيات محلية وشركات أمنية خاصة مثل قوات الدفاع الوطني، وصقور الصحراء، وكتائب البعث، وسرايا العرين، والجماعات الأجنبية المسلحة بمختلف الانتماءات كالحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني، ومجموعة فاغنر الأمنية الروسية.
أطلقنا أجنحة البحث وراء أصحاب المشاريع الكبرى لإنتاج المخدرات في سوريا، فبينت لنا مصادرنا إنهم شخصيات من الدائرة الداخلية الأقرب لرأس الهرم السياسي في سوريا ومنهم ماهر الأسد ووسيم بديع الأسد ومحمد شاليش وعبد اللطيف حميد صاحب معمل ورق التغليف بحلب.
لم تتوقف المصادر عند هذا الحد بل أضافت إلى القائمة التي يطول المَقام عن ذكرها، رجال أعمال مِثل، عامر خيتي وخضر طاهر، وأيهم وسامر الأسد، والأخير، هو أحد أبناء عمومة بشار البعيدين، ويُشرف على إنتاج الكبتاغون في معقل الأسد في الساحل السوري، بالإضافة لشركاء في لبنان وإيران.
تشير المصادر عينُها إلى أنه لكي يعمل أصحاب مشاريع المواد المخدرة الصغار في الساحل فإن عليهم أن يدخلوا في شراكة مع سامر الأسد، وأن يدفعوا ما يصل إلى 60 بالمئة من عائداتهم؛ مقابل إمدادهم بمواد الإنتاج وفتح قنوات التصدير وأمامهم وحمايتهم من سلطة القانون المُغيب أساساً.
ليلة صيف ورجلُ أعمالٍ هارب
في ليلة صيف من العام 2015، رن جرسُ هاتف، كان المُتصل قائدٌ أمني، أما المُتًصلُ به فرجُل أعمالٍ من محافظة اللاذقية، طلب الأمني من الاقتصادي معروفاً، حيث أراد المسؤول من التاجر، وهو مستورد للمستلزمات الطبية، استيراد كميات كبيرة من عقار “فينيثيلين” من الخارج، أخبر الضابط التاجر بأن حكومة دمشق ستشتري الصفقة عن بكرة أبيها، فيما وعد التاجر الضابط خيراً.
نقرات قليلة من أصابعه على لوحة مفاتيح حاسبه المحمول بحثاً عن عقار “فينيثيلين” أعاد محرك البحث غوغل للتاجر ما كان يتحسب منه، اتخذ الرجل قراراً سريعاً، أرسل التاجر زوجته وأطفاله خارج الحدود، ليلحق بهم بعد أن صفى أعماله في سوريا بحثاً عن بداية جديدة.
من منزله في باريس وفي تصريح خصنا به يقول: “أدركت منذ البداية ما كانوا يريدون مني فعله، أرادوا أن أمدهم بمكون صناعة الكبتاغون الرئيسي. هذا عمل لم أكن لِأُقدِم عليه لأنه فعلٌ يتسم بالقذارة”. بكل أسف لم تكن تحفظات الرجل محل اعتبار عند رجال أعمال آخرين في سوريا ممن استجابوا لأوامر السلطات.
يعود التاجر الهارب من اللاذقية والقابع في منفاه الاختياري “باريس” في حديثه، ليؤكد: “لا يستطيع أياً كان في سوريا أن يقوم بتسيّيرَ أعماله التجارية الكبيرة إن لم يكن له اتصالات بدوائر القرار في البلاد”. ويتابع: “بالنسبة لعالم المال والأعمال كان علينا كلنا أن ندفع جزءاً كبيراً من العائدات، أو أن نقدم الخدمات المطلوبة مِنا دون سؤال مقابل الحصول على الحماية”.
رجال أعمال ولكن.. خيتي وطاهر نموذجاً
يمكن للحرب أن تستمر أعواما عديدة وتديرُ لك هذا الجانب أو ذاك من جوانبها، لكن الشيء الأهم هو الاشمئزاز منها والكره لها. هذا ما تفهمه حالا وإلى الأبد عندما تنظُر إلى صعود سِفلَةُ القوم في سوريا لقيادة البلاد وتسيير شؤون العباد.
في زمن الحرب تقدم في شِعاب الوطن المُحترق رجالٌ أسهمت تجارة المخدرات التي تُدر المليارات في تحويلهم من تجارٍ متواضعين إلى أصحاب ملايين، ومن بين هؤلاء رجل الأعمال عامر خيتي، الذي “تتركز نشاطاته المشبوهة بالقرب من العاصمة دمشق ويُمثل أحد رموز طبقة رجال الأعمال التي برزت حديثا في سوريا زمن الحرب وأحد اللاعبين الرئيسيين في تجارة المخدرات”، وفقا لمحمد كامل الناشط المنحدر من مسقط رأس خيتي والمُتَتبِع لمسيرته.
يقول كامل: “إن الرجل كان في الأصل تاجرُ مواشٍ متواضع، ولكنه نشط خلال الحرب على خطوط التماس بين نقاط سيطرة حكومة دمشق وبإيعاز منها وبين نقاط سيطرة المعارضة المسلحة في دمشق وضواحيها لتهريب المواد الغذائية وغيرها من مناطق سيطرة حكومة دمشق إلى مناطق المعارضة وبيعها بأضعاف ثمنها الأصلي”.
بعد انسحاب المعارضة من الريف الدمشقي مطلع العام 2018، اشترى خيتي عقارات هناك واستثمر في مرافق التعبئة والتغليف التي تُستَغَل في تمويه المواد المخدرة لتهريبها. كما دعم حملة الأسد الانتخابية لتولي الرئاسة مجددا في البلاد في العام 2021، وكجائزة ترضية مَنَحت دمشق خيتي المتورط في إدارة شبكات المخدرات مقعدا في البرلمان السوري ما أمّن له حصانة سياسية من شأنها أن تُسهل أعمالَهُ غير القانونية. كل ذلك وفقا لمحمد كامل.
كذلك هو حال “أبو علي” خضر طاهر، الذي حل محل رامي مخلوف ابن العم الأغنى لرأس السلطة في سوريا، والذي بات معروفا للسوريين، بأنه قادر على فك مشنوق عن حبل المشنقة بحسب ما يتناقل أهل دمشق. “أبو علي” نموذجٌ آخر حولته الحرب إلى ملياردير، كان الرجل “بياع دجاج”، أما اليوم فيُشرف على نقاط تفتيش الفرقة الرابعة المدرعة في الجيش السوري في جميع أنحاء البلاد، حيث يُسهل حركة مرور مخدر الكبتاغون، متحولا لإحدى واجهات السلطات الحاكمة الاقتصادية.
في أيار من العام 2021، وتقديراً لخدماته البارزة في الاقتصاد وإدارته المالية في زمن الحرب منح الأسد أبو علي خضر، وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى. وكما خيتي استحوذ خضر طاهر على مقعد في مجلس الشعب بدعمٍ مباشر من دمشق. تجدر الإشارة إلى أننا خُضنا أياما في محاولة التواصل عبر وسيط مع خيتي لكن الرجل لم يستجب لطلبات التعليق، ولم نتمكن من الوصول إلى خضر طاهر من خلال الشركات التي يمتلكها.
تؤكد كارول ماركيز الباحثة الأمريكية في الاقتصادات غير المشروعة أنه “لا توجد أرقام دقيقة لعدد المسؤولين المتورطين نظرا لضخامة عدد المشتغلين في تجارة المواد المخدرة، بدايةً ممن ينتجون الكبتاغون ومن يهربونه ومن يبيعونه، وانتهاء بمن يروجونه حتى يصل إلى المستهلكين”.
مصانع عديدة للكبتاغون ومئات الهكتارات من الحشيش
في الطريق إلى القلمون تسبح ذاكرتي في عوالم المخدرات المجهولة على امتداد سوريا من أقصاها إلى أقصاها، تمر بي الذاكرة إلى الحروب التي دارت على امتداد هذه الأرض، أفكر بالقنابل والنزاعات والاشتباكات والتنكيل والسجون والزنازين والإرهاب والمؤامرات والتواطؤات التي عاشها السوريون على امتداد عقدٍ من حديدٍ ونار، أليس ذلك بكثير؟!.
القيادة إلى سلسلة جبال القلمون لما يزيد عن عشرات الكيلومترات من المنعطفات والمنعرجات عبر طريق جبلي مرهقة للغاية، ما إن تصل هناك حتى تمتلئُ عيناك بِنَبتٍ شيطاني. حقول ممتدة من القنب الهندي، تجتاح مدى البصر، برائحة نفاذة تعبق في الجو.
“في القلمون حتى لو زرعت البطاطا فستحصل على الحشيش وكأن البلاد أصبحت عاجزة عن إنتاج أي شيء آخر سوى تلك السموم”. بهذه الكلمات يبدأ مضر عبد الرحمن (مهندس زراعي) حديثه لمعد التحقيق.
يقول الرجُل: “تُشكل المناطق الجردية في القلمون الغربي على الحدود السورية اللبنانية، أرضاً خصبة لزراعة الحشيشة دون ري”، ووفقا للمهندس السوري: فـ”جغرافيا المنطقة وطقسها البارد شتاءً والحار صيفا إلى جانب نوعية التربة، كلها عناصر مهمة ومتوفرة في هذه المنطقة وتؤمن مناخاً ملائماً لزراعة القنب الهندي”.
بانفجارٍ مُندفعٍ مُوجَّه نقل حزب الله القرار إلى أرض الميدان. سَخَّرَ الذراع الطويل لإيران في لبنان خبراته اللوجستية التراكمية التي اكتسبها من تصدير الحشيش لعقود من سهل البقاع اللبناني، ليبذر في رحم سوريا جنينا جديدا، لم يكُن إلا مساحاتٍ شاسعةٍ مزروعةٍ بالقنب الهندي، ومعداتٍ لازمةٍ لتصنيع الكبتاغون، أدخلها في البدء عبر الحدود اللبنانية إلى منطقة القصير في حمص السورية. تُشير التقييمات إلى أن إنتاج حشيشة الكيف في البقاع انخفض بنسبة 90 بالمئة بين عامي 2011 و2013 مع تحول الإنتاج إلى سوريا.
خلق الحزب لنفسه دورا متقدما في إمبراطورية المخدرات السورية بعد أن تدفق جيشه من العسكر بسلاحه الكامل ليُطبق الخناق على غرب سوريا، ضاماً إلى مملكته مساحاتٍ خصبة واسعة زرعها حشيشاً، ومناطق آمنة شاسعة على الحدود “السورية ــ اللبنانية” اتخذ منها مقرات لمعامله المسؤولة عن تصنيع الكبتاغون، والنتيجة كانت توسُع وتطور عملية إنتاج المخدرات في سوريا بكميات كبيرة عالية الجودة.
قنبٌ هندي ومصانع موت
عبر سلسلة القلمون الجردية تتمايل حشائش القنب الهندي المزروعة في مساحات شاسعة يستحيل تقديرها بشكل حاسم إلا أنها تمتد تقريبا على ما يفوق الـ200 هكتار.. تتركز هذه الزراعة إلى جانب 15 مصنعا للموت المخدر “الكبتاغون”، غرسها حزب الله اللبناني، خنجرا مسموماً في قلب سوريا على طول المنطقة الحدودية السورية اللبنانية الممتدة على مسافة تُقارب الـ375 كيلومتراً، بعد أن نقل نشاطه المخدر إلى الداخل السوري.
تتوزع هكتارات حشيش الحزب المئتين ومصانعه الـ15، في القلمون الغربي بريف دمشق، ببلدات الطفيل، ومضايا، والصبورة، وبخعة، وتلفيتا، وسرغايا، والزبداني، وفليطة، والجبة، ورنكوس التي اقتلَعَت ميليشا الحزب اللبناني أشجارها لتزرعها بحشيشة الكيف، أمرٌ كررته هذه الميليشيا في جرد عسال الورد أيضا، بالإضافة لمنطقة الخرابات التي أنشأ حزب الله فيها أحدث مصانعه للمواد المخدرة مؤخرا وفقا لمعلومات استقيناها من الباحثة في الأمريكية في الاقتصاد غير المشروع كارول ماركيز.
“زرع الحزب اللبناني أيضاً حشيشَهُ ومصانع كبتاغونِه في جرود بلدة الطفيل اللبنانية النائية في عمق السلسلة الشرقية لجبال لبنان، التي تتداخل فيها الأراضي السورية واللبنانية” وفقا لابن منطقة (الجوزة) القلمونية الصحفي ياسر حسن (اسم مستعار) يؤكد الصحفي السوري أن “الطفيل تُعتبر معقلا لمسؤولي الحزب المناط بهم الإشراف على نشاط تجارة المخدرات”.. ويُردف: “أن معظم معامل كبتاغون الحزب داخل سوريا تنتشر ببلدة الجوزة (مسقط رأس الصحفي) في القلمون الغربي”.
تحولت هذه البلدات التي تُميزُها تربتها الخصبة لعواصم الكبتاغون والحشيش غرب سوريا، وفيها تتناثر هُنا وهُناك طرقٌ ومعابر غيرُ شرعيةٍ لا تُعد ولا تُحصى، تسلُكُها شُحنات المواد المخدرة والمهربون في رحلة طويلة تنطلق في مرحلتها الأولى “عملية الزراعة والإنتاج” من مناطق تمتد ابتداءً من القصير في ريف حمص التي غزاها الحزب اللبناني عام 2013 مُحولا مزارعها الخضراء والقرى القريبة منها إلى مزارع حشيش، وصولا إلى منطقة الزبداني بريف دمشق، وكل هذه المنطقة تعرف بـ”جرد القلمون الغربي”، وكل ذلك وفقا للصحفي ياسر حسن.
تُدار المعابر المنتشرة في جرد القلمون الغربي بشكلٍ مباشر من قبل ميليشيا حزب الله بالتنسيق مع الفرقة الرابعة المُدرعة في الجيش السوري لإيصال الحشيش والكبتاغون إلى أسواق تصريف الإنتاج. لا يُمكن، وفقا للنقيب المنشق عن القوات الخاصة في الجيش السوري وابن عسال الورد إحدى القرى التي تتم من خلالها عمليات التهريب أحمد اليوسف، لتجار الحزب احتكار سوق المخدرات داخل أراضي سلطة حكومة دمشق دون مشاركة كبار “آل الأسد” وأقربائهم واقتسام الأرباح معهم، مقابل تسهيل التجارة والترويج والتهريب.
يُبين اليوسف بأن أسماءً سورية عديدة تُشرف على عمليات التهريب بين سوريا ولبنان، أبرزها أحمد خلوف، وأدهم بكور، وأسامة النقشي، وحمود فياض، وأحمد زيتون، ويزعم أنه يعرف بعضهم شخصياً وهم ينتمون لقوات رديفة للجيش النظامي في بلدة عسال الورد، التي تتركز عمليات التهريب بينها من الجانب السوري، وبين بلدة الطفيل من الجانب اللبناني.
تاجرٌ صغير وتوصية
في عين المكان، مسقط رأس حشيشة الكيف في عمق جرد القلمون الغربي، تواصلنا مع أحد التجار الصغار بوساطة من النقيب المٌنشق أحمد اليوسف، اشترط الرجل للإدلاء بتصريح عدم الكشف عن اسمه.
أفاد التاجر بأن “بضاعتهم (المخدرات) بعد أن كانت تأتي عبر طُرُق الحدود الوعرة من لبنان لتُباع في سوريا بوساطَة سماسرة محليين بات ما يحدث هو العكس تماماً”.
تؤكد موسوعة “بريتانيكا” الإنجليزية أن ثقافة العبور في الطرق الوعرة المُميزة للحدود السورية اللبنانية، لم تكن سمة جديدة على قاطني جانبيها، فمنذُ قديمِ الأزل وفقا للموسوعة تحمل هذه الحدود تاريخاً عميقاً، كان طرفاه على مر العقود الأربعة الماضية حكومة دمشق وحزب الله.
تقول الموسوعة ذاتها: “إن آثار الحركة المتبادلة تبلورت على مدى سنوات طويلة من التداخل الذي تفرضه الجغرافيا، بل أن جانبي الحدود امتدادٌ طبيعي واحد ليس جغرافياً فحسب، بل وديموغرافيا أيضا، وهذا التداخل الطبيعي للحركة عبر الحدود قاد إلى أن تنتشر تجارة التهريب بين البلدين”.
بالعودة إلى التاجر القلموني، الذي يقول بأنه و “قبل الحرب السورية كنا نقطع جرود القلمون الممتلئة بالثغرات التي يَسهُل اختراقُها، ما يجعلُها درباً مثالياً للتهريب ثنائي الاتجاه (من سوريا للبنان والعكس). حاملين أكياس الحشيش اللبناني على ظهور الحمير أو الدراجات النارية، لنبيعه في سوريا، إلا أننا اليوم بتنا مَصدَراً للحشيش وكذلك الكبتاغون، ننقُلًهُما بكلِ يُسرٍ وسهولة عبر الحدود وبطرقٍ مُختلفة من البلد وإليها. سوق التهريب ماشي هالأيام ومتل الدهب”.
يُعلق مسؤولٌ كبير برتبة عقيد في قوى الأمن الداخلي ببيروت مُتمنياً عدم الكشف عن اسمه على ما يقوله التاجر القلموني بالقول: “إنه ومع بدء الحراك الشعبي في سوريا في العام 2011 وما رافقها من فلتانٍ أمني نشطت عصابات التهريب المحلية والدولية على الحدود السورية مع دول الجوار الأربع دون استثناء. لكن حدود لبنان مع سوريا باتت اليوم أكثر من أي وقت مضى قضيةً حية وملفاً مفتوحاً، وهاجساً يؤرق المسؤولين في لبنان”.
يتابع الأمني اللبناني حديثه بالقول: “إن لبنان واحدةٌ من أكثر الدول التي تضررت من الأزمة السورية، إذ لا يزال يمر عبر منافذها سائرا على دروبها، علاء الدين السوري وعلي بابا اللبناني وعصابته حاملين منها وإليها شحناتٍ وشحنات من المخدرات”. ويُردف: “إنهم خطرون للغاية (المهربون وعناصر الحزب)، لا يخافون أحداً، ويتنقلون عبر الحدود بين سوريا ولبنان التي غاب عنها القانون على مرأى من الجميع”. كما يؤكد بأن: “هناك يعمل المهربون بتواطؤ المسؤولين من كلا الجانبين”.
يُحدثنا التاجر، رجُل المخدرات ابن القلمون أيضاً عن مصنع صغير للكبتاغون في المنطقة زارَهُ مُسبقا “رافضا طلبنا زيارته أو تحديد موقعه”. يستخدم المصنع آلات صنع الشوكولاته لإنتاج وتصنيع الإمفيتامين (الاسم العلمي للكبتاغون). يقول: “إن هذا المعمل واحد من عدة مصانع في المنطقة وأصحاب هذه المعامل الصغيرة يفضلون صناعة الكبتاغون على الحشيش لأنها أكثر دواما ويمكن العمل بها على مدار العام بينما الحشيش موسمي”.
يتابع: “العديد من مصانع الكبتاغون في القلمون صغيرة الحجم، يقوم العمال فيها بخلط المواد الكيماوية وضغطها في أقراص مستخدمين آلاتٍ بسيطة”. ويضيف: “تُعتبر عملية إنتاج الكبتاغون عملية مرنة للغاية لا تحتاج لفرقٍ متطورة وخبراء، إذ يمكن أن يشارك في العملية شخصان أو ثلاثة فقط، ولا يحتاجون أكثر من غرفة وآلة ومواد كيماوية يتم استيرادها بشكل قانوني”.
نسأل التاجر، لماذا ينخرطون في هذا المجال، لا يتردد في الإجابة: “إن الحاجة هي التي تدفعنا لهذا النوع من العمل في وقت باتت فيه الناس تقتل من أجل حفنة من المال”.
يعود الرجل مُجددا ليُجيب عن تساؤلنا حول ما يجنونه من عملهم بالممنوعات بالقول: “ليس الكثير. هدفنا النجاة وتوفير الأساسيات” ويزعم أن “المسؤولين البارزين في سوريا وحلفاءهم في حزب الله يحققون مليارات الدولارات من تجارة الحشيشة وحبوب الكبتاغون في القلمون”.
يذهب المتتبع لشؤون كارتلات المخدرات في الشرق الأوسط خالد زهران، إلى ما ذهب إليه التاجر من أن الكبار يحققون المليارات من تجارة المواد المخدرة، ويقول: “إن القلمون تحولت مركزاً نشطاً لصنع وترويج مخدرات حزب الله في سوريا، وقد اعتمدت ميليشيات الحزب سابقاً على أربعة طرق رئيسية تصل الحدود بين سوريا ولبنان من جهة القلمون الغربي لتهريب الحبوب المخدرة ومادة الحشيش”.
ويكشف زهران: “هناك أكثر من 25 نقطة تهريب أساسية على الحدود السورية – اللبنانية بالإضافة لمعابر أخرى في المنطقة ذاتها، تصل بمجموعها إلى 136 معبرا غير شرعي وفقاً لوثيقة أمنية صدرت عن المجلس اللبناني الأعلى للدفاع لكنها أقل نشاطاً وجميعها تُستخدم لتهريب حشيشة الكيف وحبوب الكبتاغون وغيرها من ممنوعات”.
أما أهم المعابر المستخدمة في التهريب من وإلى سلسلة القلمون الجردية حالياً بحسب العسكري المنشق، النقيب أحمد اليوسف، فهي طرق “الطفيل – رأس العين، الجوزة، وادي الصهريج، عقبة التوت”.. يلفت أيضاً إلى أن “كل هذه الطرق تؤدي لبلدتي بريتال واللبوة في منطقة بعلبك، معقلي حزب الله في لبنان، أما الحواجز على هذه الطرق فتشرف عليها الفرقة الرابعة وضباطها”.
تُركز الميليشيا في عمليات التهريب أيضاً وفقا للعسكري، على طريق رنكوس الذي يبدأ من بلدات سهل البقاع اللبناني، وصولاً إلى مزرعة الدرة في جرود رنكوس، ثم إلى سهل رنكوس والمدينة نفسها، وطريق الطفيل وعسال الورد الذي يبدأ من منطقة رأس الحرف في سهل البقاع، ومنها إلى منطقة المبحص، ثم إلى قرية الطفيل عبر منطقة الجوزة في الجرود الحدودية.
قبل أن تنتقل بحسب النقيب السوري إلى عسال الورد الذي يقول من موقع المُطلع باعتباره ابن البلدة يعرفُها وتعرفُه: “إن لعمليات التهريب فيها خصوصية، حيث يتم الأمر فيها عن طريق دفع مبالغ مالية حسب عدد السيارات، وتُسلَّم للضابط المسؤول عن الحاجز”، ويردف: “هناك عمليتا تهريب تتمان كل أسبوع، حسب التنسيق بين المهربين والفرقة الرابعة”.
“يعتمد الحزب أيضاً على طريق فليطة الذي يمر من قرى البقاع اللبناني إلى فليطة في جرود القلمون بالقرب من منطقة الثلاجات، وعلى طريق قارة الذي يبدأ من معبر الزمراني الحدودي بين سوريا ولبنان، ومنه إلى جرود قارة عند منطقة ميرا وصولاً إلى بلدة قارة”. كُل ذلك وفقا للنقيب المنشق أحمد اليوسف.
هنا تنتهي مغامرتنا في سلسلة القلمون الجردية لتبدأ جولة أخرى من البحث في الغوطة الشرقية التي كان علينا وفقاً للعسكري السوري المُنشق أحمد اليوسف، تتبُع خفايا حكاية مخدرات حزب الله فيها لتكتمل الصورة.
الغوطة الشرقية ومُنشآتٌ هاربة عن سطح الأرض
من القلمون توجهنا قاصدين الغوطة الشرقية؛ هناك في عين المكان التقى كاتب هذا التحقيق عبر صديقٍ لصديق بالشاب الثلاثيني أحمد عيسى (اسم مستعار) ابن بلدة “العتيبة” القابعة في عمق الغوطة الشرقية؛ على أطراف العاصمة السورية “دمشق”.
قادت المصاعب الاقتصادية الشاب السوري للانضمام مُجددا إلى الميليشيات المنضوية تحت جناح حزب الله اللبناني كعنصر حماية لواحدة من منشآت تصنيع الكبتاغون في الغوطة، خاصةً بعد خوضِهِ التجربة من قبل كمُقاتل في صفوف ميليشيا الحزب اللبناني.
يقول أحمد: “إن الأمر يوفر له مالا سهلا” ويكشف أنه يعمل في مجال حماية مواقع تصنيع المخدرات منذ العام 2018 بعد أن ضاق به الحال داخل قريته في محافظة ريف دمشق.
كما يُوضح أن العمل في مصانع الكبتاغون جارٍ على قدم وساق دون حسيب أو رقيب. قبل أن يعود ليكشف أنه شاهد بأم العين مزارع الحشيش التي يرعاها حزب الله في زبدين وشبعا بغوطة دمشق.
يحكي الشاب السوري عن تحضيرات عسكرية متواصلة في مواقع ميليشيا حزب الله بسوريا، يتحدث عن حفر أنفاق وبناء قواعد عسكرية تحت الأرض استعدادا لمعركة ضد “الجيش الإسرائيلي”. تشهد “العتيبة ــ مسقط رأس أحمد” أقصى شرق الغوطة الشرقية لدمشق مثالا لا حصرا بحسب قوله، تعزيزا لمواقع الحزب في سوريا، عبر حفر الأرض لوضع غرف مسبقة الصنع تُغطى بالتراب والصخور، وترتبط بشبكة أنفاق ضخمة مدعمة بالإسمنت ومغطاة بالتراب، منعا لكشفها من طيران الاستطلاع الإسرائيلي واستهدافها في أي معركة مقبلة.
نقلنا كلمات الشاب السوري أحمد عيسى إلى الباحث في الاقتصاد السياسي معتز حمادة، الذي يُعلق على الأمر بالقول: “كل هذه الأعمال الميدانية إن صح حديث أحمد، تحتاج تمويلاً يومياً بملايين الدولارات لا تجده الميليشيات في الوقت الحالي بظل العقوبات الأمريكية التي تلاحق تمويل حزب الله حول العالم، إلا عبر البحث عن مصادر مالية سريعة كتجارة المخدرات وتهريبها عبر الحدود”.
بالعودة إلى أحمد يقول الشاب من واقع مشاهداته الميدانية ومما سمع ممن يعملون داخل معامل الحبوب السحرية: “يمكن تصنيع حبة كبتاغون واحدة بتكلفة منخفضة جداً، وتُنتج مصانع الغوطة صنفان من الحبوب المسماة كبتاغون، حبوب صفراء رديئة الجودة، وحبوب بيضاء عالية الجودة، والأخيرة أغلى ثمناً وعادة ما يتم تصديرها”.
ويردف: “إلى جانب الحبوب المنتجة في الغوطة، يتم أيضا تداول الحبوب المستوردة سواءً للاستهلاك المحلي أو لمزيد من التصدير إلى أسواق أكثر ربحا”، كما يُضيف: “يُمكن تعبئة 5000 حبة كبتاغون داخل علبة أحذية ولا تزن هذه الحبوب جميعاً أكثر من كيلو غرام واحد، ولذلك فإن إخفاء العقار لتصديره بكميات كبيرة أمرٌ في غاية السهولة واليسر”.
لم تعد الغوطة الدمشقية التي تغنى بها الشعراء كما كانت يوما، بل تحولت مركزا لتصنيع الكبتاغون وزراعة الحشيش بالإضافة إلى كونها نقطة عبور وسوق استهلاكي في حد ذاتها. تتدفق المخدرات من وإلى الغوطة يحسب المُتتبع لشؤون كارتلات المخدرات في الشرق الأوسط خالد زهران عبر مسار يبدأ من سهل البقاع في الجنوب اللبناني، ويتفرع عند نقطة فليطة في القلمون إلى شعبتين.
يشرح زهران الأمر بالقول: “تصل الشعبة الأولى إلى عسال الورد ورنكوس في جرد القلمون، ومنها إلى عدرا العمالية والضمير وحران العواميد والمطلة والمسمّية في الغوطة بريف دمشق، أما الثانية فتسلك الدرب من فليطة باتجاه يبرود وجيرود أيضا في القلمون ومنها إلى الرحيبة والضمير وحران العواميد والمطلة ودير علي في الغوطة. كلا الشعبتين تعودان لتصُبان بمحافظة درعا في الجنوب السوري”.
مناطق عسكرية مُغلقة.. يُمنع الاقتراب أو التصوير
“ممنوعٌ الاقتراب أو التصوير” عبارةٌ باتت سمةً مُشتركة بين الثكنات العسكرية السورية ومصانع الكبتاغون. على المدخل تُعلق يافطات خط عليها كلماتٌ قليلات وتحديدا عبارة “منطقة عسكرية مُغلقة، يُمنع الاقتراب أو التصوير”. كلتاهما “الثكنات ومصانع الكبتاغون” يحميهما الجنود الذين كانت تعدهم البلاد يوما لحماية الحدود.
لم تُبلِّغ رسمياً حتى أواخر العام 2011، عن اكتشاف حتى ولو معمل كبتاغون واحد على أراضيها، حتى ذلك الوقت كانت العائلة الحاكمة تتعاون مع تجار المخدرات في البلاد دون أن تكون متورطة في تصنيع المخدرات.
لم تلبث أن هبطت إلى أرض سوريا ورش تصنيع الكبتاغون بعد أن بدأ بعض السوريين في صنع المواد المُخدرة بالتعاون مع صيادلة محليين باستخدام آلات صنع الأدوية من المعامل الدوائية التي توقفت عن العمل بسبب ظروف الحرب. كانت تلك الخطوة الأبرز في بداية طريق الألف ميل الُمخدر التي تخطوها سوريا نحو التحول لجمهورية كبتاغون عالمية.
“توسع الأمر على مدى السنوات العشر الماضية” وفقا للخبير الأمريكي في الاقتصاد غير المشروع ريتشارد أوستن. “مع استغلال شبكات المخدرات لكل الإمكانيات المتوافرة في سوريا، البشرية منها واللوجستية لضمان ازدهار ونجاح تجارة الممنوعات، من خبراء خلط الأدوية، والمصانع الدوائية التي حوُلت لورش لتصنيع الكبتاغون، علاوة على مصانع التوضيب حيث تُجهز الحبوب وتخبأ للتصدير، بالإضافة إلى المخازن والمرافئ المتصلة بممرات الشحن في البحر الأبيض المتوسط، وشبكات المهربين وطرق التهريب البرية الخاضعة لحماية الدولة إلى كلٍ من الأردن ولبنان والعراق”.
يقول الخبير الأمريكي في الاقتصاد غير المشروع إن العشرات من مختبرات الكبتاغون الصغيرة قد بُنيت في البلاد، ويتم بناء المزيد كل شهر مع تفاقم الأزمة الاقتصادية التي أجبرت وتجبر السوريين على إيجاد مصادر جديدة للدخل”. ويضيف بأنه “كلما ساء الاقتصاد، ستجد المزيد من المنخرطين في إنتاج الحبة السحرية على اعتبار أن الأموال المُتأتية من إنتاج المخدرات قد تساعد بعض العائلات في تحمل الأوقات الاقتصادية الصعبة”، ويعود ليستدرك بالقول: “لكن زيادة إنتاج الإمفيتامين يعني في النهاية مزيداً من المصاعب للشعب السوري”.
انفجار الكبتاغون
عَصَفَ بسوريا انفجارٌ من كبتاغون لا يفوقه أي انفجار، أزهَرَتْ في البلاد شبكة مُنظمة من مصانع الحبة السحرية تنتشر كما النار في هشيم معظم المحافظات السورية. تتبعنا وجود 50 موقعاً كبيراً لإنتاج وتصنيع المخدرات في سوريا منها 12 مركزاً لتصنيع الكريستال ميث، و23 مركزاً لتصنيع الحشيش، و15 منشأة من الحجم الكبير لإنتاج الكبتاغون كانت بالأساس بعضا من أفضل المنشآت الدوائية في سوريا. كان أبرزها مصنع “ميديكو للأدوية” في حمص ويشرف عليه الحرس الثوري الإيراني بشكل مباشر.
تكشف مصادرنا الميدانية أن معمل “البصة” جنوب اللاذقية هو أبرز مصانع الكبتاغون المملوكة لعائلة الأسد، ويُعتبر الأكبر والأبرز في سلسلة مصانع الإنتاج المملوكة للعائلة الحاكمة، ويشرف عليه أشخاص من العائلة وتحديدا سامر كمال الأسد ابن عم الرئيس، إلى جانب “معمل التضامن” في دمشق الذي تديره الفرقة الرابعة، وهناك مصانع أخرى في مدينة “حسياء الصناعية” على الطريق الدولي الرابط بين دمشق وحمص.
وللذكرى، عَلَّ الذكرى تنفع من يُبصرون، توجد ورش متوسطة بحجم مصانع تتبع لحزب الله اللبناني تحدثنا عنها في سياق التحقيق، وتتوزع بشكل أساسي في القصير جنوب غرب حمص، وصولا إلى مناطق القلمون والغوطة الشرقية بريف دمشق التي يجري فيها تكثيف حضور الميليشيات الإيرانية لإنشاء المزيد من “مكابس الكبتاغون”.
تُبين الباحثة في شؤون الاقتصادات غير المشروع، الخبيرة الأمريكية كارول ماركيز في حديثها لنا أن بأنه “تم رصد تلك المصانع قبل الحرب وخلالها في حماة، ثم في ريف دمشق وضواحيها التي يتواجد فيها 15 معملا بين كبير ومتوسط وورش صغيرة (مجرد مكبس للكبتاغون)، يتوزعون على الشكل التالي، 3 معامل في سرغايا ومعملان في رنكوس ومثلهما في عسال الورد والجبة، ومعمل واحد في كل من تلفيتا وبخعة والطفيل ومضايا والصبورة والخرابات”.
كما حصلنا عبر مصادرنا الميدانية، على إحداثيات لأهم مصانع الكبتاغون في اللاذقية وريفها، وهي المعمل الموجود خلف مدرسة “جول جمّال” التي درس فيها الرئيس السوري السابق حافظ الأسد، ويبعد عن ميناء اللاذقية حوالي 2 كلم فقط، بينما يبعد معمل “الشلفاطية” عن الميناء نحو 13 كلم.
أما معمل “عين البيضا” فيبعد نحو 22 كيلومترا عن الميناء، ومعمل “ريف جبلة” يبعد حوالي 35 كيلومترا عن المرفأ، بالإضافة لمصنع “قرية الصنوبر” ومصنع “البصة” المذكور آنفا في سياق هذا التحقيق. تقع هذه المعامل قرب خطوط التهريب الرئيسية لتتقاطع لاحقا في ميناء اللاذقية، فأبعد هذه المعامل لا يفصله عن الميناء سوى مشير حوالي الثلث ساعة بالسيارة العادية.
المادة الخام
لم يكن ينقص السوريين حتى يعيشوا رفاهية الجحيم، مُكتملة الأركان سوى استيراد المواد الخام لتصنيع الكبتاغون، وهو ما جرى ويجري منذ سنوات وفقا للكيميائي بشار عليان (اسم مستعار) الذي يقول إن “صناعة الحبة السحرية تعتمد على ثلاثة أنواع من المواد الخام تشكل عصب هذه الصناعة، أولها تدعى سودوإيفيدرين وهي سلائف كيميائية مُزدوجة الاستخدام تدخل في الصناعات الدوائية الشرعية كما تدخل في صناعة المخدرات، وتُستورد اليوم من الهند وأمريكا الجنوبية وروسيا بعد أن حظر الغرب تصديرها إلى سوريا بتوصية من منظمات أممية عام 2016”.
يتابع الكيميائي السوري حديثه بالقول: إن ثاني هذه المواد وهي الأخطر، وتدعى الكريستال ميث والمعروفة بين أوساط المُصنّعين بـ(الشبوة)، وتصل غالبا وفقا للمتتبع لشؤون كارتلات المخدرات في الشرق الأوسط خالد زهران، مُحملة بالشاحنات من إيران لتمر عبر الأراضي العراقية من عدة معابر أهمها معبر (القائم ــ البوكمال) إلى شرقي سوريا. أما ثالثها والتي طلبت دمشق في العام 2015 من شركات الأدوية المرخصة بسوريا زيادة استيرادها وفقا للكيميائي حسان علي، فهي مادة الفينيثيلين (أحد الأسماء العلمية للكبتاغون).
عام 2020، بينت سجلات الأمم المتحدة التي اطلعنا عليها أن سوريا استوردت 50 طناً كاملة من مكون السودوإيفيدرين الأساسي لإنتاج الكبتاغون، وتعد هذه الكمية أكبر بكثير مما تستورده سويسرا، إحدى كبار صُناع الأدوية في أوروبا والعالم.

